أصدق خطبة لإبليس اللعين في الغاوين يوم الدين
اشتهرت في تاربخ الناس خطب ظلت تردد على الأسماع لشهرتها أو غرابتها أو لشأن أصحابها. ومن المستغرب أن يشتهر أخبث خلق الله الشيطان الرجيم بخطبة ستكون مشهورة مشهودة في الحياة الأخرى ، ووجه الغرابة والاستغراب أن هذا المخلوق الشرير الذي لم يصدق قط في حياته ، يكون صادقا في خطبته يومذاك . جاء في الأثر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : » إذا جمع الله الأولين والآخرين فقضى بينهم ففزع أو فرغ من القضاء ، قال المؤمنون قد قضى بيننا ربنا فمن يشفع لنا ؟ فيقولون : انطلقوا بنا إلى آدم ، وذكر نوحا وإبراهيم وموسى وعيسى . فيقول عيسى : أدلكم على النبي الأمي ، فيأتوني ، فيأذن الله لي أن أقوم إليه ، فيثور من مجلسي من أطيب ريح شمها أحد قط حتى آتي ربي فيشفعني ، ويجعل لي نورا من شعر رأسي إلى ظفر قدمي ، ثم يقول الكافرون هذا قد وجد المؤمنون من يشفع لهم ، فمن يشفع لنا ؟ ما هو إلا إبليس ، هو الذي أضلنا ، فيأتون إبليس فيقولون : قد وجد المؤمنون من يشفع لهم فاشفع لنا فإنك أضللتنا فيقوم ، فيثور من مجلسه من أنتن ريح شمها أحد قط ثم يعظم نحيبهم » ومضمون خطبة إبليس اللعين جاء ذكرها في القرآن الكريم إذ قرأ النبي صلى الله عليه وسلم ما جاء في القرآن الكريم بعد كلامه وهو قوله تعالى : ((وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتمون من قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم )). والحديث الشريف يقرب منا صورة هذه الخطبة التي أداها إبليس بصراخ وعويل ردا على صراخ وعويل الغاوين حيث جاء ت في الحديث عبارة : » ثم يعظم نحيبهم « . فمضمون خطبة إبليس هذه صدق وهو الذي لم يصدق قط.
والهدف من خطبته هو خذلان من اتبعه من الغاوين والتبرؤ منهم ومن أعمالهم بعد أن يتبرأ بعضهم من بعض كما جاء في القرآن الكريم مباشرة قبل الإشارة إلى خطبته ، وهو قول الله تعالى : (( وبرزوا لله جميعا فقال الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء قالوا لو هدنا الله لهديناكم سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص )). هذه الآية الكريمة تجعل الغاوين يوم القيامة فئتين : فئة الضعفاء التابعين ، وفئة المستكبرين المتبوعين أو القادة ، وكلهم من أتباع إبليس لقوله تعالى : (( إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين )). وحوار الضعفاء مع المستكبرين يكشف عن آفة التقليد الأعمى الذي وقع فيه هؤلاء الضعفاء الذين عطلوا عقولهم أمام المستكبرين ، ولعهلم سموا الضعفاء لضعف عقولهم كما يقول بعض المفسرين . والعقول إنما تضعف عندما تنبهر أمام غيرها ، وتعتقد التفوق في غيرها مما يوقعها في الكسل أو اليأس من بلوغ شأو غيرها ، ويترسخ عند أصحابها الاعتقاد بدونيتهم أمام غيرهم ، وبتميز هذا الغير الذي لا يمكن أن يدرك وحينئذ يفعل المتميزون بالأتباع ما يشاءون وقد استخفوا بعقولهم واقنعوهم بتعطيلها. وأكبر المستكبرين إبليس اللعين الذي يصادر عقول الغاوين بنوعيهم المستكبرين والضعفاء على حد سواء ، ويعطلها ، ويركب المستكبرين من الغاوين ليسوق سوق النعم الضعفاء منهم . فإبليس اللعين يتسلط على المستكبرين من قادة ،وساسة ، وزعماء ، ومفكرين ، وفلاسفة فهم طعمه الذي يصطاد به سواد الضعفاء. وفي خطبته يوم الدين وسط الغاوين الجازعين الصارخين يكشف عن حقيقة استخفافه بهم حين يقول : (( وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم )) فالمعلوم أن السلطان يدل على القهر سواء كان قهرا ماديا أم معنويا ، والقهر المعنوي يكون بالإقناع عن طريق الحجة والبرهان والدليل.
وإبليس اللعين يعترف في خطبته الصادقة أنه لم يكن عنده سلطان ،أي لم يكن في حاجة إلى سلطان الإقناع ليوقع من يوقع من الغاوين في المعاصي والآثام ما دامت عقولهم معطلة أمام أهوائهم وغرائزهم وشهواتهم المنطلقة بدون قيود. ويعترف إبليس اللعين في خطبته بأنه وعد وأخلف بمعنى كذب ،وجاء بباطل مقابل الحق الذي جاء به رب العزة جل جلاله في قوله : (( وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم )) فالحق نقيض الباطل ، والله تعالى تسمى من ضمن ما تسمى به من أسماء حسنى باسم الحق . واسم الحق يدل على الموجود الوجود الثابت لذاته أزلا وأبدا كما جاء في المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى للإمام أبي حامد الغزالي رحمه الله. والباطل نقيض الحق لا وجود له . ولا وجود لموجود إلا بالاعتماد على الموجود لذاته جل جلاله. والدليل على وعد الله الحق ، ووعد إبليس المكذوب ما جاء في القرآن الكريم بخصوص قصة آدم عليه السلام في قوله تعالى : (( وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين فدلاهما بغرور ))
لقد كان وعد الله تعالى لآدم حقا وهو وجود النعيم المحقق في الجنة ما لم يقرب الشجرة الممنوعة ، بينما كان وعد إبليس كاذبا إذ لم يكن في الأكل من الشجرة حقيقة تحصيل مرتبة الملائكية أو الخلود ، بل كان مجرد كذب وباطل لا وجود له لإن الموجود لذاته لم يوجده . والمترتب عن هذا أن الله عز وجل لا يعطل عقول الخلق بل خلقها لتشغل وتعمل ، فتدرك الحق أي الموجود الذي أوجده ، والباطل الذي لا وجود له . ولله تعالى على خلقة سلطان أي قوة إقناع بالحجة والدليل والبرهان ، بينما يعطل إبليس اللعين عقول الغاوين من الخلق فلا تستطيع إدراك الحق الموجود بوجود الله تعالى ، ويسهل عليه أن يسوق لهم الباطل غير الموجود في حالة تعطيل عقولهم ، واشتغال غرائزهم وأهوائهم وشهواتهم. فأسلوب الله تعالى هو أسلوب إقناع يخاطب العقول ، بينما أسلوب إبليس اللعين هو أسلوب إغواء يخاطب الأهواء. فآدم عليه السلام تعرض للنسيان ، والنسيان حالة من حالات تعطيل العقل اغتنمها إبليس كفرصة سانحة لاستخدام أسلوب الإغواء المستهدف للهوى فكان له ما أراد من تمرير الباطل. ولما كان إغواء إبليس أسلوبا ضعيفا للإقناع فقد لجأ إلى القسم واليمين كذبا من أجل ترجيح كفة هذا الإغواء ، علما بأن اليمين تؤثر في العواطف ، ولا تأثير لها في العقول لهذا تأتي في الدرجة الثانية في الدعاوى القضائية ادعاء وإنكارا بعد البينة التي تطمئن لها العقول ، في حين تطمئن العواطف لليمين .
وما حصل لآدم عليه السلام مع إبليس اللعين ينسحب على ذريته حيث يغتنم فرصة تعطيل عقولهم لتشغيل أسلوب إغوائه عن طريق ركوب أهوائهم من أجل تقديم الباطل على أنه حق. وما يقوم به المستكبرون من الغاوين مع الضعفاء منهم إنما هو صناعة إبليسية تستغل فرص تعطيل العقول لتمرير الأفكار والقناعات الباطلة على أنه حق. فكم من زعيم أوقائد ، أوفيلسوف أومفكر من مستكبري الغاوين تبعه خلق كثير من ضعفاء الغاوين المعطلين لعقولهم ، فسهل عليه أن يسوقهم سوق النعم راكبا أهواءهم. وقد تأكد عبر التاريخ أن صفقات الضعفاء المعطلين لعقولهم خاسرة حينما تبعوا المستكبرين وتابعوهم في أباطيلهم. والنماذج كثيرة في السياسة والفكر والاجتماع والتدين وهلم جرا. وهي نماذج في هذه الحياة قبل الآخرة جديرة بالتدبر قبل حلول موعد جدال الندم والحسرة بين المستكبرين والضعفاء من الغاوين ، وقبل خطبة الخذلان من إبليس اللعين . فهل ستتعظ جيوش المعطلين لعقولهم من الضعفاء الغاوين في كل مجالات الحياة ، والخاضعين للمستكبرين الذين يسوقونهم سوق النعم في كل واد أم موعدهم خطبة إبليس اللعين ؟؟؟




Aucun commentaire