نبي الله إبراهيم عليه السلام أتم كلمات الطاعة وحازمنزلة الخلة

من المعلوم أن الله عز وجل ربط بين واجب طاعته وجائزة محبته فقال في محكم التنزيل وهو أصدق القائلين : (( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم )). فاتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم عبارة عن طاعة الله عز وجل على الوجه المطلوب ، وهي ثمن حيازة جائزة محبة الله جل جلاله. وهي جائزة لا تضاهيها جائزة فمحبة الله عز وجل من ظفر بها ظفر بسعادة الدارين . لهذا نجد في الحديث القدسي : » ما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها …. » إلى آخر الحديث مما يدل على عظمة جائزة محبة العبد المطيع ، والمجتهد في الطاعة بالنوافل بعد إتيان الفرائض على وجهها. ونظرا لقيمة هذه الجائزة فإن الثمن حتما يكون باهظا لهذا حفت الطاعة بالمكاره والمهالك .
وقد رتب الله عز وجل أهل الطاعة على قدر إتيان الطاعة على وجهها فقال جل من قائل : (( ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا )) فهذا الترتيب في سلم الطاعة ليس اعتباطيا حيث جعل الله تعالى في أعلى مراتب الطاعة الأنبياء ثم جعل بعدهم الصديقين ثم جعل بعد الصديقين الشهداء ، ثم جعل بعد الشهداء الصالحين ، ثم جعل بعد الصالحين عامة المطيعين. فعلى قدر الطاعة تأتي الرتبة ، فالمطيع إما أن يكون كامل الطاعة فهو نبي أو صديق أو شهيد أو صالح أو مطيع. وداخل كل فئة توجد درجات. ففي فئة الأنبياء يتميز أولو العزم عن غيرهم ذلك أن الله عز وجل يقول : (( ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما )) كما يقول : (( واصبر كما صبر أولو العزم من الرسل)) مما يعني وجود مرتبتين في فئة الأنبياء مرتبة أولي العزم ومرتبة من دونهم عزما، وعليه تكون لكل فئة من الفئات التالية لفئة الأنبياء على الأقل مرتبتين من حيث العزم أو عدمه . ومن نماذج طاعة الأنبياء من أولي العزم طاعة نبي الله إبراهيم الخليل عليه السلام الذي قال فيه رب العزة سبحانه : (( وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين )). لقد ابتلى الله عز وجل إبراهيم عليه السلام بكلمات الطاعة بما فيها من أوامر ونواه فأتمهن بمعنى أتى الطاعات على وجهها الكامل فحاز بذلك جائزة الخلة حيث قال الله تعالى عنه : (( واتخذ الله إبراهيم خليلا )). وعندما نتأمل الكلمات التي ابتلي بها إبراهيم الخليل عليه السلام نجد من ضمنها أمر الله له بمواجهة النمرود حاكم عصره الطاغية المكابر والمتجاسر على الله عز وجل ، وهو ابتلاء عظيم حيث خاطر إبراهيم الخليل بنفسه أمام هذا الطاغية من أجل الدعوة إلى الله عز وجل وإحقاق الحق وإبطال الباطل. و
من ضمن كلمات الابتلاء أيضا تحطيم أصنام قومه ،وهي مغامرة لا تقل خطورة عن مواجهة الحاكم الطاغية ، وقد جرت بالفعل على إبراهيم عقوبة غير مسبوقة في تاريخ العقوبات البشرية وهي عقوبة الموت حرقا ، وهذه أيضا تضحية بالنفس من أجل الدعوة إلى الله عز وجل. ومن كلمات الابتلاء أيضا أمره بالهجرة حيث هاجر إبراهيم الخليل موطنه إلى مواطن غريبة عنه استجابة لأمر الله عز وجل ، وغير خاف ما في ابتلاء ترك الوطن من مشقة ومكروه وما فيه من مخاطرة بالنفس خصوصا عندما يتعلق الأمر بترك الأهل والولد في مفازة ، قاحلة لا ماء فيه ولا زرع ، وعندما يتعلق الأمر بمولود رزقه إبراهيم على الكبر وتعلق به قلبه أيما تعلق ، و لا يوجد أشد على النفس من ترك ما يتعلق به القلب ومع ذلك فقد ضحى إبراهيم بحبة القلب من أجل الدعوة إلى الله عز وجل. ومن كلمات الابتلاء أمر الله عز وجل له بذبح الولد الحبيب إسماعيل عليه السلام بعد بلوغه السعي مع أبيه، ولا يوجد أشق على النفس من فقدان الولد بحيث تكون تصفيته بيد والده نحرا وهو الذي أحبه حب من رزق الولد على الكبر وبعد شوق وحرقة كبيرين. فقد يتحمل الإنسان آلام خروج روحه مهما كانت طريقة موته ولكنه لا يتحمل آلام فقدان الولد قرة العين لأن آلام خروج الروح محدودة بينما آلام فقدان الولد وبيد الوالد نحرا لا حد لها ولا طاقة لأحد بها لأن مدتها تدوم دوام حياة الأب المفجوع بولده ، ومع ذلك فقد تحملها إبراهيم الخليل بعزم وصبر فكان بذلك متما لكلمات الطاعة التي ابتلاه الله عز وجل بها ، فحاز بذلك جائزة الخلة ، وإمامة العالمين ، وقدوة المسلمين لقوله تعالى : (( قد كان لكم إسوة حسنة في إبراهيم )) .و لقد وصف الله تعالى طاعة نبيه الكريم إبراهيم الخليل بوصف التوفية فقال عنه : (( وإبراهيم الذي وفى )) وبالفعل لقد وفى إبراهيم الخليل الطاعة حقها. ويمكن القول أن نبي الله إبراهيم الخليل عليه السلام قد حطم رقما قياسيا في الطاعة لم يشاركه فيه إلا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، وحاز بذلك ميدالية الخلة مع ميداليات أخرى وهي إمامة العالمين ، وقدوة المؤمنين . وكل أنبياء الله عز وجل نالوا حظهم من الابتلاء بكلمات الطاعة فكانت لهم أرقامهم القياسية ولهم ميدالياتهم ، وكل الفئات التي تليهم في الطاعة من صديقين وشهداء وصالحين ومطيعين كان لها حظها من الابتلاء بكلمات الطاعة ، وكانت لها حظوظها من محبة الله عز وجل بقدر حجم الابتلاء. ولكل مؤمن ومؤمنة في كل زمان وفي كل مكان حظه من الابتلاء بكلمات الطاعة ، وله نصيبه من محبة الله عز وجل بقدر حجم الابتلاء. وكما أعطى الله عز وجل نبيه الكريم إبراهيم الخليل عليه السلام أعلى درجة بسبب إتمامه كلمات الطاعة وهي درجة الخلة ، ودرجة إمامة العالمين ، وقدوة المؤمنين فإنه كلما اجتهد مؤمن في طاعة الله عز وجل طالبا تمام الطاعة كلما بوأه الله تعالى درجة المحبة و القيادة والقدوة على حسب قدره في الطاعة.
لن ينال أحد مكانة نبي الله إبراهيم الخليل إلا سيد المرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، ولكن وعد الله تعالى ناجز فكل من اجتهد في الطاعة لإتمامها كان له مسار إبراهيم الخليل على قدر حظه من الطاعة ، ومن تمامها.
فها نحن نحتفل بمناسبة ذكرى طاعة إبراهيم الخليل عليه السلام ولكن بطقوس النحر فقط التي قد لا تتجاوز إهراق دماء الأضاحي ، والتهام لحومها دون استحضار تقوى إبراهيم الخليل مع أننا نقرأ في القرآن الكريم : (( لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم )). لا أحد منا يفكر في التأسي بطاعة إبراهيم الخليل من أجل الدعوة إلى الله عز وجل ، لا أحد منا يسترخص نفسه وولده ووطنه في سبيل الله كما كان حال إبراهيم الخليل عليه صلوات الله وسلامه إلا من شملته رعاية الله عز وجل وألحقه بمن قال فيهم : (( وحسن أولئك رفيقا)).





1 Comment
Un article d’une grande profondeur et d’une analyse de qualité. Nous avons tous à nous y inspirer aussi bien au .niveau de la maîtrise de la composition du discours que de son contenu. J’ai ressenti un plaisir immense à le lire Il s’agit là bien sûr d’une lecture dynamique du texte scripturaire, d’une approche intratextuelle qui favorise la compréhension du Coran par le Coran lui-même. Nous espérons voire surgir davantage de lumières de cette qualité. Bravo à l’auteur et bon vent pour une prochaine publication.