أزمة المسلمين تكمن في حضور القدوة وفي غياب الاقتداء

مما جاء في الأثر : » جاء الإسلام غريبا وسيعود غريبا فطوبى للغرباء » وغربة الإسلام إنما تقاس بالمسافة الفاصلة بين القدوة والاقتداء. فكلما كانت هذه المسافة ضيقة كلما قلت غربة الدين . ومن المعلوم أن اكتمال القدوة كان خلال 23 سنة من عمر النبوة المباركة حيث أكمل الله عز وجل دينه ، وباكتمال الدين تمت النعمة ، وهي نعمة اكتمال النموذج الذي جعله الله قدوة للعالمين . وراكم المسلمون خلال القرون التالية لعمر النبوة رصيدا هائلا من المعلومات حول النموذج القدوة. وكان بالإمكان الاكتفاء برصيد عصر النبوة الكافي الشافي والجامع المانع ، ولكن اشتغل أهل العلم بالتوسع في تقريب نموذج القدوة من الناس في كل عصر ومصر حسب مؤهلاتهم وطبيعة عصرهم. ولا يمكن بتاتا أن يدعي أحد عدم وضوح صورة القدوة في أي عصر، وفي المقابل لا يمكن بتاتا أن يدعي أحد أن الاقتداء حاصل مما يعني وجود حالة انفصام بين القدوة والإقتداء. وحياة المسلمين اليوم في الغالب لا ترتبط بالقدوة إلا من خلال أشكال فارغة المحتوى.
ولقد استرعى انتباهي عنوان محاضرة ألقيت بمقر المجلس العلمي المحلي بوجدة انطلق صاحبها من نموذج نسائي تمثله الصحابية الجليلة عاتكة بنت زيد بن عمرو المرأة التي جمعت بين الورع والتقوى والجمال الخلقي والخلقي والأدب والشعر . وكانت نموذج الزوجة المؤمنة المثالية المحبة للزوج المطيع له في طاعة الله عز وجل. ولقد شاءت إرادة الله تعالى أن تكون زوجة لأربعة صحابة أجلاء منهم الفاروق عمر رضي الله عنه إذ كانت تطلب يدها كلما توفي عنه زوجها لنموذجيتها . وكانت مثال الوفاء والحب والطاعة للزوج . ولم يمنعها انتقالها من عصمة زوج إلى عصمة آخر من الثبات على خلق المرأة المسلمة حبا ووفاء وطاعة. والمحاضر عندما اختار هذا النموذج الرفيع للمرأة المسلمة أراد أن يذكر بالقدوة في زمن غياب الاقتداء .فمن من المسلمات اليوم تستطيع الاقتداء بالصحابية الجليلة عاتكة بنت زيد ؟ فلو أن امرأة مسلمة اليوم انتقلت من عصمة زوج غيبه الموت إلى عصمة آخر حتى انتهى بها المطاف إلى العصمة الرابعة لكانت هدف اتهام في عرضها. ولو أن هذه المرأة عبرت عن حبها ووفائها وإخلاصها لأزواجها الأربعة كما فعلت عاتكة لعاب عليها الناس في هذا الزمان ذلك ووصفت بكل وصف مشين .
تأملت نموذج الصحابية الجليلة عاتكة رضوان الله عليها فوجدت حضور القدوة ولكنني عدمت الاقتداء. أجل لاشك أنه حضرت المحاضرة نسوة ، وتابعن المحاضر وهو يروي قصة عاتكة ، وربما تأثرت بعضهن ففاضت بسبب ذلك العيون ، وخشعت القلوب ولكن ظلت الهوة ما بين القدوة والاقتداء سحيقة تقاس بعدد القرون الفاصلة بين عهد عاتكة وعهد نسوة هذا الزمن الذي صار فيه الإسلام غريبا. أجل إن حالة عاتكة غريبة في هذا الزمن الذي يستورد قيم الغرب الذي صهر الثقافة اليهودية والمسيحية والعلمانية في بوتقة واحدة فكان الحاصل شكلا لا يمت بصلة إلى نموذج القدوة في دين الإسلام. وعبثا يحاول البعض التقريب بين الصورة الغربية الشائهة والنموذج الإسلامي القدوة.
وما قيل عن عاتكة يقال عن باقي نماذج القدوة الراقية من نساء ورجال عصر الدعوة.سيروي المحاضرون حكايات هذه النماذج ، وسيستمع إليها أهل هذا الزمان بخشوع ودموع وإعجاب وانبهار ولكن لن يفكر أحد في الاقتداء بها ، وإن حاول كان موضوع انتقاد وتجريح لأن القيم الغربية المستوردة والطاغية جعلت النماذج القدوة غريبة عنا، نسمع حكاياتها ونتسلى بها كما يتسلى الغرب بأساطيره مع فرق بين واقعية نماذجنا وخيال ووهم أشكاله . فإلى أن يفعل الإقتداء ستظل القدوة حاضرة في انتظار أن يزول زمن الغربة وتتقلص المسافة بين القدوة والاقتداء . وحين توجد عاتكات هذا الزمان نكون قد عرفنا الطريق إلى تقليص الهوة بين القدوة الحاضرة والاقتداء الغائب.




Aucun commentaire