ثورة ليبيا…ثورة حتى النصر

كل من يتابع ما يحصل بليبيا الآن يشد على قلبه وهو يلهج بالدعاء من أجل هذه الثورة المباركة التي فاجأت نظام القذافي المستبد الذي كتم أنفاس الليبيين منذ 42 سنة. فالعقيد عميد الديكتاتورات العرب ظن أنه آمن، وأن نظامه محصن ضد كل الأعاصير والثورات.فلماذا يخشى الثورة التي قضت على جبارين جارين قبل أسابيع، وهو قائد ثورة أنجزها مند أزيد من أربعة عقود وتربع على عرشها قائدا أبديا يحرسها من العملاء وأعداء الديموقراطية والشعب؟ ثم إنه ليس حاكما إذ هو ليس سوى قائدا، وإن ليبيا ليست دولة، فهي جماهيرية فريدة في التاريخ القديم والحديث على السواء.
أربعون سنة والشعب يرزح تحت حكم العقيد الثوري، القائد الأممي الطليعي، صاحب النظرية العالمية الثالثة، المثقف الألمعي، كاتب القصة، المفكر، أمير المؤمنين، ملك ملوك أفريقيا، إلى آخر الألقاب المضحكة التي ظل يسبغها بسخاء على نفسه، الذي جاء بانقلاب عسكري سهل على ملك نظيف ومسالم، مقلدا ثورة مصر، فقوض أسس الدولة الليبية، وسرعان ما ألف، اقتداء بماو تسي تونغ، كتيبا يبشر بأسلوب مبتذل وأفكار ركيكة وسطحية بحل كل مشاكل العالم وفي مقدمتها مشكلة الحكم، فترجم الكتيب الساذج إلى كل اللغات وخصصت ميزانيات هائلة من أموال الشعب الليبي لعقد مؤتمرات مضحكة لدراسته والترويج له.
واقتداء بالثورة الفرنسية غير التقويم الهجري إلى تقويم ينطلق من وفاة الرسول معتقدا أنه قائد مفكر بدأ معه التاريخ. وهكذا انطلق العقيد مزهوا بنفسه وجنون العظمة الذي يسكنه في تنفيذ أفكاره الساذجة على أرض الواقع.. فمنع الأحزاب والبرلمان والصحافة الحرة وقضى على كل من يختلف معه، وزج بكل معارضيه في السجون والمنافي، وأنشأ نظاما مستبدا فوضويا فريدا صار فيه الحاكم بأمره، مستندا إلى لجانه الشعبية والثورية التي تتشكل من موالين انتهازيين وجهال، في كتم أنفاس أبناء شعبه الذي حولهم إلى عبيد، مبوئا نفسه مكانة أقرب إلى الآلهة : ألم يلقنهم شعاره الخالد: « الله، معمر، ليبيا وبس » واضعا نفسه مباشرة بعد الله وقبل ليبيا…
انتشر الفقر في دولة تمتلك احتياطات هائلة من البترول والغاز، وتعاظمت البطالة بين الشباب مما حدا بالملايين من الليبيين إلى الهجرة من أجل لقمة عيش ، وتدهور التعليم وانحط مستواه وتحول إلى أداة مقيتة للتدجين والتبليد والشحن الإيديولوجي. حتى صار من مفارقات الجماهيرية العظمى اضطرار الليبيين إلى الاستشفاء بتونس أو الأردن وهما دولتان غير بيتروليتين لتردي الخدمات الصحية وباقي الخدمات الأخرى…
أربعون سنة ونيف والكتاب الوحيد المسموح بفتحه هو الكتاب الأخضر الذي نصبت له تماثيل في الساحات العامة، والتجمعات الوحيدة المسموح بها هي التجمعات التي يهتف فيها الشعب بحياة الزعيم الأبدي…أربعون سنة ونيف والشعب يدجن وتمرغ صورته في التراب حتى ظننا، قبل هذه القومة الميمونة، أنه لا يمكن أن يصحو من غفوته…صارت ليبيا هي القذافي والقذافي هو ليبيا وتوارى الشعب واختفت الوجوه تلو الوجوه، حتى أصدقاؤه الذين شاركوه انقلابه العسكري أبعدهم تدريجيا واستأثر بالحكم لوحده وأطلق أيدي أولاده التسعة في ثروات ليبيا التي بدد جزءا كبيرا منها ( يقدره البعض ب230 مليار دولار) في تمويل الإرهاب الدولي وتعويض ضحاياه حين تصالح مع الغرب واشترى ذمم الغرب لإنقاذ عرشه… فتصرفوا مثل الأمراء في العواصم الغربية بدون حسيب أو رقيب… أربعون سنة والشعب الليبي الحر الطيب الصبور يكتم غيضه في داخله وهو يرى قائد الثورة يعبث بأموال ليبيا في تنفيذ حماقاته البغيضة في تمويل المتمردين في كل بقاع العالم وإشعال الحرائق وابتزاز الدول وإرهابها، محولا البلاد إلى مسخرة حتى صار الليبيون يخجلون من ذكر بلادهم التي انطبعت في ذهن العالم متماهية مع القذافي بملابسه الغريبة المزركشة وأقواله المثيرة وتصرفاته الهزلية… وهو ينصتون إلى خطبه الطويلة المملة التي يندر أن تجد فيها جملة مفيدة واحدة… والتي يردد فيها بأنه ليس رئيسا وبأنه سلم السلطة للشعب منذ 1977، وبأنه مجرد قائد ثورة، وبأن الحاكم الوحيد هو الشعب عن طريق اللجان الشعبية، والتي يصدر فيها توجيهاته/أوامره المضحكة …لائما الجماهير، حتى الشعوب الأخرى كما فعل مع الشعب التونسي بعد تخلصه من نظام بن علي حين نافح عن صديقه المخلوع وكال التهم لجماهير تونس، بل وشاتما متوعدا كما فعل في خطابه الدموي الّذي وجهه إلى الليبيين يوم 22 فبراير والذي كشف فيه عن وجهه البشع المقيت واصفا شعبه بالجرذان والجراثيم والمقملين…وهو أمر لم يسبقه إليه أي طاغية في العالم.
لقد هب شعب ليبيا تتقدمه طلائع شبابه ، مستلهما ثورة تونس وثورة مصر المجيدتين لتحريرها من قبضة العقيد وأبنائه، وتحريرها من ديكتاتورية بغيضة استمرت طويلا وكانت بحق أسوء من الاستعمار نفسه، وكتابة نهاية حقبة فوضى جماهيرية القذافي الفريدة والدموية، بصدورهم العارية التي تواجه الدبابات والطائرات وميليشيات المرتزقة الذين جندهم الزعيم وأبناؤه لإخماد الثورة وإدامة نظامه….
غير أن تفرد القذافي ونظامه عن كل أنظمة العالم، واختلافه عنها ينذر بنهاية مختلفة متفردة لكنها بشعة ودموية. لقد تابعنا مع كل من ثورة تونس ومصر مسلسلا مشوقا تحضر فيها مكونات الدراما السياسية بكل تشويقها وحبكتها، لكننا اليوم نشاهد مسلسل رعب تتخلله مشاهد هزلية يظهر فيها القذافي كاشفا المزيد من عوراته أمام شعبه وأمام العالم. إن الثمن مكلف أكثر من كل الأنظمة الأخرى لكن إرادة الشعب الليبي في التحرر والانعتاق لا يمكن أن تقهرها تهديدات حاكم مستبد أخرق تجتمع فيه كل أعراض الشخصية السيكوباتية. نسأل الله النصر لثوار ليبيا حتى تسقط قلعة أخرى من قلاع الظلم والطغيان.




Aucun commentaire