دولة بدون إعلام

بعيدا عن الموقف المغربي من التحيز المشين الذي وقعت فيه قناة الجزيرة من أحداث العيون ضدا عن الحقيقة..لا نملك إلا أن نرفع القبعات عالية تحية إجلال وإكبار وإنصاف لقناة الجزيرة التي لعبت دورا لا يقل عن دور شباب مصر في التهاب الثورة والحفاظ على جدوتها متقدة رغم العنف الهمجي وطلقات الرصاص الحي..وإصرار الرئيس مبارك على صم الآذان والتحليق بعيدا بخطاباته عن مبتغى الشعب وإرادة الثورة.
إذا كان الثوار قد عانوا من كل الأساليب القمعية والرجعية، وعانوا من التعتيم الإعلامي الذي طال قنوات مصر التي خذلت الثورة ومارست التضليل ولفقت الأكاذيب وجلبت كل حقير وجبان رعديد ليعمل على تنميق الكذب وتزييف الحقائق حتى تركع الثورة ويتراجع الشباب وحتى لا يخرج كل مصري من بيته تصديقا لما تروجه قنوات الخزي والعار من حكايات ألف ليلة وليلة وما تقدمه من صور كاذبة بعيدة كل البعد عما يقع فعلا في الساحات الكبرى وفي كل المدن والقرى والمحلات.
فإن قناة الجزيرة هي الأخرى قد طالها نفس التنكيل والتهديد ومورست في حقها أساليب مختلفة من العنف والإرهاب. فاعتقل بعض صحافييها وضرب آخرون وكسرت معداتهم وتم التشويش على إرسالها إلى أن ألغي نهائيا من القمر الذي يتحكم فيه النظام المصري مثل نايل سات..ورغم كل هذا التنكيل والنسف والحصار فقد ظلت الجزيرة حاضرة بكل قوة تبث الصور وترسل الأخبار تلو الأخبار وتتصل بمختلف الشخصيات في كل التخصصات والمجالات وتتواصل على مدار الساعة مع الثورة والثوار..وتتلقف البيانات والتصريحات فتنزل غضة طرية من مصدرها ..لقد واصلت الليل بالنهار وجمدت كل أنشطتها فتحولت إلى قناة الثورة بامتياز. لقد ظلت ساهرة مع الثوار نائمة في العراء، تأكل مما يأكل الثوار وتشرب مما يشرب الثوار..لقد كانت بحق جزءا لا يتجزأ من الثورة المباركة ضد الظلم والفساد والتجويع والتنكيل بالشعب المصري الأعزل.
إن الفاعلية الخارقة لتواجد قناة الجزيرة في قلب الثورة هو من دفع بمجموعة من القنوات التي تحترم نفسها أن تترك بثها وتعمل على نقل كل ما تبثه الجزيرة بشكل مباشر كقناة المستقلة وقناة الحوار..وأما باقي القنوات فجلها يقتنص ويقتبس منها الأخبار والصور والحوارات.
ونحن نتحدث عن هذه القناة المعجزة، هذه القناة التي صارت تختزل دولة بكاملها. لأن دولة قطر لا تساوي شيئا بدون الجزيرة، وعن طريق هذه القناة صار لقطر شأن عظيم فصارت تتبنى الوساطة بين الدول وتعمل على حل النزاعات وتحتضن اكبر الملتقيات، وها هي تتشرف باحتضان مونديال 2022 رغم شراسة كل المنافسين، ولا ينكر أحد بأن لقناة الجزيرة دورا فعالا وقويا في الظفر بتنظيم المونديال لأنها قناة صارت تحتكر البث وتشتري الإرسال لأقوى الدوريات في العالم..كما أن مقاهي الدول العربية من المستحيل أن تستغني عن قناة الجزيرة في جلب الزبائن لكونها وحدها من يوفر مشاهدة أقوى الأندية وأشرس المنافسات.
هذه حقيقة لا مرية فيها، أي أن بفضل هذا المنبر الإعلامي القوي النافذ صار لقطر اسم ووجود عالمي ونفوذ عربي. ولكن يبقى السؤال الأهم هو ما الذي يمنع من أن يكون لنا إعلام قوي يفرض وجوده في الساحة العربية والعالمية الإعلامية؟
إن المشاهد المغربي لا يتابع القنوات الرسمية، وكثير من المغاربة صرحوا بأن الفضائيات جعلتهم في غنى عن تضييع الوقت فيما لا يفيد في قنواتنا المتغربة والبعيدة كل البعد عن الهم المغربي أو العربي وتنأى بمسيرة ألف عام عن أن يكون لها حضور داخلي بله أن يكون لها حضور عربي أو عالمي.
وللإجابة عن هذا السؤال ربما سنضطر للعودة للحديث عن دولة قطر وعن استطاعتها بناء قوة إعلامية عالمية. فدولة قطر كانت تملك القرار السياسي الجريء والإرادة الحرة لتكون دولة قوية قوة تعوض عن الحجم الجغرافي الضئيل والكم البشري الهزيل حيث تقدر مساحتها ب 11.521 ألف كلم وعدد سكانها 700 ألف نسمة حسب إحصاء 1997..أي هي في حجم مدينة متوسطة من مدن المغرب .والعالم يعلم ما للقوة البشرية والنمو الديموغرافي من أهمية في تقدم الأمم ولا أدل على ذلك ما تعرفه الهند والصين من تطورات منافسة للمنتظم الدولي الغربي.
ورغم هذه الأرقام الضعيفة على مستوى المساحة وعلى مستوى البشر التي تعرفهما قطر إلا أنها استطاعت أن تنفتح على كل الطاقات العربية فصارت محطة هجرة الكثير من الأدمغة العربية والكثير من النخب المتميزة في شتى العلوم نظرا لمراكز البحث المتوفرة. وقد رأينا أنها كدولة تعمل على استقطاب أرفع وأقوى العقول المتواجدة في كل الدول العربية ولم تسلم من عملية الاستقطاب هاته حتى العقول المغربية. كما أن جامعاتها صارت محجا للأساتذة الجامعيين والدكاترة في مختلف التخصصات ومن كل الدول العربية. وما احتضانها للدكتور يوسف القرضاوي كعلامة الأمة وذي الشعبية التي لا تنازع أو تنافس إلا دليلا على الإرادة السياسية القطرية وصدق هذه الإرادة في أن تتحول إلى قبلة يجد فيها كل عقل عربي مقموع ملاذه وسكنه. وعلى ذكر الحديث عن العلامة يوسف القرضاوي فإنه للأسف في إحدى زياراته للمملكة المغربية قوبل بتهميش رسمي كبير ولولا احتضان طلبة مراكش له لكانت هناك وصمة عار تلاحق كل المغاربة. فإذا كنا نحن نستقبل مثل العلامة يوسف القرضاوي بهذه العقلية التهميشية الإقصائية اللا مبالية فإن قطر أذكى من أن تقع فيما وقعت فيه المملكة المغربية. فقطر وفرت للدكتور يوسف القرضاوي كل الإمكانيات مع الإقامة المريحة والحرية في الحديث والكلام والتحرك..وبذلك جعلت منه رمزا قطريا فكلما أشير إلى الدكتور يوسف القرضاوي إلا وأشير إلى دولة قطر ..كما أن قناة الجزيرة عملت منذ تأسيسها على اللعب بورقة الدكتور القرضاوي كمستقطب لقاعدة عريضة من العرب والمسلمين الذين ينتظرون بفارغ الصبر مشاهدة برنامج الشريعة والحياة وغيرها من البرامج التي يمكن للدكتور القرضاوي أن يظهر فيها.
إن قطر علمت ما للإعلام من قوة وخطورة وعلمت أن من يملك الإعلام يملك الإعدام..وأن دولة بدون إعلام قوي لا وجود لها وما هي إلا نكرة تفعل بها الأفاعيل.. ولذلك فمنذ تولي الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أمير قطر الحكم في بلاده، تم الاهتمام بشكل كبير بدعم حرية الإعلام والصحافة.
ويتجلى اهتمام قطر بالإعلام أكثر بإطلاق مشروع مركز الدوحة لحرية الإعلام حيث يركز المركز في نشاطاته على أوضاع الإعلام في العالم العربي وهو يعمل على توفير المأوى للصحفيين المبعدين، وقسما لمداواة صحفيين أصيبوا بجروح بسبب أدائهم لعملهم بالإضافة إلى إقامة نصب تذكاري لشهداء المهنة. ومن أهم إنجازاته إنجاز بحوث إعلامية وبناء قاعدة بيانات تخدم قطاعات الإعلام. وعلى رأس هذه الأعمال التي تم تشييدها بناء مراكز خاصة للأبحاث والدراسات تخص مختلف المجالات ومختلف الأوضاع السياسية والإقتصادية لكل بلدان العالم. فضلا عن ترجمة أخطر وأهم الكتابات والبحوث العلمية والفكرية التي تنشر في العالم.
ويبقى السؤال الذي يقول: ما المانع من أن يكون لنا إعلام قوي فاعل يفرض وجوده في الساحة الإعلامية العربية والدولية سؤالا من غير ذي جدوى في غياب القرار السياسي والإرادة الحرة في أن يكون لنا حضور قوي في المنتظم الدولي وعلى الأقل لو كان لنا إعلام قوي لنجح في الدفاع عن قضيتنا الوطنية الأولى وهي صحراؤنا المغربية التي تعامل معها إعلامنا السمعي البصري بشكل فولكلوري بعيد كل البعد عن جدية الطرح.




Aucun commentaire