Home»International»طهورا طهورا يا بلاد العرب

طهورا طهورا يا بلاد العرب

0
Shares
PinterestGoogle+

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وآله وصحبه أجمعين

طهورا طهورا يا بلاد العرب

بقلم: عبد المجيد بنمسعود

تشهد الأمة العربية اليوم كما هو في علم الجميع، مخاضا عسيرا ينبئ بتحولا ت هائلة، تحمل في جوفها ميلادا جديدا للأمة، بدأت ملامحه في التشكل والارتسام من المحيط إلى الخليج، بفضل ما يجتاح الشعوب من صحوة عارمة، تحمل معها أسئلة عريضة عن حقيقة هذه الأمة ومعنى وجودها في هذا الكون، أسئلة طالما طمست وغيبت عن ذاكرة الشعوب، تحت مطارق الجهل والتخلف والاستعباد، التي أوهنت عزيمتها ، وحرصت على تزييف إرادتها و وأد أحلامها، وتقزيم كيانها، ليتقوقع في أهداف رخيصة ومطالب هزيلة.
لقد جاءت هذه الصحوة المباركة استجابة لسنة من سنن الله في العمران البشري لا تتخلف، وهي مصارع الظالمين ولو بعد حين، فمهما حاول الطغاة المتجبرون أن يمددوا أعمارهم وهم على أحوالهم الشاذة المناقضة للعدل، المعاكسة لنداء الحق، فإن هناك لحظة حاسمة لا بد أن يوضع فيها حد لصولة هؤلاء الظلمة وفجورهم، لحظة ينقلب فيها السحر على السحرة، ويرتد كيدهم في نحورهم، وهي لحظة ذهبية يغفل عنها هؤلاء الأشرار، بسبب الشهوات التي تغشي على قلوبهم، وتفقدهم الإحساس بعواقب الأمور، وتعميهم عن رؤية الحقائق على الأرض كما هي بأحجامها وألوانها، وتزين لهم أوجه الباطل، وتلك لعمرالحق لعنة تحيق بالفجار، جزاء وفاقا لما قدمت أيديهم في حق شعوبهم، من هضم للحقوق وانتهاك للأعراض،وسلب للكرامة، وتأب على الإنصات لكل ناصح أمين، بإصلاح الحال قبل فوات الأوان، وتبلد الإحساس ذاك، والذهول عن الحق، ومنه سنن الله في خلقه، هو الذي يجعل الطغاة المفسدين لا يتعظون ولا يعتبرون بمن لاقوا قبلهم عاقبة الخزي والبوار.
إنها النزعة الفرعونية التي أنشبت أظفارها المسمومة السوداء في كيان العرب في الزمن الحديث، وأعملت فيه تمزيقا و تشويها وأوشكت على الإجهاز عليه، لولا رحمة الله عز وجل التي منها سنته في مصارع الظالمين ونصرة المستضعفين، وإرادته أن يكون لهم النصر والتمكين، مصداقا لقوله تعالى: » ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين، ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون ») القصص:28( .
إن أمامنا مثالين صارخين لما يمكن أن تبلغه الأنظمة الجائرة المستبدة من فجور واستهتار في حق من تسلطت عليهم من الشعوب، التي تجرد من أبسط الحقوق، وتسام سوم العبيد، لصالح شرذمة من الانتهازيين المتطفلين، والمتسلقين التافهين، الذين يرجحون منافعهم الضيقة الرخيصة على المصالح العليا للأمة.

إنه مثال شعب تونس الذي خيل لبعض المتشائمين اليائسين، أنه أصبح في عداد الأموات الذين لن تقوم لهم قائمة، ولكن الوقائع أثبتت أن جذوته لم تنطفئ بفعل بطش وجبروت النظام المعتوه الذي كان يجثم على صدره لعقدين ونصف من الزمن، هي بمثابة قرون حالكة السواد في حساب الشعب المنكوب، ويذيقه ألوان الذل والهوان، ويراهن لكتم صوته وشل قواه، على أساليب القهر والتعذيب التي يشيب لها الولدان. لقد رأى الناس شعبا ينبعث كما المارد من تحت أنقاض المذلة و الخسف والاحتقار، ويرفع هاماته للسماء، ويزلزل الأرض تحت نظام منخور، كان يصور من إعلام مزور ودوائر مغشوشة، على أنه نموذج ممتاز للنمو الاقتصادي والتقدم الاجتماعي، على الرغم من أنه أحدث قطيعة على المستوى الرسمي مع كل أشكال التدين، ومظاهر التمسك بقيم الإسلام على مستوى التصور والتعامل والسلوك، فيما سمي بمخطط تجفيف منابع التدين في أوساط الشعب. وتلك خدعة مفضوحة ممجوجة تريد أن تقول للناس زورا وبهتانا، بأن نهوض المسلمين وتقدمهم يمكن أن يتم بعيدا عن الإسلام، وهو ما يشكل دعوة إلى الانسلاخ من ربقة الدين الذي أراده الله رحمة للعالمين.
لقد بلغ ذلك النظام البشع حدا لامزيد عليه من السفالة والدناءة في امتهان الشعب، فما ظنكم بمؤسسة موبوءة تجعل من أولى أولوياتها على صعيد الأمن الوطني، أن تحسب أنفاس المواطنين، وتعتبر صلواتهم واختلافهم إلى بيوت الله المحاصرة جرما شنيعا وتهديدا للأمن الوطني والسلام الاجتماعي، وتجعل الوكد من أمرها أن تغرق فئات الشعب في مستنقعات المجون والخلاعة والانحلال، في مسلسل للتفسيق يكفل تغييبهم عن الواقع المرير، ليخلو الجو لمردة الشياطين، ليفعلوا الأفاعيل بالشعب المسكين، ولكن العناية الإلهية لم تكن لتترك ذلك الشعب العريق لقمة سائغة بين أيدي جلاديه الذين خانوا الأمانة واتخذوها مغنما ومدخلا لحطام الدنيا الفانية، فانتصرت إرادة الحياة في أعماق شعب صغير بعدده وعدته، ولكنه كبير بإيمانه وإصراره على انتزاع حقه في الحياة الكريمة.

أما النموذج الثاني، فهو نموذج انتفاضة شعب مصر، أرض الكنانة الذي وصل إلى أحط دركات البؤس والمعاناة والحرمان، خلال عهد بغيض من الحكم المستبد الفاسد، عزل الشعب عن دوره الحضاري، وزج به في خضم البحث المحموم عن حد أدنى للعيش لا يكاد يبلغه، فما ظنك بشعب بلغ به البؤس حدا جعل فئات منه تلتمس لها مأوى في المقابر بين الأموات، عندما عز عليها أن تجد مكانا بين الأحياء. لقد خرج الشعب في ثورة هائلة وغضبة عارمة يقودها شباب تعرضت كرامته للاغتصاب، وأحلامه للإجهاض، ليستعيد دوره الريادي في فتح باب الأمل للأمة و إخراجها من تحت أنقاض الغبن والذل والانكسار، لتمسح عن وجهها العار، وتنطلق في عزة وثبات إلى إنجاز المهمات الصعبة التي تعلقها عليها الأمة. إن مما يميز معاناة هذا الشعب العريق، أنها مركبة مزدوجة، فهو يعيش جرحه وجرح إخوانه وجيرانه بقطاع غزة المحاصر المقهور، إذ حيل بينه وبينهم في أعتى وأنكد مشهد تمثل في إقامة الجدار الفولاذي السيء الذكر، سعيا لقطع أنفاس شعب قال لا لليهود، وشكل شوكة في حلق كيانهم الظالم، لا بد أن تفضي إلى إزهاق روحه، وإلى تحرير المسجد الأقصى المأسور، وبيت المقدس وسائر أرض فلسطين.
إن هذه الثورة المباركة التي يقودها شباب مصر الطاهر الغيور، جديرة بكل احترام وتقدير وبأن نشملها بعطفنا ودعواتنا ، لأن تحرير مصر من النظام الغاشم الذي يجثم على صدرها كالكابوس، هو الطريق إلى القدس، وإلى حل جميع العقد والسلاسل الغليظة التي تكبل روح الأمة العربية المسلمة.
إن هذه الانتفاضات المباركة التي تهب رياحها اللواقح على الوطن العربي الذي استفحلت فيه الإمراض، واستحكمت في العلل، خليقة بإذن الله أن تطهره من أمراضه، وأن تعيد ترتيب أوراقه، وتضعه على المسار الصحيح، في اتجاه الهدف المنشود، وهو استعادته لموقع الشهود، وما ذلك على الله بعزيز.

وجدة : الخميس10فبراير2011

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

1 Comment

  1. إيمان ملال
    17/02/2011 at 00:33

    صرحت لي ناشطة حقوقية فرنسية على الفايسبوك حين سألتها عن رأيها في ثورات العالم العربي قائلة :  » أعتقد أن شجاعة هؤلاء تفوق كل وصف، حان وقت افريقيا السوداء لتنهض أيضاً، إنها نهاية اوربا لأنها أقيمت على حساب افريقيا، لكنني أشعر بالخوف شخصيا وأنا أشاهد الإخوان المسلمين على التلفاز، إن بعضهم مريب ومن رأيي لا يجب خلط الدين مع الحكم.  »

    حان الوقت لتختفي تلك الصورة العقيمة عن الشعوب العربية ..

    مقال أعجبني، شكرا !

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *