طبيعة المجتمعات الدكتاتورية وفق سنن المجتمعات والتاريخ -المجتمع الدكتاتوري المصري الفرعوني نموذجا – 4/4
أما الطائفة الرابعة فهم الذين يستنكرون الظلم في أنفسهم ولم يفقدوا لبهم أمام فرعون. لكنهم يهادنون الظلم ويسكتون عنه فيعيشون حالة التوتر والقلق في أنفسهم وهذه الحالة أبعد ما تكون عن حالة تسمح للإنسان بالإبداع والتجديد والنمو على ساحة علاقة الإنسان مع الطبيعة. هؤلاء يسميهم القرآن(ظالمي أنفسهم).قال الله تعالى: « إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم؟ قالوا: كنا مستضعفين في الأرض قالوا:ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها)سورة النساء الاية97
هؤلاء لم يظلموا الآخرين, ليسوا من الظالمين المستضعفين كالطائفة الأولى, وليسوا من الحاشية المتملقين, وليسوا أيضا من الهمج الرعاع الذين فقدوا لبهم. بل بالعكس هؤلاء يشعرون بأنهم مستضعفون(قالوا كنا مستضعفين في الأرض) هؤلاء لم يفقدوا لبهم بل يدركون واقعهم لكنهم كانوا مهادنين عمليا ولهذا عبر عنهم القرآن الكريم بأنهم ظلموا أنفسهم .
هذه الطائفة أيضا لا يترقب منها تغيير أو تجديد أو إبداع .
الطائفة الخامسة في عملية التجزئة الفرعونية الدكتاتورية للمجتمع هي الطائفة التي تتهرب من مسرح الحياة وتبتعد عنه وتترهب، وهذه الرهبانية موجودة في كل مجتمعات الظلم والحيف والاستغلال على مر التاريخ وهي تتخذ صيغتين :
الأولى: صيغة جادة تريد أن تفر بنفسها لكي لا تتلوث بأوحال المجتمع وهذه الرهبانية هي التي عبر عنها القرآن الكريم (ورهبانية ابتدعوه) هذه الرهبانية يشجبها الإسلام لأنها تعبر عن موقف سلبي تجاه مسؤولية خلافة الإنسان على الأرض.
الثانية:الصيغة المفتعلة للرهبانية إذ هناك من يترهب ويلبس مسوح الرهبان ولكنه ليس راهبا في أعماق نفسه, وإنما يريد بذلك أن يخدر الناس ويشغلهم عن فرعون وظلمه. ويسطو عليهم نفسيا وروحيا. فيقوم بتوظيف الدين لقضاء مآربه وحاجياته، وهذا هو الذي عبر عنه القرآن الكريم بقوله(إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله) سورة التوبة الآية:34
الطائفة السادسة والأخيرة في عملية التجزئة الفرعونية للمجتمع هم المستضعفون.
إن الفرعونية حينما جزأت المجتمع إلى طوائف استضعفت طائفة معينة منهم هذه الطائفة خصها فرعون بالاستضعاف والإذلال وهدر الكرامات لأنها كانت هي الطائفة التي يتوسم فيها أن تشكل إطارا للتحرك ضده ولهذا استضعفها بالذات.
(وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم) سورة البقرة الآية:49
فالقرآن الكريم علمنا، ضمن سنة من سنن التاريخ، أن موقع أية طائفة في التركيب الفرعوني لمجتمع الظلم والقهر والاستبداد يتناسب عكسيا مع موقعه بعد انحسار الظلم. وهذا معنى قوله تعالى:(ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين) سورة القصص الآية :5
والمنة والعطاء معوض بدون مجهود وكأنها هبة من الله فالله يريد أن يمن على هؤلاء المستضعفين في الأرض ليس برفع الظلم عنهم فقط, ولكن بجعلهم أئمة. ويمكن لهم في الأرض ونمكن آتية من المكان والأرض مكان والمكان هو الذي يحدث فيه الحدث.لأن كل حدث يحتاج إلى مكان يحدث فيه وزمان يقع فيه فمعنى نمكن أن نجعل الأرض مكانا لممكن في الأرض وقد كان فرعون ممكنا في الأرض يتصرف فيها تسلطا ويأخذ خيرها. لكننا في القرآن الكريم نجد الله تعالى يعد المستضعفين بالتمكين لهم في الأرض وتارة أخرى يعد الصالحين.
قال تعالى: »ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض » سورة القصص الآية:4 وقال: »ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون » سورة الأنبياء الآية:105.
وقد يقال أن آية الاستضعاف لها نفس دلالة آيات الاستخلاف ووراثة الأرض أي أن المستضعفين هم أنفسهم المؤمنون والصالحون والمتقون والعكس صحيح أيضا وهذا القول مرفوض للأسباب التالية:
– فالنظرة القرآنية تتجه نحو إمكان وجود فئة مؤمنة غير مستضعفة وإمكان وجود فئة مستضعفة غير مؤمنة غير أن أكثرية أتباع العقيدة من فئة المستضعفين.والفئة المؤمنة غير منحصرة بفئة المستضعفين إطلاقا.
– فآية الاستضعاف تدور حول الصراع الطبقي والطاقة المحركة فيها مستمدة من اضطهاد الطبقة المستكبرة ومن الروح الرجعية لطبقة المستكبرين والروح الثورية لفئة المستضعفين وشعورهم بعدالة قضيتهم وحاجتهم الماسة الملحة إلى الحرية والعدالة والانعتاق وإيمانهم بأنها مسألة تستحق بذل كل غال ونفيس من أجل تحقيقها. والنتيجة النهائية لهذا الصراع تتمثل في انتصار الفئة المستضعفة سواء كانت من الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالمفهوم القرآني أو لم تكن. ودلالتها تشمل كل الشعوب المناضلة ضد الاستكبار كشعوب فيتنام وكمبوديا وأمثالهما وهذا من منطلق حماية الله للمظلومين كما ورد في الآية: »ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون »سورة إبراهيم الآية:42




Aucun commentaire