طبيعة المجتمعات الدكتاتورية وفق سنن المجتمعات والتاريخ – المجتمع الدكتاتوري الفرعوني المصري نموذجا – 3/4

منطق التقزيم والتقسيم للمجتمع الفرعوني وتفكيك فئاته تحدث عنه القرآن الكريم وسمى كل الطوائف وحدد سمات كل طائفة على حدة ومن هذه الطوائف نذكر ما يلي:
الطائفة الأولى.
الطائفة الأولى في منطق التجزئة الدكتاتورية الفرعونية لمجتمع الظلم هم الظالمون المستضعفون أو بتعبير أئمتنا وفقهائنا: » أعوان الظلمة » هؤلاء الظالمون المستضعفون يشكلون حماية لفرعون وللفرعونية وسندا في المجتمع لبقاء الدكتاتورية واستمرار وجودها .قال الله سبحانه: »ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين » سورة سبأ الآية:31
القرآن الكريم في هذه الآية يتحدث عن قسمين من الظالمين إلى من استضعف منهم ومن استكبر منهم.
فالظالمون إذن فيهم مستكبرون وهم الذين يمثلون الفرعونية في المجتمع، وفيهم مستضعفون وهؤلاء المستضعفون يحشرون يوم القيامة في زمرة الظالمين ثم يقولون للمستكبرين من الظالمين لولا أنتم لكنا مؤمنين وهي الطائفة التي تشكل الحماية للدكتاتورية الفرعونية وقوله تعالى(لولا أنتم) معناه أنها ربطت وجودها بوجودها ومصيرها بمصيرها فكانت عيونا وعملاء لا تحسن الدوران إلا في رحى الفرعونية فكان المصير واحدا..إنها زبانية النظام و أهدابه وطحالبه التي تتعلق به لتخدمه على حساب كل من يشكل خطرا على هذا النظام الفرعوني الدكتاتوري من مناضلين ومجاهدين ومن كل من يريد للشعب الحرية والكرامة والإنعتاق.
الطائفة الثانية في عملية التمزقة الفرعونية لمجتمع الظلم ..ظالمون يشكلون حاشية ومتملقين .هؤلاء لا يمارسون ظلما بأيديهم بالفعل ولكنهم دائما وأبدا على مستوى نزوات فرعون وشهواته ورغباته. يقول الله تعالى عن هذه الطائفة: »وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا ويدرك وآلهتك؟ قال سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون » سورة الأعراف الآية 127
هؤلاء شكلوا دور الإثارة لفرعون . كانوا يعرفون أنهم بهذا الكلام يضربون على الوتر الحساس من قلب فرعون، وأنه كان في حاجة إلى مثل هذا الكلام. فتسابقوا إلى هذا العرض السخي لكي يجعلوا فرعون يعبر عما في نفسه ويتخذ الموقف المنسجم مع مشاعره وعواطفه وجبروته واستكباره .
وكأن قتل الأبناء واستحياء النساء وقهر بني إسرائيل كان دفينا ومطمورا في نفس فرعون فعمل هؤلاء على إخراجه إلى أرض الواقع .
وهذه الطائفة وإن لم يكونوا وزراء ولا مستشارين فإنهم يلعبون دور الوزير والمستشار. وهم يحسنون اقتناص الفرص ليلعبوا بالورقة المناسبة في الوقت المناسب انسجاما مع ما بداخلهم من خبث وحنق وكره للشرفاء من أبناء المجتمع ..وموافقة وتماشيا مع نسق تفكير فرعون ليحظى بالرضا والقبول. ويحضون بالقرب والدنو ومع القرب والدنو تأتي المكتسبات تباعا بشتى الوسائل ومختلف الطرق.
وأخبث الطوائف في مصر الحالية، هذه الطائفة التي نجدها في كل المجالات السياسية والإعلامية والثقافية …وهم يمارسون مكرا وخبثا من وراء الأحداث..وربما هم من أملوا للدكتاتور مبارك بأن رحيله سيجعل البلاد غارقة في فوضى عارمة..وربما هم من أملوا فكرة البلطجية وشراء المرتزقة ومدهم بالسلاح لقتل الشرفاء من أبناء مصر الأبية..وربما هم من كانوا من وراء فكرة صياغة خطابات وكأن مصر تعيش في سلام وود ووئام..وربما..وربما.
الطائفة الثالثة في عملية التجزئة الفرعونية لمجتمع الظلم .أولئك الذين سماهم سيدنا علي كرم الله وجهه بالهمج الرعاع .هؤلاء هم مجرد آلات مستسلمة للظلم ولا تحس به ولا تدرك أنه يمارس عليها ولا تدرك أنه موجود في المجتمع. و أقنعت نفسها بأن حالها هو قدر محتوم..
فهي تتحرك تحركا آليا تحرك تبعية وطاعة دون تدبر ووعي إذ سلب منها فرعون تدبرها وعقلها ووعيها وربط يدها لا عقلها به. لقد اغتالت عقلها، لهذا فهي تحرك يدها تحركا آليا وتستسلم للأوامر الفرعونية دون أن تناقشها أو أن تتدبرها حتى بينها وبين نفسها فضلا عما بينها وبين الآخرين، ولذلك تحكي كتب التاريخ عن ثلاثين ألف رقيق نقلوا حجارة الأهرام في ثلاثين عاما من مسافة 1000 كلم وكان مئات منهم يسقطون كل يوم من الإعياء ويلفظون أنفاسهم الأخيرة فيأمر فرعون بدفنهم في حفر عبارة عن مقابر جماعية تحيط بالأهرام ليظلوا يحيطون به في موته لتخدمه أرواحهم في موته كما خدمته أجسادهم في الحياة .
هذه الفئة تفقد طبعا كل قدرة على الإبداع البشري في مجال التعامل مع الطبيعة وتفقد كل قابليات النمو لأنها تحولت إلى آلات وإذا وجد إبداع في هذه الفئة فإنما هو إبداع من يحرك هذه الآلات. إبداع تلك الفرعونية الدكتاتورية التي تحرك تلك الآلات وتقوم بتسخيرها . قال الله تعالى : »وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا » سورة الأحزاب. الآية:67
لا يوجد في كلام هؤلاء ما يشعر بأنهم كانوا يحسون بالظلم, أو كانوا يحسون بأنهم مظلومون. وإنما هي مجرد طاعة وتبعية.
هؤلاء هم القسم الثالث من تقسيم علي بن أبي طالب رضي الله عنه حين قال: »الناس ثلاثة: عالم رباني, ومتعلم على سبيل النجاة وهمج رعاع ينعقون مع كل ناعق » هذا القسم الثالث يشكل مشكلة بالنسبة إلى أي مجتمع صالح. ويمكن للمجتمع أن يستمر ويمتد بقدر ما يمكن لهذا المجتمع أن يستأصل هذا القسم الثالث بتحويله إلى القسم الثاني, بتحويله إلى متعلم على سبيل النجاة على حد تعبير علي بن أبي طالب كرم الله وجهه. وإلى تابع بإحسان على حد تعبير القرآن الكريم. وإلى مقلد بوعي وتبصر على حد تعبير الفقه الإسلامي.
فتصفية هذا القسم بتحويله إلى قسم آخر أفضل.
لكي يستطيع المجتمع الصالح أن يواصل إبداعه ولكي يستطيع كل أفراد المجتمع الصالح أن يشاركوا مشاركة حقيقية في مسيرة الإبداع خلافا لما تفعله الفرعونية الدكتاتورية حيث تحاول أن توسع من هذا القسم الثالث. وكلما اتسعت هذه الفئة أكثر فأكثر قدمت المجتمع نحو الدمار خطوة بعد خطوة لأن هذه الفئة لا تستطيع أن تدافع إطلاقا عن المجتمع إذا حلت كارثة في الداخل أو طرأت كارثة من الخارج وبهذا تموت المجتمعات موتا طبيعيا.
فموت المجتمعات في المفهوم القرآني كما يقول علماء الاجتماع وعلى رأسهم ابن خلدون هو الموت الطبيعي للمجتمع والذي يحدث عن طريق توسع هذه الفئة الثالثة وازديادها نوعيا وعدديا إلى أن تحل الكارثة فينهار المجتمع. كما أن وجود هذه الطائفة في أي تجمع بشري يشكل تهديدا حقيقيا لهذا التجمع سواء كان حزبا أو جمعية أو ائتلافا أو بلدا. ومن أهم خصائص هذه الفئة أنها لا تستطيع استعمال حقها في النقد..لأن وجود عملية النقد في التجمعات البشرية يؤدي إلى تحريكها وتفاعلها وتجديد الحيوية والنشاط في دمائها وبالتالي إلى تصحيح مسارها والقضاء على الطفيليات السامة التي يتسمم الحزب بوجودها. تماما كما أن البحر يعمل دائما وأبدا على لفظ الأموات والطفبيليات الجامدة غير المتحركة التي لا تحيى وتتفاعل مع الحياة الداخلية في العمق حتى تستمر الحياة فيه وإلا تحول إلى ركام من القمامات والجيف الكريهة المتعفنة.




Aucun commentaire