لماذا يمعن الغرب في إهانة العرب والمسلمين ؟؟
هذا سؤال معروف ومشهور ، ومعروفة الإجابة عنه ، وهو لا يطرح هنا طرح الباحث عن إجابة ، وإنما يطرح لبيان حقيقة معروفة ولكن العرب والمسلمين يتجاهلونها ومع ذلك يتباكوا بسببها عن وحدة ضائعة . فالثقافة العربية معروفة بحكاية الشيخ العربي المهلب بن أبي صفرة الذي أوصى أبناءه لما حضرته المنية بالوحدة من خلال تجربة ملموسة حيث أعطاهم أعوادا منفردة لكسرها فكسرها كل واحد منهم ، ثم كرر التجربة تارة أخرى فأعطاهم الأعواد مجتمعة فعجزوا جميعا عن كسرها ، وفهموا وصية والدهم الحكيم .
هذه الوصية لا يخلو عقل عربي أو مسلم منها بحكم الانتماء الثقافي ، وإذا ما حدث نسيانها أو تناسيها فإن القرآن الكريم الذي يتلى بالليل والنهار في بلاد الإسلام لا يسمح بالنسيان أو التناسي وفيه قول الله عز وجل : (( يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين )). فحتمية القدر أن يكون بين الفئة المؤمنة وغير المؤمنة لقاء بما لكلمة لقاء من دلالة على الاحتكاك بكل أنواعه الساخن والبارد ، والسلبي والإيجابي ….
ومن مقتضيات اللقاء بين الفئتين أن تثبت الفئة المؤمنة أمام الفئة غير المؤمنة ، والثبات يعني المحافظة على الموقف الراسخ الثابت ، وعدم انسياق الفئة المؤمنة وراء الفئة غير المؤمنة في طروحاتها. وهذا الثبات على الموقف هو سر الفلاح إذ جاء في سياق الآية تعبير عن رجاء الفلاح مقابل الثبات في اللقاء. والثبات في اللقاء لا يكون إلا بشرط ذكر الله عز وجل وهو ذكر استحضار ومعية لا ذكر تلفظ فقط ، وهو ذكر تصدقه أو تكذبه طاعة الله عز وجل وطاعة رسوله. والمترتب عن الثبات في اللقاء بشرط الذكر والطاعة هو وحدة الصف التي تعني القوة . ومما يذهب بالقوة التنازع ، وهو خلاف ينشأ بين أفراد الفئة المؤمنة ، وقد كنى القرآن الكريم عن قوة الفئة المؤمنة بالريح ، وهي طاقة قوية ، وما ذهابها في حال التنازع بين أفراد الفئة المؤمنة إلا الضعف والخور الذي يجر طمع الفئة غير المؤمنة في الفئة المؤمنة. و لا يتناطح أقرنان :كبشان أو تيسان أو عجلان أو ظبيان…كما لا يختلف مسلمان وعربيان في أن الفئة المؤمنة متنازعة كأشد ما يكون التنازع بسبب شدة الخلاف ، ومن ثم لا يشك أحد ولا يشكك في ذهاب ريحها. لقد اطلع الغرب بواسطة خبرائه على ثقافتنا وتوغل في معرفة عقليتنا فوجد أن أقصر سبيل إلى إذهاب ريحنا هو بث التنازع بيننا . فلا نكاد نجد رقعة من رقع بلاد المسلمين تخلو من تنازع وراءه الغرب بمكائده الظاهرة والباطنة. وقد يفكر العرب والمسلمون في كل وسيلة من وسائل استعادة وحدة صفهم ، عن طريق وسائل واهية من قبيل المؤتمرات التي لا تزيدهم إلا فرقة وشتاتا ،ولكنهم يتنكبون الوسيلة الوحيدة وهي نبذ التنازع الجالب للفشل وذهاب الريح كما صور ذلك القرآن الكريم تصويرا دقيقا كافيا شافيا. لقد نحج الغرب في جعل الهوة بين العرب والمسلمين عميقة سحيقة يستحيل تجاوزها . والعرب والمسلمون اليوم ليسوا سواء فيما يخص حتى قضاياهم المصيرية .
فالقضية الفلسطينية على سبيل الذكر لا الحصر يختلف فيها العرب كأشد ما يكون الاختلاف حيث تراهن طائفة منهم على استرجاع ما ضاع بالقوة بنفس الأسلوب ، بينما تراهن فئة أخرى على استرجاع ما ضاع بالقوة بالسلم والسلام أو حتى الاستسلام. فأمام هذا التنازع في كيفية استرجاع فلسطين يحصل الفشل وتذهب الريح ويمعن الغرب في احتقارنا فيبلغ به الأمر حد الكشف عن عوراتنا إذا ما أردنا أن ندخل أراضيه صاغرين من الخزي. وعلى غرار تنازعنا في القضية الفلسطينية المصيرية يقاس تنازعنا في كل القضايا ، وعلى غرار فشلنا فيها يقاس فشلنا في كل الآفاق. ولقد عجبت من أحد ممثلي الجالية المسلمة في الولايات المتحدة الأمريكية وقد نقلته قناة الجزيرة يبكي ويتباكى على ما سيحل بالجالية لأن مسلما نيجيريا هم بتفجير طائرة أمريكية. فهو لم يتحر حقيقة الحادثة ، ولم يخامره أدنى شك في صحة الخبر ولم يخطر بباله أبدا أن الخبر ربما كان مجرد تبرير لعمل تعتزم الولايات المتحدة القيام به في اليمن وغيره من بلاد العرب والمسلمين كما ألفت ، وهي التي لا تعوزها الذرائع إذ غزت العراق بذريعة وجود سلاح دمار شامل ولا سلاح إن هم إلا يكذبون . وقد ثبت مرارا وتكرارا أن الذرائع أسهل ما يروجه الإعلام الغربي عندما يخطط لمؤامرة من المؤامرات. فصاحبنا المسلم عقيدة والأمريكي مصلحة ذاتية أزبد وأرغى وندد بما سمي محاولة تفجير طائرة أمريكية صيانة لمصلحته الخاصة في الولايات المتحدة ، ولم تخطر بباله مصلحة الأمة العامة التي تضيع ضياعا لا مثيل له . وعلى هذا النموذج تقاس نماذج كل الجاليات المستفيدة من العيش في بلاد الغرب ، فهي أول من يسارع للتنديد والشجب بأبناء أمتها سواء صح ما ينسب إليهم أم لم يصح من التهم الملفقة لغايات غير خافية. وأول التنازع هو فصل الغرب للجاليات العربية والإسلامية فوق أراضيه عن جسم الأمة وهمومها إذ لا يربط هذه الجاليات بالأمة إلا الانتماء الصوري لها ، بينما يكون ولاءها للغرب صيانة لمصالحها الشخصية ليس غير.
وكما يجتث الغرب الجاليات المقيمة فوق أراضيه عن جسم الأمة عن طريق المساومة ، كذلك يفعل بأنظمة الأمة ، وبشرائح من الأمة ممن استلبوا. فتكون الجاليات المساومة ، والأنظمة التابعة ، والشرائح في بلاد العرب والإسلام المستلبة هي وقود التنازع الجالب للفشل وذهاب الريح إذ يركب الغرب هذه الطوائف ليعزل الطائفة المناهضة لمشاريعه التوسعية ويضعفها ويستضعفها بعد ذلك ليعود مرة أخرى إلى استضعاف الفئات التي ركبها . فبالأمس اشترط العدو الصهيوني على من ينتسب للكنيست أن يؤدي القسم الولاء لدولة إسرائيل اليهودية مما يعني أن ما يسمى عرب إسرائيل ملزمون بالقسم عبر ممثليهم بالولاء لعدو اغتصب أرضهم. وهذا الأسلوب إنما اقتبسه الصهاينة من الغرب إذ يشترط الغرب على الجاليات العربية والمسلمة أن تقسم على الولاء له مما يعني أنها لا يمكن أن تخالفه في سياساته في بلاد العرب والمسلمين حتى لو تعلق الأمر بالقتل والتخريب والاستغلال . والطوائف المقسمة على الولاء إنما تفعل ذلك لأنها تجعل مصالحها الخاصة فوق المصلحة العامة للأمة العربية والإسلامية. لقد فرض علينا الغرب التنازع ففشلنا وذهبت ريحنا ولن يضيرنا أن نكشف عن عوراتنا أثناء دخول أراضيه لأن المتنازعين الفاشلين الذاهبة ريحهم لا كرامة لهم لأنهم هانوا وسهل الهوان عليهم .


Aucun commentaire