الجزائر: « نقص الملح في بلد الملح » هي تجسيد حي حول « هشاشة النظام الاقتصادي »، مفارقة مؤلمة: « بلد يمتلك كل شيء، وشعب يفتقد كل شيء »

عبدالقادر كتـــرة
« الملح، ذلك المنتج الأساسي والوفير، أصبح مفقوداً في بعض المناطق الجزائرية. كيف يمكن لبلد يمتلك موارد هائلة أن يواجه نقصاً في منتج بهذه الأهمية؟ هل هي مشاكل في التوزيع، أم مضاربة، أم توجه نحو التصدير، أم فوضى في تنظيم السوق؟
1- احتكار سلاسل الإنتاج والتوزيع:
تسيطر شركات عمومية أو مقربون من مراكز النفوذ على استخراج وتكرير الملح. غياب المنافسة الحقيقية وضعف الاستثمار في وسائل الإنتاج يجعل أي عطب تقني أو إضراب عمالي يشل تزويد السوق الوطنية بالكامل.
2. إشكالية « اليود » والتعقيدات البيروقراطية:
في كثير من الأحيان، لا تكمن المشكلة في الملح نفسه، بل في المواد المضافة (مثل اليود). تعقيدات الاستيراد ونقص العملة الصعبة أو التأخر في منح الرخص يجعل المعامل تتوقف عن التعبئة لأنها لا تملك الملح « المطابق للمعايير » المطلوبة قانوناً.
3. المضاربة كأداة للتحكم في الشارع:
في ظل غياب الرقابة الحقيقية، يقوم « بارونات » الأسواق باحتكار المادة لخلق ندرة اصطناعية ترفع الأسعار وتزيد من حالة الاحتقان الشعبي، مما يخدم أحياناً أجنحة داخل السلطة تريد إظهار فشل أجنحة أخرى.
4. تهريب الملح الصناعي:
هناك تقارير تشير إلى تحويل كميات هائلة من الملح الموجه للاستهلاك البشري نحو الاستخدامات الصناعية أو تهريبه عبر الحدود، نظراً لفرق السعر، مما يترك المواطن البسيط في مواجهة الندرة.
هذه الأزمة (التي تنضم إلى أزمات الحليب، الزيت، والعدس) ليست مجرد مشكلة « توزيع »، بل هي شهادة وفاة لنموذج اقتصادي:
دولة الطوابير: النظام الجزائري، الذي يفتخر بالإنفاق العسكري الملياري، يعجز عن تأمين « ملح الطعام » لمواطنيه. هذا يثبت أن القوة العسكرية لا تعني « قوة الدولة »؛ فالدولة التي لا تطعم شعبها من مواردها البسيطة هي دولة تعيش في حالة « شلل إداري ».
انفصال السلطة عن الواقع: بينما تنشغل القنوات الرسمية الجزائرية بالحديث عن « المؤامرات الخارجية » و »الجزائر القوة الضاربة »، يقضي المواطن يومه في البحث عن أبسط مقومات الحياة. هذا الانفصال هو ما يغذي « اليأس » الذي ناقشناه سابقاً والذي يدفع الشباب للهجرة.
الرسالة المشفرة للندرة: ندرة الملح في بلد يمتلك مساحات شاسعة من الملاحات الطبيعية هي إدانة صريحة لسوء التسيير. هي تؤكد أن المشكلة ليست في « توفر المورد » بل في « العقلية التي تديره »؛ عقلية ريعية تنظر للمواطن كـ « مستهلك تابع » وليس كـ « شريك في التنمية ».
كشفت المنظمة الجزائرية لحماية المستهلك، « انفراجا تدريجيا في ضغط الطلب على مادة الملح، بعد موجة شراء مفرط لبعض المستهلكين عقب انتشار شائعة حول نقص هذه المادة، ما أثار سلوكيات استهلاكية غير معتادة ».
وأوضحت المنظمة في بيان لها، « أن هذا الضغط على السوق نتج عن تخوف بعض المتعاملين الاقتصاديين من عدم مطابقة منتجاتهم، بعد سلسلة تدخلات قامت بها مصالح الدرك الوطني الوطني ».
وأكدت « أن ثاني وحدة وطنية في قدرة الإنتاج بعد المؤسسة الوطنية للملح، المسماة كويسال، تشهد رقابة ومرافقة دورية من قبل المسؤولين المحليين للتجارة، في ظل الشائعات التي زعمت عدم مطابقة منتجاتها، مما زاد من حالة القلق لدى المستهلكين ».
خلاصة القول، أزمة الملح في الجزائر هي « مجهر » يكشف عيوب النظام الشمولي. فإذا كان النظام عاجزاً عن تنظيم سوق « الملح »، فكيف له أن ينظم مشاريع كبرى كأنبوب الغاز العابر للقارة أو يواجه تحديات الذكاء الاصطناعي؟
إنها مفارقة مؤلمة: بلد يمتلك كل شيء، وشعب يفتقد كل شيء.



Aucun commentaire