Home»Histoire»من فاس الى وجدة:رحلة للكونت دو شافانياك سنة 1881

من فاس الى وجدة:رحلة للكونت دو شافانياك سنة 1881

1
Shares
PinterestGoogle+

من فاس إلى وجدة موريس دو شافانيا ك
société de géographie
3triméstre 1887

ترجمة رمضان مصباح

أ

أنجز الكونت دوشافانياك هذه الرحلة ما بين 7 و17 فبراير سنة 1881؛ وبغض النظر أن أهداف صاحبها التجسسية –كغيره من الأجانب الذين جابوا بلاد المغرب في نهاية القرن التاسع عشر , وبعده- تستحق هذه الرحلة ,التي لم تترجم من قبل ,حسب علمي, القراءة ,لما يتميز به الكونت من دقة الملاحظة ,وحسن العبارة ؛ولأهمية زمن الرحلة ,فيما يخص الوضع بالمغرب.
اخترت لزوار وجدة ستي ,وصف شافانياك لمرحلة العيون وجدة؛ حتى يقفوا على ما كانت عليه وجدة الحبيبة في التاريخ المذكور :نوع من البعد التاريخي حتى لموقع وجدة ستي الممتاز.

للاطلاع على المزيد من النصوص التاريخية المترجمة ,إضافة إلى اهتمامات أخرى للمترجم يرجى زيارة موقع:

http://sites.google.com/site/esptraduction/
مع خالص التحية للمشرفين على الموقع ,وللأصدقاء من كتاب الموقع

ها نحن ننعم إذن,والى غاية مدينة وجدة,بحماية باشا قصبة سيدي ملوك:السي احميدة ,وأخيه السي قدور.لقد حضينا بدعوتهما الطيبة للاستراحة مدة يوم ؛رغم تضايقنا من المكان الذي خيمنا فيه.انه ,في الواقع, مربط خيول,وبفعل البلل الذي أصابه,من أمطار البارحة,غدت رائحة الروث لاتطاق؛لكن التعب الذي عليه دوابنا يجعل هذه الاستراحة ضرورية؛إضافة إلى كوننا ,هنا, في مأمن.

في المساء بعث إلينا السي احميدة من يخبرنا بورود خبر موت أحد أبنائه ,من فاس؛وعليه فلن يتمكن من مرافقتنا غدا,وسينيب عنه أخاه.
كلفنا أنطونيو بإخباره بأننا نشاطره أحزانه.
على الساعة الثامنة والنصف(صباحا),ولدى خروجنا من القصبة ,وجدنا,في انتظارنا, مجموعة الفرسان التي سترافقنا ,وعلى رأسها السي قدور ممتطيا حصانا رماديا جميلا,في أبهى حلله؛ويرافقه كاتبه , وهو رجل ثقة لايفا رقه أبدا.
بلغ عدد الرجال الذين سيشكلون حراستنا عشرين؛دون احتساب الجنديين اللذين معنا .هؤلاء أحسن كسوة من جنود السي احمد؛واذا لم تكم خيولهم أفضل ,فهي ,على الأقل أحسن مظهرا.أغلبها من أصل فرنسي. .لقد قيل لي بأن هذه الخيول تناسلت من اثني عشر فرسا قدمت هدية من طرف نابوليون الثالث ؛وقد بعثت ضمن حركة إلى هذه الجبال.لقد قيل أيضا بأنها,بدون شك, خيول مسروقة ,وقد بيعت.
بعضها الآخر مستورد من الجزائر.
كل الرجال ,تقريبا,مسلحون ببنادق صيد ذات طلقتين,من صنع فرنسي ؛ما عدا اثنين أو ثلاثة بحوزتهم بنادق بارود.
كوكبة الحراسة ,هذه, تسير بانتظام ,يتقدمنا عشرة فرسان,وخلفنا السي قدور وكاتبه,ووراءهما الدواب محملة بالأمتعة؛أما بقية الفرسان فيغلقون الطريق خلف الجميع.

لقد ألححت على السي قدور بأن يسير إلى جانبي ,لكنه أصر على الرفض قائلا:
« لقد تلقيت أوامر من أخي ,وأعي ما أنا ملزم به من احترام لك ». اضطررت إلى الانصياع لرغبته؛لكن تجاذب الحديث كان صعبا ,ونحن متباعدان.
خلال الطريق علمت بأنه لم يسبق له ,ابد,أن زار مدينة وجدة,وأنه لايغادر القصبة الا نادرا,وأنه لم يمتط حصانا منذ مدة.
رغم هذا حرص أخوه على أن يرافقنا ,ممتطيا هذا الحصان النشيط واللعوب؛بدل امتطاء البغل . نال منه التعب خلال الطريق مما اضطره إلى استبدال حصانه بحصان كاتبه ,القصير والهرم.
بعد ساعة من مغادرتنا القصبة عبرنا مجرى واد جاف(وادي بورديم)؛على يسارنا تتراءى جبال بني واسين ,وعلى يميننا جبل الزكارة,وقمته تشبه قمة جبل مغرسهوم. تتواجد بهذا الجبل غزلان الأروية
mouflons
وتحكي الأسطورة الشعبية بأن هذه الغزلان تندفع,أحيانا, من أعلى قمة في الجبل, فتتهاوى من علو شاهق,ولدى ارتطامها بالأرض تنغرس قرونها في التربة ,وتموت على هذه الحال.
تتواصل الطريق,تارة وسط السهل ,وطورا منحرفة يسارا.يتسع السهل ويضيق ,في كل حين,من هذه الجهة ؛أما من الجهة اليمنى فيحافظ دائما على عرضه.تبدو الجبال التي تحد السهل ,شمالا, بمظهر واحد تقريبا:نفس القمم المستديرة ,نفس التربة الجافة والقاحلة.
الكيلومتر التاسع والعشون بعد الثلاثمائة(329)(من فاس) .

الساعة تشير الى العاشرة والنصف ؛تبدو على يميننا, في السهل, أطلال قصبة تدعى أبوك أموان
الكيلومتر الرابع والأربعون بعد الثلاثمائة(344)؛تمام الساعة الواحدة ,يظهر يسارنا,على بعد مسيرة يوم,جبل سفران ؛وهو غريب الشكل ,بارتفاع ألف وخمسمائة متر 1500م تقريبا.على ارتفاع ثلاثة
أرباع منه يظهر نجد دائري ,يبرز منه جبل آخر حاد القمة.تتواجد على هذا النجد قرية يقطنها اليهود خاصة.
في سفح الجبل ,وسط الزيتون والبساتين ,توجد مدينة صغيرة تقطنها قبيلة بني وكيل.
الكيلومتر السادس والخمسون بعد الثلاثمائة(356).على يميننا , والساعة تشير الى الثالثة والنصف, يظهر,في مقدمة مفازة جبلية, ضريح سيدي موسى , وهو على مسافة نصف يوم ؛تحيط به بعض المنازل والأشجار ,وقليل من الخضرة.
بعد مسافة قليلة ,إلى الأمام,-لكن في نفس الخط الموازي- يظهر جبل بني يعلا حيث توجد ,حسب الزعم, مناجم ذهبية غنية .بعيدا ,دائما في نفس الخط,يوجد جبل( المشايعة)؛وعلى يسارنا جبل (سريدة) ويقطنه بنو وكيل .قريبا من الطريق يوجد دوار لهم يحمل اسم ( بكريس),وهو مركون إلى جبل صغير ,حيث لاحظت وجود أطلال منازل ,وتحصينات بساتين منهارة.

علينا أن ننزل لدى قبيلة من رحل بني وكيل ,لكن إذا كانت مضاربها معروفة منذ شهور ,فإننا ,اليوم, لا نعرف مكان تواجدها.
أمام هذا الوضع قررنا مواصلة السير إلى وجدة ؛ومهما يكن فهذا الدوار في شبه تمرد على الباشا.
لكن ,ونحن نهم بمواصلة السير أقبل نحونا فارس مسرع؛انه من قبل باشا وجدة ,بعث ليخبرنا بأنه ,ونظرا للساعة المتقدمة,من الأفضل لنا أن نحط الرحال لدى دوار بني وكيل ؛وقد وجه إليهم فارس ليخبرهم ,حيث هم ,بعيدا عن ضريح سيدي محمد بن عيسى,الذي يظهر لنا يسارا,أمام جبل (لكرابا).
أخذنا بالنصيحة ,فوجدنا دوارا لم نر أكبر منه فيما رأينا:خمسون خيمة تحيط, بانتظام , بخيمة الرئيس ؛بحيث تبدو الأبواب كلها مشرعة نحوها.تشكل هذه الخيام دائرة كبيرة قطرها ثلاثمائة متر تقريبا.
الخيام كبيرة ,وفي حالة حسنة؛إنها أكثر نظافة مما رأينا إلى حد الساعة.
جمعت قطعان الماشية وسط هذه الدائرة, ويقوم على حراستها سكان خيمتين.
كل أفراد هذه القبيلة شرفاء؛وعلى أي ففي المغرب الكثير من الشرفاء ,على هذه الشاكلة, بحيث لم يعودوا يثيرون الانتباه.
إن كونهم شرفاء لم يحل دون تمردهم (على السلطة ),ونظرتهم إلينا تشي بهذه الحالة ؛بحيث بدوا متذمرين من تزويدنا بكميات قليلة من المونة(الزاد) ,والشعير لدوابنا.

لقد اضطر الرجل المتطوع الذي انظم إلينا في الأيام الخيرة الى تهديد أحد هؤلاء الشرفاء بخنجره الطويل, حتى يمكنه من التبن الذي وضعه الرئيس تحت تصرفنا .يضاف الى هذا عدم وجود الماء في الجوار ؛وبالكاد أذنوا لدليل ليرافق رجالنا,وبمعيتهم الدواب, الى موارد ماء عفنة وشحيحة ,في فجوات بعيدة.
لدى وصولنا إلى الدوار ,بدا على السي قدور تعب شديد بحيث تم إنزاله, من على ظهر حصانه,بمشقة,وحمل الى خيمته. رغم حالته هذه لم يكف عن تكرار : » لاباس الحمد لله,لاباس
لقد وصلنا الى مأمن. لقد أوصلتكم الى هنا دون أن تصابوا بأذى ,كما أمرني بذلك أخي ؛لكن هاأنذا أوشك على الموت الآن »يقول لنا كل هذا لكن بنوع من الاستسلام الشديد الهزل؛بحيث لا زلت اضحك كلما تذكرته.
رغم ما أصاب هذا الرجل الشجاع من تعب ,أصر على مراقبة نصب خيامنا ,جاعلا إياها جوار خيمته ؛مرددا باستمرار : »أنا مسؤول عنكم  » ولم ينم الا بعد أن رتب كل شيء حسب رغبته.
واصلنا سيرنا في الساعة التاسعة؛ وبعد أن عبرنا وادي اسلي ,وهو جاف,وخلفنا على يسارنا جبل بني وسين ,سرنا بين تلال صخرية مباغتة ,تراءت لنا من أعلاها مدينة وجدة:بيضاء وسط البساتين والزيتون والخضرة الشاسعة المحيطة بها.

وصلنا على الساعة الحادية عشرة ,وعبرنا من خلال طريق ضيق طوله كيلومتر واحد ؛يخترق أشجار الزيتون ,ويحفه من الجانبين صبار كثيف صعب الاختراق.
هذ الممر الضيق موحل من جراء تدفق مياه السقي ؛لكننا, ورغم كل شيء, لم نسأم من التملي في هذه الخضرة ,واستنشاق ما ينبعث منها من شذى.لم نمر منذ خمسة عشر يوما الا بأراضي قاحلة ,حيث تنبت ,بكيفية بئيسة, بعض الأشجار القزمة. من لم يمر بما مررنا به ,لا يمكن أن يشعر بمدى ما نحس به من متعة وارتياح ,ونحن نصل إلى وسط هذه النضارة والخضرة . يبدو أن القلب يتسع ,وأن ثقلا كبيرا انزاح عنه ,بعد ضغط شديد؛ بحيث عاودتنا الرغبة في الكلام, والضحك.لقد تلاشى كل تعبنا.
لا مانع في أن نتمرغ ,بعفوية, وسط الحشائش النضرة؛إننا نغار من بغالنا ,وهي تقضم من هنا وهناك ,لدى مرورها.
وجدة:377كلم.خارج الأسوار نمر بمقبرة عربية,وضريح؛وبعد أن نلج إلى الداخل نمر بضريح آخر ,في حالة متردية جدا؛رغم ما به من زخرفة بديعة ,لاتزال بادية للعيان.
نمر بأبواب عديدة متراصة,قبل أن نصل إلى ساحة واسعة,تحيط بها غرف صغيرة ,يقطنها الجنود؛والى جانبهم رباطات خيولهم.
باب منزل الباشا مشرعة على هذه الساحة؛وقد خرج لاستقبالنا بعد إخباره بقدومنا.رافقنا الى غرفة صغيرة بالطابق الأرضي,منفتحة على حديقته.
بعد عبارات الترحيب المألوفة ,قدم لنا وجبة طعام دسمة؛لكن ما سرنا أكثر هو أن نرى على مائدتنا فجلا طريا ,وسلطات رائعة شديدة الطراوة ؛ينتجها ,بوفرة بستاني الباشا ,وهو من أصل مالطي.

إن الغرفة التي نوجد بها هي نفسها التي يعقد بها الباشا اجتماعاته.لقد تكرم بوضعها رهن تصرفنا ,لكننا رفضنا عرضه ,مفضلين نصب خيامنا في ساحة تشرف على الحديقة؛بدل حرمانه من غرفة عمله؛وهي ,على كل حال لاتخلو من براغيث ,رغم حرصه على أن ينظف كل شيء بها ,قبل أن تفرش بالزرابي ,وتوضع بها الأسرة الحديدية المخصصة لنا.
أثناء تناولنا للغذاء:الباشا ,السي قدور وكاتبه الى جوارنا, لكنهما جالسين على الأرض,برهنا ,مرة أخرى,على أنهما ,رغم عدم استعمال الملاعق والشوكات, يحققان – معنا- نفس النتائج؛الوسائل وحدها تختلف.
باشا وجدة هو علي بن محمد بن الحاج ,في الأربعين من عمره تقريبا؛يشي وجهه بالذكاء,دون علامة مميزة.ما ينقصه على مستوى البنية الجسدية يعوضه بلباقته.انه إداري جيد ,ورجل كرم ,رغم الندرة الشديدة لهذه الصفة ,بهذا البلد.
في كل جمعة يوزع , من ماله الخاص,على الفقراء والسجناء, كمية كبيرة من الخبز.
نعرف أنه في المغرب , كما في أغلب الدول العربية, تترك الحكومة أمر تغذية السجناء للأهل والأصدقاء.
للثناء على خصلة الكرم هذه ,المحبوبة لدى الباشا, بعثت إليه بمائة فرنك ليخصصها لهؤلاء البؤساء؛لكنه رغب في أن يحضر أحد رجالي عملية توزيع الخبز,وقد اقتناه بنصف المبلغ,وأخبرهم بنفسه بأنه ,وبعد ثمانية أيام ,سيوزع عليهم نفس الكمية,وبأن عليهم أن يشكروا (على هذا) ضيوفه المسيحيين.

لقد أعجبني كثيرا تصرفه.كان بإمكان باشا آخر ,مكانه,أن يحتفظ بالمبلغ لنفسه ؛أو على الأقل ما كان ليستغل الفرصة لشكر هؤلاء النصارى ال………….(حذفت,تأدبا, الوصف الذي استخدمه شافانياك)
مدينة وجدة أكثر نظافة وعناية من كل المدن التي زرناها ؛إن جهود علي بن محمد هي التي حققت هذه النتيجة.بفضل عنايته أحيط السوق السنوي المهم الذي يقام هنا , والذي تعرض فيه كل منتوجات الجنوب ,بعدد من الأسوار.سوق البهائم يبدو بدوره حديثا.تحصينات المدينة , وهي مشيدة باللبن, موضع عناية جيدة ,تعلوها ,على مسافات , أبراج مربعة.
وبأوامر الباشا أنجزت أشغال سقوية ,حولت مشارف المدينة إلى واحة خصبة, تناقض جدب الأراضي المجاورة.
لا يشتكي الباشا من تصرفات مرؤوسيه تجاهه؛ الثورات نادرة,لكنه أخبرني بأنه كثيرا ما ييأس, ويمل من الغضب, من جراء التجدد المستمر للشقاق , والمواجهات الدموية بين الساكنة.
تشكل أعمال النهب ,التي يسهلها القرب من الحدود , أحد مشاغله .بعد ارتكاب هذه الأعمال ,سواء بالجزائر أو المغرب,يعبر الفاعلون الحدود ,للافلات من العقاب.
لدى وصولي الى الجزائر,أدهشت أشخاصا متنوعين وأنا أحدثهم عن الضيافة الصادقة والكريمة ,التي حظينا بها,بدون تحفظ؛وعما شعرت به ,باستمرار ,من أحاسيس صادقة لدى علي بن محمد.التزاما بالصدق أقول بأنه بدا لنا متحليا بخصال عديدة لانلاحظها عادة لدى العرب.خصاله هذه لاتقابل بالجحود من طرف مواطنيه فقد سمعتهم , في مرات عديدة, يثنون كثيرا على مؤهلاته الادارية ,وكرمه الشخصي.

استجابة لرغبته مكثنا عندة ثلاثة ايام ,وقد بدا سعيدا باحتفاظه بنا؛وكان كثير السؤال عن الممارسات الفرنسية في مجال الادارة والاقتصاد؛مبديا آراءه بخصوص ما يراه جيدا أو رديئا.
التقيت عنده برجل حرب مغربي,مشهور كثيرا بشجاعته؛يسمى سيدي بكر ؛يكلف ,عادة من طرف السلطان, بقمع الثورات بهذه الجهات .رجل طويل القامة ,أسود اللحية,بشرته برونزية ,ومظهره يوحي بالصرامة.كلامه مقتضب وحاد,ويدل على ذكاء كبير.كل ما فيه يلزم بالاستسلام ,ويوحي بالاحترام.فحص باهتمام أسلحتنا ,وأطلعنا على اسلحته ؛وقد لاحظت ,من بينها, بندقية صغيرة ذات طلقتين ,عيار24مم,بارتداد مركزي وماسورتين مخططتين. أخبرنا بأنها سلاحه المفضل ؛السلاح الذي يحمله في خرجاته.
نقضي وقتا في التجوال بمدينة وجدة ,وأسواقها .رغم ما تحضى به هذه الأسواق من شهرة ,لم اعثر بها على ما يلفت الانتباه. كل السلع التي نصادفها – تقريبا- من انتاج فرنسي؛وعبثا حاولنا العثور على منتوجات من الجنوب.
ما عدا في ايام المعرض السنوي الذي ينعقد بها ,لا يحتفظ التجار بسلع الجنوب.تؤكد المعلومات التي افادني بها الباشا بخصوص اهمية سوق المدينة ,تؤكد أنه ,ونظرا لصعوبة ادخال السلع الى الجزائر , فانها في تناقص سنة بعد أخرى ؛على حساب ازدهار المدينة.
لا حظنا أثناء تجوالنا خارج المدينة أن امن السكان, وخدمات السقي, يسهر عليهما العديد من الحراس.

من أعلى تل صغير ,جنوب المدينة ,يعلوه ضريح موقر ,لكنه في وضعية متردية,(لعله ضريح سيدي امعافة:المترجم)؛نستكشف المدينة وأسوارها .من هذا الموقع تمكنت من رسمها.لم يكن هذا ممكنا من الجهات الأخرى لأن أشجار الزيتون تحجب المدينة كلية ؛وقد غرست حتى في أسفل الأسوار.
غداة يوم وصولنا ,غادرنا السي قدور راجعا الى بلدته؛ لكن ليس بدون شرب شاينا وأكل حلوياتنا؛لقد ملأ جيوبه بالحلويات والبيسكويت ,وباختصار بكل هذه اللذائذ التي يمكن ان نحصل عليها ؛ ذاهبا بها لأخيه ,واعدا بأنه سيخبره بأنها هدية منا إليه ,كما اقسم بأنه سيدعو الله لنا كل يوم حتى يزيدنا من نعمه.
أخبرنا بأنه  » سعيد بالتعرف على مسيحيين ,يتكلمون ويضحكون ,من كل قلوبهم- يقول- لقد استضفت ,السنة الماضية,انجليزيا برفقة زوجته,ولم يحصل أن رأيناهما يبتسمان . لقد تساءلت -يقول- هل كل المسيحيين على هذه الشاكلة؟وخمنت أن الإنسان سيشعر,ببلادهم,بضجر شديد.لقد راقني أن أعرف أن هذا غير صحيح؛وأن الإنسان بإمكانه,وهو يستطلع ويستمع ,طلبا للفائدة, أن يتحدث بانشراح ,وأن يكون ضيفا محبوبا…..

لم يعد بحوزتي ما أمنحه له ؛احترت في أي تذكار أقدمه له ,فلم أجد بدا من خلع منظاري الذي حملته معي وسلمته له. سعد بالهدية وقال: » سأسلمها لأخي على أنها من قبلك »؛وهكذا كشف مرة أخرى عن أهم شيء لديه في هذا العالم.

يمتلك السي علي بن محمد زنجيا صغيرا ,في عمر الزنجي الذي برفقتي؛لكن هذا الطفل البئيس يبدو سقيما وحزينا.كان ينظر ,باستمرار, إلى الثياب الجديدة التي يرتديهامسعود ,وكأنه يتمنى لو كانت له؛في حين أن هذا الأخير – وعلى عادة المزاج العربي- يقابله بنظرات افتخار ,موليا لنفسه أهمية.
إن إخراج مسعود من المغرب يقلقني بعض الشيء ؛إذ يمنع كليا على العرب – وبالأحرى على مسيحي لا حق له حتى في الشراء- أن يعبروا بالعبيد الحدود.
لكن حينما كلفت من يطلب من الباشا الرخص الضرورية لاصطحاب رجالي إلى الجزائر ,لم تكن هناك أية صعوبة , سواء بالنسبة للزنجي الصغير , أو الآخرين؛وقد بعث لي ,أيضا, بشهادة لم أطلبها ,تتضمن
أنني سافرت من فاس إلى وجدة ؛وأنه كان في غاية السرور وهو يستضيف من أوصى به السلطان خيرا.
قبل أن أفارقه اعتذرت عن كوني لم يعد معي ما أقدمه له كتذكار عدا مسدسي الأمريكي ,المطلي بالنيكل
وذي الطلقات الخمس.

كان لهذه الهدية وقع كبير على نفسه ؛فبعد أن فحص السلاح بعناية , وبعد أن أكثر ن تجريبه ,أقدم على ما لم أر أي عربي يفعله: ليقابل هديتي بالمثل ذهب في الحين إلى منزله وأتاني منه بوسادة مخملية مطرزة بالذهب ,وحايك أبيض جميل ,مخطط بالحرير والصوف.قدم لي الهدية معتذرا بكونه اخذ على حين غرة ,وليس لديه ما يقدمه لنا أفضل من هذا.
ودعناه في غمرة من التحايا لاتنتهي ,وأماني السعادة. »تاركين في نفسه ,على حد عبارته, ذكرى عذبة ودائمة , عن مرورنا بوجدة ».
من جهتنا لم ننس أبدا السي علي بن محمد ,ضيافته الحلوة الشمائل ,وأحاسيسه الممتازة؛وأجد متعة في ذكر ذلك هنا.
بعد مضي أربع ساعات على مغادرتنا وجدة ,وصلنا , مخفورين بعشرة جنود, إلى مغنية ؛بعد ان قطعنا ,من فاس, مسافة أربعمائة وواحد كلم,استغرقت منا سبعة وستين ساعة من المشي.
يتبع

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *