Home»Débats»المقاربة الافريقية في الدبلوماسية الاقتصادية المغربية

المقاربة الافريقية في الدبلوماسية الاقتصادية المغربية

0
Shares
PinterestGoogle+

المقاربة الافريقية في الدبلوماسية الاقتصادية المغربية

الصدقي يوسف:

باحث في
مجال الدبلوماسية الاقتصادية

مركز
الدكتوراه جامعة محمد الأول وجدة

 مكنت الزيارة الملكية الأخيرة للديار الافريقية
من تقوية موقع المغرب على المستوى الأفريقي وإبراز دوره الحقيقي اقتصاديا في
المنظومة الاقتصادية للقارة السمراء، وفي هذا الصدد يمكن القول حاليا أن هناك
قطبين اقتصاديين بارزين داخل القارة:

القطب الأنغلوساكسوني بزعامة جنوب
افريقيا وهي ند عنيد للمغرب ليس فقط اقتصاديا بل روحيا كذلك من خلال تاريخ جنوب
افريقيا وما يمثله للإنسان الافريقي من عواطف الانعتاق والحرية (شخصية الراحل
نلسون منديلا)، مع استثمار جنوب افريقيا لهذا المعطى لتكون جبهة قوية وتتحالف مع
قوى أخرى من قبيل نيجريا والجزائر الدولة الفرنكوفونية لكن تنافس كذلك على زعامة
الاستراتيجية لشمال إفريقيا.

القطب الفرونكوفوني بزعامة المغرب القوة
الاقتصادية والروحية والتاريخية للقارة الافريقية وهو دور لعبه المغرب قديما فكان
قوة تجارية كبرى في القارة وها هو اليوم يصبو لانتزاع مكانته القديمة.

جولة المغرب لكل
من مالي وغينيا كوناكري وساحل العاج والغابون كانت بأبعاد مختلفة لكنها تقف جميعها
على قاطرة واحدة وهي قاطرة الاقتصاد والتنمية وهذا ما تزكيه مجموع الاتفاقيات الموقعة
خلال هذه الجولة، مما يعني أن إفريقيا تحتل أولوية الأجندة الدبلوماسية الاقتصادية
المغربية حيت لا ننسى أنه وخلال 25 زيارة ملكية لإفريقيا تم توقيع 500 اتفاقية مع
بلدان القارة في السنوات الأخيرة، وسنستشف ذلك عبر بعدين أساسين بعد اقتصادي وبعد
تنموي:

البعد الاقتصادي:

رغم حداثة عودة اهتمام المغربي بدول
الجنوب فيما يعرف بتعاون جنوب ـ جنوب، إلا أنه لم يفقد حسه الافريقي بالرغم من
ابتعاده المكره عن القارة، فالمملكة أرست استراتيجية الشراكة منذ مدة طويلة مع
باقي بلدان القارة، ولعل أبرز ملامحها إلغاء المغرب لديون البلدان الإفريقية
الأكثر فقرا، وكذا العديد من المشاريع الاستثمارية التي تنجزها مقاولات عمومية
وخاصة مغربية في بلدان إفريقيا جنوب الصحراء
.

انفتاح الاقتصادي المغربي على القارة
الإفريقية سيشكل دعامة للقطاع الخاص المغربي للتوجه للاستثمار في البلدان
الإفريقية وذلك بغية الاستفادة من المؤهلات الكبيرة التي توفرها اقتصاداتها
الناشئة. فالمجال الاقتصادي المغربي عرف تطورات كبيرة ومتسارعة في السنوات
الأخيرة، حيث أصبح المغرب اليوم، ثاني بلد مستثمر إفريقي في إفريقيا، والتوجه
المستقبلي هو توسيع هذا التواجد الاقتصادي ليشمل دولا أخرى ويشجع قطاعات أخرى
واعدة للاستثمار في البلدان الإفريقية.

لا يجب أن نغفل الدور الاستراتيجي الذي
سيلعبه المغرب كشريك أوروبي وأمريكي في المنطقة، فهناك توجه أوروبي ورهان أمريكي على
أن يكون المغرب منصة للإقلاع بالاقتصادي الأوروبي والأمريكي، وهو ما يشجعهم للدفع بالمغرب
إلى الاستثمار في افريقيا ليصبح حلقة وصل تربط الخط العمودي شمال ـ جنوب مع الخط
الأفقي جنوب ـ جنوب، وهو ما يعطي المغرب قوته الاستراتيجية الاقتصادية في المنطقة
وهو ما يزعج العديد من الدول خاصة الجارة الجزائر وبصورة أقل موريتانيا.

الزيارة الملكية أدهشت حتى المتخصصين
فمركز « دي أفريكان بولتان »، وهو مركز مستقل للأبحاث متخصص في الشؤون
الإفريقية رأى في استراتيجية المملكة والتي أرادها جلالة الملك من شأنها إعادة
الحيوية للجهود الرامية إلى النهوض بالرفاه الاقتصادي في إفريقيا، هي زيارات أدهشت
وسائل الإعلام الدولية والتي أدركت أن الجولات الملكية تتجاوز العلاقات التقليدية
التي تربط منذ زمن بعيد المغرب وجيرانه الأفارق، فقد وضع المغرب حدا للزيارات
الفلكلورية الظرفية وأرسى دعائم جديدة لعلاقات مستمرة بأبعاد اقتصادية وتنموية،
وهذا يعني أن نجاح المغرب في إفريقيا حقق مجموعة من النجاحات ليس فقط اقتصاديا، بل
استطاع المغرب أن يفرض نفسه كقوة قارية نافذة قادرة على المساهمة بشكل إيجابي في
الدينامية الاقتصادية للقارة الإفريقية. أكثر من هذا استطاع المغرب أن يروج للتقدم
الملموس الذي حققه في المجالات الاقتصادية، خاصة على مستوى القطاع البنكي
والاتصالات والتجارة والصناعة والبنيات التحتية والتعليم والسكن، مما يجعل منه
شريكا مفضلا، قادرا على المساهمة في الدفع بإفريقيا نحو مزيد من التقدم
.

البعد التنظيمي والتنموي:

تمثل الزيارة الملكية نموذجا لعلاقة
جنوب ـ جنوب وتعبد الطريق أمام المغرب لتقاسم تجاربه التنموية ولعل الانخراط الجدي
في المخطط الاستراتيجي للتنمية بالغابون يعد خير مثال لذلك، حيت أبدى المغرب رغبته
للمشاركة في ركائز هذا المخطط الذي أطلقته الحكومة الغابونية وهي ثلاث ركائز:
الغابون الأخضر (المخطط الأخضر المغربي) الغابون الصناعي (الميثاق الوطني للإقلاع
الصناعي بالمغرب) الغابون الخدمات (قطاع ترحيل الخدمات بالمغرب) وجميعها مخططات
بأبعاد تنموية للمغرب تجربة كبيرة بإمكانه تقاسمها مع دول القارة. ويمثل البعد
التنموي والتنظيمي للقارة الركيزة التي اعتمد عليها المغرب في قراره لتنظيم الهجرة
عبر تسوية وضع المهاجرين الأفارقة بالمغرب، وهو نفس الهاجس الذي سبق ودفع المملكة
لإسقاط ديون بعض الدول الأكثر فقرا بالقارة.

إن تدهور الوضع الأمني في العديد من
المناطق الإفريقية تظهر بجلاء نجاعة المقاربة المغربية القائمة على التنمية
المستدامة كأداة لبلوغ الأمن المستدام، فمحاربة الفقر من شأنه إحلال الأمن ولا
يمكن للفقر أن ينمحي بدون علاقة مبنية على نشر الديموقراطية و تبادل الخبرات،
والاتجاه نحو علاقات استراتيجية تنموية بعيدة عن النظرة الضيقة أو المصالح
الأحادية، فالزيارة الملكية وخطاب جلالته بعاصمة الكوت ديفوار وأمام منتدى اقتصادي
افريقي، أعطى خلاصة نظرة المغرب لمستقبل إفريقيا كما يجب أن تكون، خطاب العاهل
المغربي جاء ليبني خارطة طريق جديدة لرؤية مغربية لمستقبل إفريقيا، واستعداد
المغرب لتحمل مسؤولياته القارية.

البعد التنموي للقارة يجب أن ينطلق من
واقع القارة وليس من تقارير دولية تتخذ في مكاتب مكيفة، لأول مرة ينادي قائد
إفريقي بضرورة التحرر الاقتصادي ونبد التبعية، لأول مرة يتم إعطاء المفهوم الحقيقي
لتعاون جنوب ـ جنوب المبنية على الإمكانات الذاتية والخبرات المكتسبة وقدرة القارة
على التحليق بأجنحتها عوض انتظار مساعدات الشمال. هو انعتاق تنموي ببعد حضاري يجعل
من القارة شريكا كاملا عوض الاقتصار على التبعية والارتهان التنموي، فعلى القارة
أن تؤمن بثرواتها الذاتية.

التعاون الاقتصادي والسياسي هو السبيل
للقضاء على الحروب العرقية والقبلية المنتشرة بالقارة السمراء، الديموقراطية
والإرادة السياسية ونشر مبادئ الحرية والرغبة في الخروج من نفق التخلف، خارطة طريق
مغربية لمستقبل إفريقي. فبفضل رؤيته الشاملة لمستقبل القارة، فإن المغرب يفرض نفسه
كقوة قارية نافذة قادرة على المساهمة بشكل إيجابي في الدينامية الاقتصادية
والاستقرار السياسي للقارة الإفريقية، والتأثير السياسي للمغرب تزايد في إفريقيا بفضل
الزيارة الملكية ومعها تتعزز ثقة البلدان الإفريقية في قيادة المملكة
.

 

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *