Home»Débats»من رسـائل الخطاب الملكي في زمن الالتقاط

من رسـائل الخطاب الملكي في زمن الالتقاط

0
Shares
PinterestGoogle+

 من ضمن الرسائل القوية التي تضمنها خطاب العرش الأخير، تأكيد الملك على أن لكل مرحلة نخبتها ومؤسساتها، داعيا إلى كون المرحلة تستوجب نخبة جديدة ومؤسسات جديدة مسايرة للدستور الجديد.
هاته الرسالة خلفت نقاشات وتأويلات وردود أفعال متباينة، خصوصا لدى الطبقة السياسية، وخوفا لدى محترفي الإنتخابات والقيادات السياسية التي أصبحت تستمد شرعيتها واستمرارها في ارتباطها بالدولة والامتيازات المخزنية، بعدما تخلت عن شرعيتها النضالية والتاريخية وتطليقها للمشروع المجتمعي لحركة التحرر المغربية، مما جعلها في وضع القطيعة مع القاعدة الشعبية.
كل هذا جرى وفق مخطط مخزني متكامل الحلقات يقضي بصناعة الصغار وتدجين وتلطيخ الكبار، على أرضية أن الدولة المخزنية تستمد قوتها من ضعف المجتمع المدني وقواه السياسية، عكس الدولة الديموقراطية التي تستمد قوتها من قوة المجتمع المدني (المواطنين) لأنها تكون في خدمته والعكس صحيح بالنسبة للدولة المخزنية التي تجعل المجتمع (الرعايا) هو الذي في خدمتها.
والآن وبعد الربيع العربي وفشل نموذج تونس ومصر وليبيا واليمن القاضي باحتكار السلطة والثروة عن طريق سيادة وهيمنة حزب الدولة، وبعد ميلاد حركة 20 فبراير المجيدة أصبحت حاجة البلاد والعباد والحكام إلى نخب وأحزاب ذات مصداقية فلم تجدها (قتلوا ودنسوا وأبعدوا الرجال الكبار وعندما احتاجوهم لم يجدوا إلا الرجال الصغار).
فهل ستستجيب أحزابنا وقياداتها المترهلة لهاته الرسالة وتقوم بانتحار سياسي مصلحي لصالح الشباب؟ أم أن الرسالة موجهة لأصحاب الوقت كعنوان للخريطة السياسية المقبلة؟.
والجواب عن السؤال نتركه للزميل عبد الله الدامون في مقالته الرائعة المعنونة ب »زمن الالتقاط »:
يبدو أن أفضل ما يمكن أن نصف به الأحزاب المغربية حاليا هو كونها عادت إلى العصر الحجري وصارت تعيش على الالتقاط.
ويعرف التلاميذ الصغار في المدارس الابتدائية أن عصر الالتقاط كان موجودا قبل أن يكتشف البشر شيئا اسمه الزراعة، فكان الإنسان البدائي لا يزرع ولا يغرس ولا يسقي ولا يحصد، وكل ما كان يفعله هو البحث عن أشياء تسقط من الأشجار لكي يأكلها. وحين تهب رياح قوية فإن إنسان الالتقاط يتوفر على غلة أكبر، وفي كل الأحوال فإنه لا يبذل أي مجهود من أجل الأكل. هكذا ارتبط، إذن، عصر الالتقاط بالمرحلة التي لم يكن الإنسان فيها قد بدأ في استخدام عقله، وهي نفس المرحلة التي كان فيها الإنسان غير قادر حتى على مواجهة الحيوانات لأنه لم يكن قادرا على صنع أسلحة لمواجهتها، فكان يفضل أكل الحيوانات النافقة، أو ما نسميه اليوم «الجيفة»، إنها مرحلة مرتبطة بقلة العقل، وبقلة الشجاعة أيضا.
هذا هو حال الأحزاب المغربية اليوم، إنها تعيش على التقاط المكاسب السياسية التي ليس لها أي دور فيها. إنها أحزاب لم تزرع ولم تسق ولم تحصد، انتظرت فقط هبوب الرياح لكي تكون الغلة وافرة، ثم صارت تلتقط وتأكل وتأكل، وفوق ذلك تشتم الرياح التي وفرت لها كل هذا «الكلأ السياسي».
رياح حركة 20 فبراير هي التي وفرت كل هذه المكاسب السياسية، فهي التي حركت موضوع الدستور، وهي التي ترمي الأحجار نحو هذه البركة الآسنة التي اسمها الفساد، وهي التي تواصل التحدي وتتظاهر باستمرار لإسقاط الرؤوس واللوبيات العفنة، وهي التي ستحرك أشياء كثيرة مستقبلا، لكن زعماء الأحزاب، وفق منطق «أكل الغلة وشتم الملة»، لا يوفرون أية مناسبة، خصوصا عندما «تطلع ليهم الدوخة للراس»، فيبدؤون في شتم شباب حركة 20 فبراير، مع أن زعماء الورق يعرفون قبل غيرهم أن هذه الحركة هي واحدة من أحسن ما وقع للمغاربة، وهذه المظاهرات المنددة بالعفونة والفساد هي واحدة من أفضل الحسنات في حياة الناس منذ 1956 وإلى اليوم، وبفضلها عادت الروح إلى جثث الأحزاب المتعفنة… فسبحان من يحيي العظام وهي رميم.
الغريب أن هناك أحزابا كانت تعتبر من يدعو إلى تعديلات دستورية خارجا عن الملة، وفي النهاية شمرت عن ساعديها وصارت تحصد ثمار مطالب المتظاهرين في الشوارع، وأكثر من هذا فهي تمنع أعضاءها من التظاهر. يا لها من وقاحة…
ربما لا تشعر هذه الأحزاب بأنها وقحة و«قْليلْة الحْيا»، لأن من لا ماء في وجهه لا يمكن أن يحمر خجلا، لذلك من الطبيعي أن تتصرف بهذه الطريقة. وعموما، فإن الأغلبية الساحقة من الأحزاب المغربية ولدت في بيئة الفساد وكانت جزءا منه، بل إن مهمتها كانت هي التصفيق للفساد والمشاركة فيه، لذلك إذا سقط الفساد فلا بد أن تسقط معه هذه الأحزاب، وإذا بقي فستبقى.
في الماضي، أيام ……ادريس البصري، كانت الأحزاب تفقس كما يفقس البيض تحت حرارة المصابيح الاصطناعية، وحين تولد وتفتح عينيها، فإنها تجد أمامها دجاجة كبيرة اسمها وزارة الداخلية، فتعتقد أنها أمها، فتحتمي تحت ريشها وتتبعها أينما حلت وارتحلت. هل يمكن، إذن، أن نعيب على هذه الأحزاب تصفيقها للمخزن؟
في تلك الأيام كانت لكل حزب مهمة، هذا لاستقطاب المهربين وتجار الحشيش، وذاك لاستقطاب إقطاعيي البوادي، وهذا للالتفاف على المطالب الأمازيغية، وآخر لوضع لحية للديمقراطية، وذاك لجمع شمل الأعيان وأصحاب الشكارة، وهذا لتأثيث الديكور الديمقراطي، وهلم «جرجرة»، أما الزعماء فكانوا يقبضون كل أشكال الامتيازات، وهي ما بين ملايير الدعم والفيلات والضيعات الفلاحية أو، على الأقل، التستر على ملفاتهم الثقيلة في الفساد.. وأشياء أخرى.
اليوم، لا أحد يعرف ماذا يقبض هؤلاء، ربما يقبضون الريح، لكنهم في كل الأحوال لا زالوا يصفقون… ويلتقطون ثمارا جاءت بها رياح لم يصنعوها… ولم يشاركوا فيها… بل يحاربونها.

بقلم الاستاذ محمد الحجام
مدير نشر جريدة ملفات تادلة

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *