لْبَلُوزَةُ الْوَجْدِيَّةُ…خَيْطٌ مِنْ ذَهَبٍ وَذَاكِرَةُ التَّارِيخِ الْمَعَاشِ: كَيْفَ أَصْبَحَتِ الْبَلُوزَةُ الْوَجْدِيَّةُ تَكْسِي الْجَزَائِرِيَّاتِ مُنْذُ زَمَنِ اللُّجُوءِ بِعَاصِمَةِ الشَّرْقِ الْمَغْرِبِيِّ…قِصَّةُ تَلَاقٍ بَيْنَ ضَفَّتَيِ الْحُدُودِ

عبدالقادر كتـــرة

في زوايا مدينة وجدة العتيقة، وبين رفوف الذاكرة الشعبية، تحتفظ خزانة المرأة الشرقية بقطعة فنية فريدة، تتجاوز كونها مجرد لباس، لتصبح وثيقة هوية ناطقة. إنها « البلوزة الوجدية »، ذلك الثوب الذي يزدان صدره بالخرز والعقيق والأحجار الكريمة، وتُحيك تفاصيله أيادٍ توارثت الإتقان جيلاً بعد جيل. لكن حكاية هذه القطعة التراثية لا تقتصر على حدود المغرب الشرقي، بل تمتد جذورها لتتشابك مع تاريخ الجارة الجزائرية، وبالتحديد مدينة وهران.
تُجمع الكثير من الدراسات على أن « البلوزة » بصفة عامة متأثرة بالهجرات الأندلسية المتعددة، خاصة بعد طرد الموريسكيين من إسبانيا، وهو ما يظهر جلياً في اسمها نفسه المشتق من الكلمة الإسبانية (Blusa).
وتتفق المصادر على أن هذا اللباس يحمل سمات مشتركة بين منطقتي الشرق المغربي والغرب الجزائري، حيث تُعتبر مدن مثل وجدة وتلمسان ووهران التي كانت جزءا لا يتجزأ من المملكة المغربية، قبل الاستعمار الفرنسي، وجزءاً من مجال جغرافي وثقافي واحد.
وتشير بعض الروايات إلى أن « البلوزة الوهرانية » في الأصل مستوحاة من « الشدة التلمسانية » التي كانت تُدعى قديماً « بلوزة سيدي بومدين »، والتي بظورها مستوحاة من تلبلوزة الوجدية.
وهنا يكمن جوهر الحكاية التي يغفلها الكثيرون: دور اللاجئات الوهرانيات في التأثر لهذا الفن الوجدي المغربي.
فمع بداية الاحتلال الفرنسي للجزائر عام 1830، بدأت موجات هجرة كبيرة نحو المغرب، وكانت مدينة وجدة في طليعة المدن المستقبلة للهجرة الجزائرية.
وتؤكد المصادر أن الكثير من العائلات الجزائرية، بما فيها تلك القادمة من وهران، استقرت في وجدة، حاملة فقط أمتعتها، قبل أن تنصهر في تقاليد وجدة عاصمة الشرق المغربية وحرفها وذوقها في اللباس.
وتشير الروايات إلى أن « البلوزة الوجدية » انتشرت أكثر بفعل هؤلاء المهاجرين الجزائريين بعد استقلال الجزائر، وسافرت إلى الغرب الجزائري، إضافة إلى القرب الجغرافي الذي يربط المدينتين.
بهذا المعنى، لم تكن البلوزة مجرد قطعة قماش عبرت الحدود، بل كانت جسراً ثقافياً نسجته المرأة الوجدية وشقيقتها المرأة الوهرانية التي وجدت في شرق المملكة ملاذاً، وحضنا وملجأ وحصنا متيعا.
وجدت المرأة الوهرانية في هذا اللباس ما يشبه ذوقها، فتبنته وطورته على مزاجها وذوقها، حتى أصبح مع مرور الزمن جزءاً أصيلاً من هويتها، يُعرف اليوم بـ »البلوزة الوهرانية ».
وهكذا، تحولت هذه القطعة إلى شاهد حي على التلاقح الحضاري والتبادل الإنساني الذي ميز المنطقة الحدودية، بعيداً عن أي منطق للملكية الحصرية.
ورغم أن السنوات الأخيرة شهدت جدلاً واسعاً حول أحقية نسب البلوزة بين الجانبين، إلا أن المؤرخين والخبراء في التراث يؤكدون على أن هذا الإرث هو نتاج طبيعي للتفاعل التاريخي والثقافي بين شعوب المنطقة.
فالجغرافيا والتاريخ صنعا هذا التشابه، ولا يمكن لأي طرف أن يدّعي احتكار تراث تشكل في بوتقة التبادل عبر القرون.
اليوم، تواصل « البلوزة الوجدية » حياتها كرمز للأناقة والأصالة، وتحتفل بها وجدة سنوياً عبر مهرجان دولي، يُقام تحت الرعاية الملكية، ويحمل شعارات تؤكد على دورها كخيط يربط بين جهات المملكة، وجسر للتواصل الثقافي. وفي كل مرة ترتدي فيها امرأة وجدية بلوزتها المطرزة، فإنها تحمل معها قصة عابقة بروح وهران، وقصة لاجئات حولن الحنين إلى الوطن إلى فن يسكن الذاكرة.
خلاصة القول، إن « البلوزة الوجدية » ليست مجرد زي تقليدي، بل هي سجل تاريخي مفتوح، يحكي قصة امرأة عبرت الحدود، ونسجت من خيوط الذهب والذاكرة ثوباً أصبح اليوم فخراً للشرق المغربي، وشاهداً على أن التراث العظيم لا يعرف حدوداً، بل يزدهر حيثما وجد من يرعاه ويحتفل به.
تفصيل لأنواع « البلوزة » المختلفة ومهرجانها في وجدة، بناءً على ما ورد في المصادر.
أنواع البلوزة الوجدية
تتميز البلوزة بتنوع كبير يعود لاختلاف « الصدر » (الجزء العلوي المطرز) والمواد المستخدمة في صنعه. من أبرز هذه الأنواع:
– بلوزة المجبود: تُعتبر من أفخم الأنواع، وتُصنع من قماش « الموبرة » أو « القطيفة » غالبًا باللونين الأحمر أو الأسود، وتُطرز بخيوط « الصقلي الحر » (خيط حريري ذهبي أو فضي). هذا النوع ثقيل الوزن وغالي الثمن، ويُخصص عادة للعروس والنساء الميسورات.
– بلوزة المنسوج: تتكون من قطعة قماش واحدة، وتتميز ببريق ثوبها الفضي أو الذهبي، وتُعد جزءًا أساسيًا من جهاز العروس. تُلبس تقليديًا في ليلة الزفاف.
– بلوزة العقيق: يتميز صدرها وظهرها بأنهما مطعمان بالأحجار الكريمة والعقيق. وهناك أنواع أخرى من التطريز تدخل في تصميم الصدر مثل « الكوكو » و »السماق » و »السيملي ».
· بلوزة الصوف: نوع يُنسج من خيط الحرير، ويتطلب صنعه وقتًا طويلاً، إذ قد يستغرق الفستان الواحد شهرين على الأقل.
– بلوزة التل: يتم حياكة صدرها بخيط حريري يُسمى « تل الصقلي »، وهو خيط كان يُستورد من دول شرق آسيا.
بالإضافة إلى ذلك، تتنوع الأقمشة المستخدمة في البلوزة بشكل عام بين « المخمل » و »الستان » و »الحرير المرصع »، بينما كانت الأقمشة التقليدية تشمل « المكسي » و »الفينة منبتة » و »قشور الحوت ».
مهرجان البلوزة الوجدية
تحتفي مدينة وجدة بهذا التراث عبر المهرجان الدولي للبلوزة، الذي تنظمه « الجمعية الشرقية للتنمية » برئاسة لطيفة منتبه، وتحت الرعاية السامية للملك محمد السادس.
– الدورة الثامنة (2025): أُقيمت تحت شعار « البلوزة وإفريقيا.. نسيج من التاريخ »، بهدف إبراز العمق الإفريقي المشترك للمغرب وتعزيز التبادل الثقافي مع دول القارة.
– الدورة التاسعة (2026): من المقرر إقامتها من 5 إلى 8 نونبر 2026، تحت شعار « لبلوزة خيط يجمع بين جهات المملكة ». تهدف هذه الدورة إلى تعزيز مكانة البلوزة في الموروث الثقافي المغربي وإبراز تنوع الأزياء التقليدية لمختلف جهات المغرب. يتضمن برنامج المهرجان ندوات فكرية تجمع باحثين من المغرب والجزائر ومصر، إلى جانب معارض وعروض أزياء.
خلاصة القول، يمثل مهرجان البلوزة منصة حيوية للحفاظ على هذا التراث وتطويره، حيث يجمع بين الأصالة والابتكار، ويفتح حوارًا ثقافيًا يتجاوز الحدود الوطنية، مؤكدًا على الطابع المشترك للتراث في المنطقة المغاربية.




Aucun commentaire