لرَّدْعُ الذَّكِيُّ فِي غَرْبِ الْمُتَوَسِّطِ.. « الدُّرُونَاتُ الْبَحْرِيَّةُ » وَالْفَرْقَاطَاتُ الْمَغْرِبِيَّةُ تَحْمِي شِرْيَانَ « النَّاظُورِ » الِاقْتِصَادِيَّ… عَقِيدَةٌ عَسْكَرِيَّةٌ مَغْرِبِيَّةٌ جَدِيدَةٌ لِتَأْمِينِ مَشَارِيعِ الطَّاقَةِ وَالتِّجَارَةِ الْعَالَمِيَّةِ

عبدالقادر كتـــرة

تتصدر الواجهة البحرية المتوسطية للمغرب اهتمام المتابعين ووسائل الإعلام الإقليمية، وسط سيل من الأخبار المتداولة حول نشر فرقاطات حربية مجهزة بمسيّرات انقضاضية على مقربة من الحدود البحرية الشرقية لتأمين مركب « الناظور غرب المتوسط ». وبين الإثارة الإعلامية التي تصوغ هذه التطورات في قالب « استنفار عسكري عاجل »، وبين الحقائق الميدانية على الأرض، تبرز ملامح تحول استراتيجي عميق يعيد رسم موازين القوى البحرية والاقتصادية في حوض غرب المتوسط.
الذخائر المتسكعة.. هندسة الردع غير المتماثل
يكشف التدقيق التقني في طبيعة التسليح البحري المغربي أن ما يُتداول إعلامياً تحت مسمى « درونات بحرية انتحارية » يرتبط في الواقع بمنظومات « الذخائر المتسكعة » المحمولة بحراً، وعلى رأسها النسخ البحرية المتطورة من مسيّرات « هاروب » (Harop) التي يصل مداها العملياتي إلى نحو 900 كيلومتر.
هذه المنظومات، التي تُطلق من حاويات مدمجة على متن الفرقاطات وسفن الدورية في أعالي البحار، تمنح البحرية الملكية قدرة استثنائية على التحليق لساعات طويلة فوق المسرح البحري، ورصد الرادارات والقطع المعادية وتدميرها بدقة جراحية.
هذا التوجه يعكس تحولاً ذكياً في العقيدة العسكرية المغربية؛ فبدلاً من الانجرار إلى سباق تسلح تقليدي ومكلف لمجاراة الترسانة البحرية الجزائرية المعتمدة على الغواصات والفرقاطات الثقيلة، اختارت الرباط الاستثمار في « التكنولوجيا الذكية والحرب الإلكترونية ». وجود هذه المسيّرات بعيدة المدى، مدعومة بفرقاطات حديثة من طراز « فريم » (FREMM) و »سيغما » (SIGMA) وقريباً سفن « أفانتي 1800″، يضع السواحل والمنشآت الحيوية في غرب المتوسط ضمن نطاق التغطية المباشرة، مما يرسخ « توازن ردع » يمنع أي مغامرة عسكرية غير محسوبة.
حين يحمي السلاحُ الاقتصاد
لا يمكن فصل هذا التحديث العسكري في القواعد البحرية الشمالية عن التحولات الاقتصادية الكبرى التي تشهدها المنطقة، وتحديداً اقتراب المركب المينائي « الناظور غرب المتوسط » من الانطلاق التجاري الفعلي. فالميناء لم يُصمم ليكون مجرد محطة عابرة للحاويات، بل شرياناً طاقياً وصناعياً يستقطب استثمارات دولية وخليجية ضخمة في مجالات الغاز الطبيعي المسال، وتخزين المحروقات، والهيدروجين الأخضر.
إن حديث بعض المنصات عن « حراسة عسكرية لبواخر نفط وغاز سعودية وإماراتية » يختزل مشهداً استراتيجياً أوسع؛ فالمغرب، الذي يرتبط بشراكات طاقية عملاقة مع الرياض وأبوظبي ومع كبرى شركات الملاحة العالمية، يدرك أن رأس المال الدولي يبحث أولاً عن الاستقرار والأمن.
ولذلك، فإن تعزيز التواجد البحري والرقابة الرادارية على الواجهة المتوسطية ليس إجراءً ظرفياً طارئاً، بل هو مظلة أمنية مستدامة لتأمين الممرات التجارية وحماية السيادة الطاقية للمملكة بعد طي صفحة الاعتماد على أنبوب الغاز الإقليمي السابق.
قلق المنافسة الاقتصادية في ثوب أمني
إن المتابعة الحثيثة من طرف الصحافة الإسبانية والدوائر الجزائرية لما يجري في سواحل الناظور تخفي وراءها هاجساً اقتصادياً لا يقل ثقلاً عن الهاجس الأمني.
فدخول ميناء الناظور غرب المتوسط إلى الخدمة، تكاملاً مع ريادة ميناء « طنجة المتوسط »، يعني عملياً سحب البساط من موانئ إسبانية كبرى مثل الجزيرة الخضراء وفالنسيا، وتقليص الجدوى الاقتصادية لمشاريع الموانئ الجزائرية المتعثرة، فضلاً عن إنهاء التبعية الاقتصادية لمدينتي سبتة ومليلة.
إن ما تشهده مياه المتوسط اليوم ليس طبول حرب وشيكة، بل هو ترسيم هادئ لواقع جيوسياسي جديد؛ واقع يتحول فيه المغرب إلى عقدة ربط طاقية وتجارية لا غنى عنها بين الشرق الأوسط وأفريقيا وأوروبا، محمية بمنظومة دفاعية متطورة تفرض الاستقرار بقوة التكنولوجيا والأمر الواقع.




Aucun commentaire