وقد يصبح اختلاق العدو ضرورة نفسية واجتماعية، فوجوده يعفينا من عناء تفسير الواقع في تعقيده، ويمنحنا شعورا زائفا بالوضوح.

الكاتب : سعيد حجي

يبدو أن الانسان العربي لا يستطيع العيش طويلا من دون عدو. يحتاج إليه كي يفسر هزائمه، ويبرر عجزه، ويمنح خلافاته الداخلية معنى، وربما كي يشعر بأنه ينتمي إلى جماعة متماسكة. فالدولة تحتاج إلى عدو تحشد الناس حوله، والمجتمع يحتاج إلى خصم يتفق أفراده على كراهيته، والفرد يحتاج أحيانا إلى شخص يتهمه كلما عجز عن تفسير ما يحدث في حياته. وحين يغيب العدو الحقيقي، يجري البحث عن عدو آخر، أو اختراع واحد، حتى لا يجد الإنسان نفسه مضطرا إلى مواجهة الأسئلة التي يهرب منها.
تحتاج بعض الأنظمة إلى إبقاء شعوبها في حالة استنفار دائم، فتضع أمامها عدوا خارجيا، وتربط مصير الوطن بالخطر القادم منه. وكلما تعقدت الأوضاع الداخلية، ارتفعت نبرة التحذير من المؤامرات، وأصبح الحديث عن الخطر الخارجي أكثر حضورا من الحديث عن أسباب الفقر والبطالة وتراجع التعليم وسوء التدبير. وهكذا يجد المواطن نفسه منشغلا بمن يتربص ببلده، بينما تبقى الأسئلة المتعلقة بمسؤولية من يديرون شؤونه معلقة. فالعدو هنا يؤدي وظيفة سياسية، يجمع المتفرقين تحت راية واحدة، ويمنح السلطة فرصة لتأجيل الحساب.
وعلى مستوى المجتمع، قد يختلف الناس حول مصالحهم ومواقفهم، ويتنازعون على المال والمكانة والنفوذ، ثم يتناسون خلافاتهم حين يظهر خصم مشترك. يصبح الاتفاق على كراهية الآخر أسهل من الاتفاق على ما ينبغي فعله لإصلاح أحوالهم. وقد تتشكل وحدة مؤقتة بين أشخاص لا يجمعهم مشروع ولا رؤية ولا مصلحة مشتركة، سوى وجود شخص أو جماعة يتفقون على تحميلها مسؤولية ما يعانونه. وحين يختفي ذلك الخصم، تعود الخلافات القديمة إلى الظهور، لأن ما جمعهم كان العداوة أكثر مما كان التفاهم…
أما الفرد، فقد تكون حاجته إلى العدو أشد غرابة، لأنه يستطيع أن يحمله في رأسه حتى حين لا يكون هناك أحد يطارده. يتعثر في تجارته، فيتهم الحاسدين. يفشل في علاقة عاطفية، فيعتقد أن أحدا أفسدها له. يعجز عن تحقيق ما خطط له، فيبحث عن عين أصابته أو شخص لا يريد له الخير أو قوة خفية أغلقت أمامه الأبواب. وقد يكون قد تعرض بالفعل للظلم أو الأذى، لكن المشكلة تبدأ حين تصبح هذه التفسيرات جوابا جاهزا عن كل إخفاق، وحين لا يعود مستعدا لفحص قراراته أو الاعتراف بأخطائه أو مراجعة الطريقة التي يدير بها حياته.
إن اتهام الآخرين يمنحنا راحة مؤقتة، لأنه يضع المسؤولية في مكان بعيد عنا. فما دمت أعتقد أن الحاسد هو الذي عطل حياتي، فلن أضطر إلى التفكير في اختياراتي الخاطئة. وما دمت مقتنعا بأن خصومي يتآمرون علي، فلن أحتاج إلى مراجعة أسباب فشلي. وما دمت أرى أن العالم كله يقف ضدي، فسأظل في نظر نفسي ضحية تستحق التعاطف، حتى لو كنت أساهم، من حيث لا أدري، في استمرار المأزق الذي أشتكي منه.
وقد يصبح العدو ضرورة نفسية واجتماعية، فوجوده يعفينا من عناء تفسير الواقع في تعقيده، ويمنحنا شعورا زائفا بالوضوح. نحن الأخيار، وهم الأشرار. نحن أصحاب الحق، وهم مصدر البلاء. نحن الذين نستحق النجاح، لكنهم يمنعوننا منه. وبهذه القسمة المريحة يستطيع الإنسان أن يحافظ على صورته أمام نفسه، حتى حين تكون الوقائع أكثر تعقيدا من روايته عنها.
لكن ماذا لو اختفى العدو فجأة؟ ماذا لو استيقظ المواطن ذات صباح ولم يجد مؤامرة خارجية يتحدث عنها، ولم يجد جماعة يحمّلها مسؤولية أزماته؟ ماذا لو جلس الفرد مع نفسه، بعيدا عن الحاسدين وأصحاب العيون الشريرة، وسألها بصراحة: ما الذي فعلته أنا حتى وصلت إلى هنا؟ وهل كانت كل الأبواب مغلقة فعلا، أم أنني أخفقت في طرق بعضها؟ وهل كل من اختلف معي يريد إيذائي، أم أنني أحتاج إلى الاعتقاد بذلك حتى لا أواجه احتمالات أخرى؟
لعل المعضلة الحقيقية تكمن في أننا قد نفضل امتلاك عدو على امتلاك تفسير دقيق لما يحدث لنا. فالعدو يمنحنا خصما نقاتله، أما التفسير فيضعنا أمام مسؤولياتنا، ويطالبنا بالتمييز بين الظلم الذي ينبغي مقاومته والخطأ الذي ينبغي تصحيحه، وبين المؤامرة الحقيقية والوهم الذي صنعناه كي نخفف وطأة العجز.
والأمم التي تفسر كل إخفاقاتها بالمؤامرات تحرم نفسها من فرصة التعلم، والمجتمعات التي لا تتماسك إلا في مواجهة خصم تبقى وحدتها رهينة وجوده، والأفراد الذين يردون كل تعثر إلى الحسد قد يضيعون سنوات في مراقبة الآخرين، بينما تمر حياتهم من دون أن يغيروا شيئا في أسباب تعثرهم…
ربما نحتاج إلى أن نتعلم كيف نعيش من دون أن نفتش كل يوم عن عدو جديد. أن نختلف من دون أن نتخيل المؤامرات، وأن نراجع أنفسنا من دون أن نشعر بالإهانة، وأن نعترف بأن بعض هزائمنا جاء من ظلم الآخرين، وبعضها الآخر جاء من أخطائنا، وأن كثيرا من مشكلاتنا لا تحتاج إلى خصم نكرهه بقدر ما تحتاج إلى شجاعة لفهمها ومواجهتها.
فحين يصبح وجود العدو شرطا للشعور بالتماسك، أو وسيلة لتفسير الفشل، لا يعود السؤال من الذي يعادينا، بل لماذا نحتاج باستمرار إلى شخص نعاديه حتى نستطيع احتمال واقعنا؟




Aucun commentaire