العلاقة الجدلية بين الكاتب والواقع الذي يعيش فيه


الكاتب : سعيد حجي
كثيرون هم الذين يعاتبون الكاتب حين يحزن لأن كتبه لم تجد طريقها إلى القراء، أو حين تنكسر روحه أمام واقع لا يمنح المعرفة ما تستحقه من اهتمام. يقولون له إن عليه أن يكتب لنفسه، وألا ينتظر من أحد أن يقرأه، وكأن الكتابة مجرد تمرين ذهني يمارسه الإنسان في عزلته، ثم ينتهي الأمر عند هذا الحد. والحقيقة أن هذه النصيحة، على بساطتها الظاهرة، تتجاهل جوهر العلاقة بين الكاتب وما يدفعه إلى الكتابة، وتختزل تجربة إنسانية معقدة في دعوة إلى الاكتفاء بالذات….
نعم، يكتب الكاتب لنفسه أولا، كي يرتب فوضى أفكاره، ويفهم العالم الذي يسكنه، ويمنح مشاعره المضطربة شكلا تستطيع اللغة احتواءه. وقد يجد في الكتابة عزاء يخفف عنه وطأة الحياة، أو نافذة يطل منها على أسئلة لم يستطع مواجهتها في صخب الأيام. لكن ماذا بعد؟ لماذا يسهر الليالي أمام الورقة، ويعيد قراءة جمله مرات عديدة، ويحذف ويضيف، ويبحث عن الكلمة الأكثر قدرة على حمل المعنى؟ لماذا يستهلك من عمره وطاقته في بناء نص قد يستغرق إنجازه أسابيع أو شهورا، إذا كان كل ما يريده هو أن يرى أفكاره مكتوبة أمامه؟ يستطيع أن يحاضر نفسه، وأن يفرغ ما في داخله على الورق دون أن يكلف نفسه عناء البحث عن قارئ. غير أن الكتابة، حين تبلغ غايتها الأعمق، تصبح جسرا يعبر عليه الفكر من عقل إلى آخر، وتغدو محاولة لتغيير شيء في الإنسان والعالم.
الكاتب لا يعيش خارج المجتمع، ولا ينظر إلى الحياة من وراء زجاج عازل. إنه يرى اختلالات كثيرة في محيطه، ويلتقط في تفاصيل الحياة اليومية ما يعجز الآخرون عن رؤيته أو يفضلون تجاهله. يلاحظ كيف يتراجع العقل أمام الخرافة، وكيف تنكمش قيمة الإنسان أمام المال والجاه، وكيف تتحول الرداءة مع مرور الوقت إلى أمر مألوف، ثم إلى معيار يحتكم إليه الناس في أحكامهم واختياراتهم. وحين تتراكم هذه المشاهد في داخله، يجد نفسه أمام حاجة ملحة إلى التعبير، فيكتب لأنه لا يستطيع أن يتصالح بسهولة مع كل ما يراه، ولأنه يؤمن أن الكلمة قادرة على زحزحة فكرة مستقرة، أو إيقاظ ضمير غافل، أو فتح نافذة في جدار من الصمت…
الكتابة، في هذا المعنى، مقاومة يومية لما يهدد وعي المجتمع. إنها محاولة لترميم ما أفسدته العادات العمياء، ومساءلة ما استقر في الأذهان حتى صار عصيا على النقد، والدفاع عن الإنسان حين تتحول حياته إلى رقم في حسابات المصالح. وقد لا يملك الكاتب سلطة سياسية أو ثروة مالية أو وسائل تتيح له التأثير المباشر في الناس، لكنه يملك اللغة، ويعرف أن الأفكار التي تتغير في العقول قد تتحول، مع مرور الزمن، إلى أفعال تغير الواقع. لذلك يواصل الكتابة، مدفوعا بأمل قد يبدو صغيرا أمام حجم الخراب، لكنه يمنحه سببا كافيا كي يبدأ من جديد.
وحين لا تجد هذه الكلمات من يصغي إليها، يبدأ الألم في التسلل إلى أعماق الكاتب. إنه يدرك أن المجتمع الذي يحاول فهمه ومساعدته على رؤية نفسه قد لا يمنحه الحد الأدنى من الاهتمام، وأن المسافة بين ما يراه ضروريا وما يرغب الناس في متابعته آخذة في الاتساع. هنا تنشأ الغصة الحقيقية، حين يمتلك الإنسان ما يريد قوله، ويبذل جهده كي يصوغه في لغة واضحة وعميقة، ثم يكتشف أن الوصول إلى العقول أصبح أصعب من إنتاج الأفكار نفسها.
ولا ينبغي أن نخلط بين هذا الحزن وبين اللهاث وراء الشهرة. فثمة فرق شاسع بين من يريد أن يعرفه الناس، ومن يريد أن تعرف الناس ما يكتبه. الشهرة قد تمنح صاحبها حضورا واسعا، لكنها لا تضمن أن تترك أفكاره أثرا في حياة الآخرين. أما الكاتب الذي يحمل مشروعا ثقافيا، فإنه يتطلع إلى أن تتجاوز كلماته حدود الإعجاب ، وأن تتحول إلى أسئلة تلاحق القارئ بعد إغلاق الكتاب، وإلى أفكار ترافقه في عمله وعلاقاته ونظرته إلى المجتمع.
إن الثقافة والمعرفة تحتاجان إلى الانتشار كي تؤديا دورهما في الحياة. فالفكرة التي تظل حبيسة عقل صاحبها لا تستطيع أن تدخل في حوار مع العقول الأخرى، والكتاب الذي لا يصل إلى قارئ يفقد فرصة التأثير التي كُتب من أجلها. لهذا يتألم المثقف حين يرى الناس يتدافعون نحو مشاهد تافهة ، بينما تمر الكتب أمامهم دون أن تثير فضولهم. يتألم وهو يشاهد كيف تحظى التفاهة بمساحات واسعة من الاهتمام، في حين يحتاج الكاتب إلى بذل جهد مضاعف كي يقنع شخصا بفتح كتاب، أو يمنح فكرة جادة بضع دقائق من وقته.
لقد أدرك الفيلسوف جون ديوي، في تصوره للتربية والديمقراطية، أن نمو المجتمع يرتبط بالتواصل وتبادل الخبرات بين أفراده. ومن هذا المنظور، تصبح القراءة والكتابة جزءا من الحياة المشتركة، لأن الأفكار لا تكتمل وظيفتها الإنسانية حين تبقى معزولة عن التجربة الاجتماعية. فالكاتب يطرح ما يراه، والقارئ يناقشه أو يرفضه أو يعيد التفكير فيه، ومن هذا التفاعل تنشأ إمكانات التغيير، حتى حين يكون بطيئا ولا تظهر نتائجه على الفور.
ولعل ما يزيد وجع الكاتب أنه يعيش في زمن تتنازع فيه آلاف الأصوات انتباه الإنسان، بينما تتراجع المساحة التي يمنحها الناس للتأمل والتفكير الطويل. لقد صارت الصورة العابرة قادرة على استقطاب جمهور واسع في دقائق، وصار المحتوى السريع يجد طريقه إلى الملايين بسهولة، في حين يحتاج الكتاب إلى قارئ مستعد لأن يمنحه وقته، وأن يصبر على أفكاره، وأن يدخل معه في حوار قد يزعزع بعض قناعاته القديمة. وفي ظل هذا الواقع، يجد الكاتب نفسه أمام معركة غير متكافئة، يحاول فيها أن يدافع عن قيمة التفكير داخل فضاء يكافئ السرعة ويستنزف الانتباه.
ومع ذلك، لا ينبغي أن يتحول هذا الألم إلى احتقار للناس أو ادعاء بالتفوق عليهم. فالمجتمع الذي ينصرف عن القراءة لا يتحمل أفراده وحدهم مسؤولية ذلك، إذ تتداخل في صناعة هذا الواقع عوامل التربية والتعليم والإعلام والظروف الاقتصادية والثقافية، فضلا عن طبيعة الفضاء الرقمي الذي يجعل الانتباه سلعة تتنافس عليها آلاف الأصوات. وحين تتراجع مكانة الكتاب في الحياة العامة، فإن الخسارة تمتد إلى المجتمع كله، لأنه يفقد إحدى الوسائل التي تساعده على فهم ذاته، ومراجعة أخطائه، وتصور مستقبل أكثر وعيا.
الكاتب، في جوهر دوره الثقافي، أشبه برئة تحاول أن تمنح المجتمع هواء أكثر نقاء. إنه يفتح النوافذ على الأسئلة المؤجلة، ويقاوم اختناق العقل داخل الأفكار الجاهزة، ويحاول أن يوسع مساحة التفكير الحر في بيئة قد تضيق أحيانا بكل صوت يدعو إلى المراجعة. وحين يعجز عن التنفس داخل محيطه، يبدأ الاختناق. يشعر بأنه يعيش بين الناس، لكنه عاجز عن الوصول إليهم، يرى ما يؤلمه، ويمتلك اللغة التي تمكنه من التعبير عنه، ثم يكتشف أن صوته يضيع وسط ضجيج لا ينتهي.
من حق الكاتب، إذن، أن يحزن، ومن حقه أن يبكي حين يشعر بأن الطريق إلى القارئ قد انسد. لا أحد يستطيع أن يطالبه بأن يتحول إلى آلة تكتب بلا إحساس، أو أن يقضي عمره في العطاء دون أن ينتظر أثرا لما يمنحه. فخلف كل كتاب إنسان استهلك من عمره ووقته وطاقته، وربما ضحى بلحظات كان يستطيع أن يقضيها في الراحة أو العمل أو الاقتراب من أحبائه. ومن الطبيعي أن يتمنى أن يجد جهده صدى في نفوس الآخرين، وأن يشعر بأن ما كتبه يستحق أن يغادر حدود غرفته إلى فضاء أوسع.
ومع ذلك، لا ينبغي أن يصبح غياب القراء حكما نهائيا على قيمة الكتابة. فقد تعيش فكرة سنوات طويلة دون أن تجد من يصغي إليها، ثم يأتي زمن تصبح فيه أكثر ضرورة من أي وقت مضى. وقد يكتب الإنسان كتابا لا يلتفت إليه أحد يوم صدوره، ثم يعثر عليه قارئ بعد أعوام، فيجد بين صفحاته ما يغير نظرته إلى الحياة. فالعلاقة بين الكتاب وأثره لا تخضع دائما لحسابات اللحظة، ولا تستطيع الأرقام وحدها أن تكشف ما تتركه الكلمات في العقول والضمائر.
لكننا حين نطلب من الكاتب أن يصبر، علينا أن نسأل أنفسنا أيضا: ماذا فعلنا كي لا يظل صبره معلقا في الفراغ؟ ما الذي قدمناه للكتاب في مدارسنا وجامعاتنا وبيوتنا وفضاءاتنا العامة؟ وأي مكان منحناه للثقافة في سلم اهتماماتنا؟ لا يمكننا أن نطالب الكاتب بمواصلة إشعال مصباحه في غرفة مغلقة، ثم نلومه حين يتعب من الظلام. فالمجتمع الذي يريد من مثقفيه أن يواصلوا التفكير والكتابة، مطالب بتهيئة الشروط التي تجعل للمعرفة مكانا في حياته اليومية.
إن الكاتب لا يحتاج إلى التصفيق الدائم، ولا ينتظر أن تتحول كل جلسة توقيع إلى احتفال جماهيري. قد تكفيه قراءة صادقة، أو رسالة من شخص يخبره فيها أن نصا من نصوصه ساعده على فهم نفسه، أو نقاش جاد حول فكرة أثارت انتباهه. تلك التفاصيل الصغيرة تعيد إليه شيئا من اليقين بأن كلماته لم تذهب سدى، وأن هناك من يلتقطها في مكان ما، ويحملها معه إلى حياته.
وحين يبكي الكاتب، فلنحاول أن نفهم ما الذي تقوله دموعه. ربما يبكي على فكرة لم تجد من يحملها، أو على جهد لم يصل إلى غايته، أو على مجتمع يخسر تدريجيا قدرته على الإصغاء إلى الأفكار العميقة. إنه صراع مؤلم بين إنسان يريد أن يفتح نافذة في الجدار، وواقع لا يمنحه دائما فرصة الاقتراب من الجدار نفسه.
دعوا الكاتب يبكي إن احتاج إلى البكاء. لا تطالبوه بأن يخفي ألمه باسم الإخلاص للكتابة، ولا تختصروا طموحه في رغبة عابرة في الشهرة. فبعض الدموع تحمل وجع صاحبها، وبعضها يحمل خوفه على عالم يرى اختلالاته تتسع أمام عينيه. وحين تنحسر الدموع، قد يعود إلى مكتبه، ويفتح دفتره، ويكتب من جديد، لأنه يعرف أن الكلمات تحتاج إلى من يحملها حتى في أكثر الأزمنة جفاء.
وربما كان السؤال الذي يستحق أن نطرحه على أنفسنا أعمق من سؤالنا عن سبب بكاء الكاتب: ماذا يحدث لمجتمع يفقد اهتمامه بمن يحاولون فهمه وإضاءة عتماته؟ وماذا يبقى من قدرته على تصحيح مساره حين يصمت أولئك الذين يملكون شجاعة تسمية الأشياء بأسمائها؟
هناك مجتمعات تختنق حين تفقد قدرتها على الإصغاء، وهناك كتاب يختنقون حين لا يجدون في محيطهم هواء يكفي لاستمرار أصواتهم. وبين الاختناقين علاقة تستحق منا أن نتوقف عندها طويلا، فالكاتب يحتاج إلى قارئ يمنح كلماته فرصة الحياة، والمجتمع يحتاج إلى كاتب يوقظه حين يطول نومه. وحين تنقطع هذه العلاقة، يخسر الطرفان شيئا من قدرتهما على الحياة بوعي وكرامة.




Aucun commentaire