« مُحَمَّدٌ السَّادِسُ: إِرْثُ وَمَصِيرُ الْمَلَكِيَّةِ الْعَلَوِيَّةِ ».. كِتَابٌ جَدِيدٌ لِلْمُؤَرِّخِ الْفَرَنْسِيِّ « سْتِيفَان بِيرْن » يُوَثِّقُ اِثْنَيْ عَشَرَ قَرْنًا مِنْ عَرَاقَةِ الْعَرْشِ الْمَغْرِبِيِّ وَنَهْضَتِهِ الْحَدِيثَةِ

عبدالقادر كتـــرة

في سياق الاهتمام الدولي المتزايد بالتجربة المغربية المتفردة، أصدر الصحفي والمؤرخ الفرنسي الشهير « ستيفان بيرن »، عبر دار النشر الباريسية العريقة «ألبين ميشيل» (Albin Michel)، مؤلفاً جديداً ووازناً يحمل عنوان: « مُحَمَّدٌ السَّادِسُ: إِرْثُ وَمَصِيرُ الْمَلَكِيَّةِ الْعَلَوِيَّةِ ». لا يكتفي هذا الكتاب بتقديم سيرة ذاتية لعاهل البلاد، بل يغوص في أعماق التاريخ ليروي قصة أكثر من اثني عشر قرناً من استمرارية الدولة المغربية، منذ تأسيس دولة الأدارسة وصولاً إلى العهد الزاهر للدولة العلوية الشريفة، مقدماً للقارئ الأوروبي والدولي مفاتيح فهم التحول الاستراتيجي الذي جعل من المغرب الحديث دولة محورية ووازنة في محيطها الإقليمي والدولي.
شهادة أوروبية من خبير في تاريخ الملكيات
لا تُكتسب أهمية هذا الإصدار من موضوعه فحسب، بل أيضاً من مكانة مؤلفه؛ فستيفان بيرن يُعد أحد أبرز المؤرخين والإعلاميين المتخصصين في تاريخ الأسر الملكية والتراث الإنساني في فرنسا وأوروبا.
وحين يتصدى خبير بهذا الحجم لكتابة تاريخ الملكية المغربية، فإنه يقدم شهادة تاريخية وموضوعية من خارج الحدود، تنصف عراقة الدولة المغربية وتدحض بالحجة التاريخية السرديات السطحية، مبرزةً أن المغرب ليس دولة حديثة النشأة، بل إمبراطورية ضاربة بجذورها في عمق التاريخ منذ القرن الثامن الميلادي.
وقد جاء غلاف الكتاب معبراً بعمق عن مضمونه؛ إذ تتصدره صورة لجلالة الملك محمد السادس بالزي التقليدي المغربي الأصيل (الجلباب الأصفر والطربوش الأحمر)، في إشارة بصرية ذكية تعكس تمسك المؤسسة الملكية بهويتها وتقاليدها التليدة، وهي تقود البلاد في الوقت ذاته نحو أرقى مدارج الحداثة والعصرنة.
ثنائية « الإرث » و »المصير »: سر الاستقرار المغربي
ينطلق ستيفان بيرن في كتابه من معادلة دقيقة لخصها في العنوان الفرعي للكتاب: « إرث ومصير ». فالإرث هنا هو تلك الشرعية التاريخية والدينية والشعبية التي راكمها العرش المغربي عبر تعاقب الدول (من الأدارسة، والمرابطين، والموحدين، والمرينيين، والسعديين، وصولاً إلى العلويين)، وما يمثله عقد « البيعة » ومؤسسة « إمارة المؤمنين » من صمام أمان لوحدة الأمة واستقرارها الروحي والسياسي.
أما « المصير »، فيتجسد في الرؤية المستنيرة لجلالة الملك محمد السادس، الذي استثمر هذا الرصيد التاريخي الهائل ليحوله إلى قاطرة للتنمية الشاملة.
يوضح الكتاب كيف نجح الملك في التوفيق بين الأصالة والمعاصرة، حيث لم تكن التقاليد العريقة يوماً عائقاً أمام التقدم، بل كانت الركيزة الصلبة التي انطلقت منها أجرأ الإصلاحات الدستورية والحقوقية والمجتمعية، من دستور 2011 المتقدم، إلى إصلاح مدونة الأسرة وتمكين المرأة، وصولاً إلى الورش الملكي الكبير لتعميم الحماية الاجتماعية.
حكمة القيادة وارتقاء المغرب إلى مصاف الدول الوازنة
يفرد المسار الذي يرصده الكتاب مساحة واسعة للتأمل في حكمة وبُعد نظر الملك محمد السادس. فبينما تظل العديد من الأنظمة السياسية في العالم رهينة للحسابات الانتخابية الضيقة والقصيرة الأمد، تمتلك الملكية المغربية ميزة « الزمن الاستراتيجي الطويل ».
هذه الميزة، المقرونة بحنكة جلالة الملك، مكنت المغرب من قراءة التحولات الإقليمية والدولية بهدوء وتبصر، وتنفيذ خطط تنموية كبرى امتدت لعقود.
وبفضل هذه القيادة الحكيمة، انتقل المغرب تدريجياً وبثبات ليرتقي إلى مصاف الدول الصاعدة والوازنة التي يحسب لها حساب في المعادلات الدولية:
1- نهضة تنموية وصناعية شاملة: تحولت المملكة إلى ورش مفتوح أثمر بنية تحتية تضاهي كبريات الدول المتقدمة، من ميناء « طنجة المتوسط » الذي بات قطباً عالمياً للتجارة البحرية، إلى القطار فائق السرعة « البراق »، والمجمعات العملاقة للطاقة المتجددة « نور »، فضلاً عن توطين صناعات دقيقة كصناعة السيارات والطيران.
2- ثقل دبلوماسي وسيادي حاسم: أثبتت الدبلوماسية الملكية، القائمة على الوضوح والواقعية والندية، نجاعتها الفائقة في الدفاع عن المصالح العليا للمملكة، وعلى رأسها قضية الصحراء المغربية التي شهدت في السنوات الأخيرة اختراقات تاريخية واعترافات دولية غير مسبوقة بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية.
3- ريادة قارية وإشعاع دولي: بفضل الرؤية الملكية، عاد المغرب بقوة إلى بيته المؤسسي في الاتحاد الإفريقي، وأطلق مبادرات قارية استراتيجية غيرت وجه المنطقة، أبرزها مشروع أنبوب الغاز الإفريقي-الأطلسي، والمبادرة الملكية لتمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي، مما جعل من الرباط عاصمة للقرار الاقتصادي والأمني والروحي في القارة السمراء، وشريكاً لا غنى عنه للقوى العظمى في ملفات الأمن، والطاقة، والهجرة.
خاتمة: مغرب الأمس واليوم والغد
إن كتاب « مُحَمَّدٌ السَّادِسُ: إِرْثُ وَمَصِيرُ الْمَلَكِيَّةِ الْعَلَوِيَّةِ » للمؤرخ ستيفان بيرن ليس مجرد تدوين لوقائع الماضي، بل هو وثيقة تاريخية وسياسية تضع القارئ أمام حقيقة ساطعة: إن قوة المغرب الحديث وحضوره الدولي الوازن لم يأتيا من فراغ، بل هما ثمرة التقاء عبقرية تاريخ يمتد لاثني عشر قرناً، مع حكمة وتبصر ملك وضع شعبه ووطنه في صلب مشروع نهضوي طموح.
إنه كتاب يروي للعالم كيف يصنع المغرب الحديث مصيره بثقة الكبار، مستنداً إلى عرش عريق يوحد بين مجد الأجداد وطموح الأحفاد




Aucun commentaire