بعد إعلان النتائج الوطنية…بقي رقم واحد يطارد كل هذه النتائج: .38.08 في المائة فقط ذهبوا إلى صناديق الاقتراع

الكاتب: سعيد حجي

بعد إعلان النتائج الوطنية، وحصول الأصالة والمعاصرة على 97 مقعدا والتجمع الوطني للأحرار على 66 مقعدا، ثم الاستقلال ب 65مقعدا .. وبعد أن انتهت كل تلك الضوضاء التي ملأت الشوارع والأحياء والسيارات ومكبرات الصوت، بقي رقم واحد يطارد كل هذه النتائج: .38.08 في المائة فقط ذهبوا إلى صناديق الاقتراع.
ثلاثة أو أربعة مواطنين من كل عشرة شاركوا، ثم صار لهذه النسبة أن تحدد شكل البرلمان والحكومة ومصير مرحلة سياسية كاملة. أما الستون واثنان في المائة الذين لم يذهبوا، فقد اكتفوا بمشاهدة المشهد من الخارج، أو ربما لم يعد المشهد يعني لهم شيئا يستحق مغادرة البيت.
وهنا تكمن القصة الحقيقية.
لأن المواطن حين يرى 97 مقعدا هنا و66 هناك قد يتخيل أن تغييرا سياسيا كبيرا حدث، لكن المواطن الذي عاش الانتخابات دورة بعد أخرى يعرف أن الأمر قد يكون أبسط من كل هذه الأرقام. كانت الحكومة السابقة « موسى الحاج »، والآن سنصبح أمام « الحاج موسى ». تغير ترتيب الكلمات، وتغيرت بعض المواقع، وربما تبدلت بعض الحقائب، وقد يدخل حزب في تحالف ويخرج آخر، وقد يجلس هذا الوزير مكان ذاك، وتلك هي لعبة تبديل القطع على رقعة الشطرنج: تتغير مواقع القطع، وتبقى الرقعة نفسها.
وربما نرى من جديد الأصالة والمعاصرة والأحرار في قلب التحالف الحكومي، وربما تعود بعض الوجوه التي رأيناها في الولاية السابقة إلى الكراسي نفسها أو إلى كراس أخرى قريبة منها. عندها سيشعر المواطن الذي تابع كل هذا من بعيد أن شيئا كبيرا حدث في صناديق الاقتراع، ثم يكتشف بعد تشكيل الحكومة أن الصورة التي خرجت من التلفزيون تشبه كثيرا الصورة التي كانت فيه قبل الانتخابات…
وهذا بالضبط ما يجعل نسبة 38 في المائة مؤلمة.
فالناس لم تعد تنظر إلى الانتخابات دائما باعتبارها لحظة قادرة على فتح باب جديد. عند جزء واسع من المجتمع تحولت الانتخابات إلى عملية ميكانيكية: حملة تبدأ، صور تعلق، سيارات تجوب الأحياء، وعود تتوزع، مرشحون يبتسمون أكثر من اللازم، ناخبون يتلقون الكلام نفسه، ثم تفتح الصناديق، تظهر النتائج، تبدأ مفاوضات تشكيل الحكومة، وتنتهي القصة بالعودة إلى الوجوه نفسها.
ومع مرور السنوات، تتآكل الدهشة.
في الأحياء الفقيرة تعرف الانتخابات طريقها جيدا. هناك حيث يحتاج الإنسان إلى فرصة عمل، أو مساعدة، أو قضاء غرض، أو تدخل في ملف، أو حتى إلى شخص يسمع شكواه، يجد أباطرة الانتخابات المسالك التي لا تجدها البرامج الانتخابية. يعرفون البيوت، والعائلات، ومفاتيح التأثير، ومن يستطيع جمع عشرة أصوات ومن يستطيع جلب خمسين. يتحول الحي إلى خريطة صغيرة للأصوات، وتبدأ عملية اقتناصها قبل أن يبدأ الاقتراع بزمن طويل.
ويكفي أحيانا أن تقول لشخص: صوت على فلان، حتى يصوت على فلان. وقد لا يحتاج الأمر إلى قراءة البرنامج أو معرفة مواقف الحزب أو متابعة المرشح. يقول له صاحب النفوذ « صوت »، فيذهب ويصوت، وقد يبصم بالعشرة كما نقول، ثم تنتهي مهمته بالنسبة إلى ماكينة الانتخابات.
وهكذا يصبح الصوت الانتخابي في بعض البيئات مرتبطا بالحاجة أكثر مما هو مرتبط بالاختيار السياسي. شيء صغير هنا، وعد هناك، خدمة في مكان، تدخل في مكان آخر، ثم يأتي يوم الاقتراع. الفتات لا يحل مشكلة الفقر، لكنه يستطيع أحيانا أن يشتري لحظة انتخابية. والوعد لا يصنع مستقبلا، لكنه يستطيع أن يجر ناخبا إلى الصندوق في ذلك اليوم.
غير أن المشكلة أن الناس تتعلم.
قد يقبل الإنسان بالوعد مرة، ثم ينتظر، ثم يكتشف أن الوعد مات مع انتهاء الحملة. وفي الانتخابات التالية يسمع وعدا جديدا، فيبتسم هذه المرة، ثم بعد سنوات يصبح أكثر برودة. وبعد أن كان يسأل: « ماذا سيعطيني هذا المرشح؟ » يبدأ في السؤال: « ماذا سيتغير أصلا؟ »
وهذه الجملة الأخيرة ربما تفسر جزءا من حكاية ال 38 في المائة.
لأن المواطن الذي فقد الثقة في قدرة الانتخابات على تغيير حياته لن يحتاج إلى حملة انتخابية سيئة حتى يعزف عن التصويت. يكفيه أن يتذكر ما حدث في المرات السابقة. يكفي أن يرى الوجوه نفسها، والخطاب نفسه، والوعود نفسها، ثم يتخيل الحكومة المقبلة. فإذا كان الاحتمال الأقرب في ذهنه أن يرى بعض الوجوه التي كانت في الحكومة السابقة تعود إلى الحكومة الجديدة، وأن يرى تحالفات مألوفة تعيد إنتاج نفسها، فما الذي سيدفعه إلى الشعور بأن عليه أن يقطع الطريق إلى مركز التصويت؟
هنا تصبح الانتخابات بالنسبة إليه مثل آلة يعرف نتيجتها قبل أن يديرها.
تدخل الحملة، تخرج النتائج، تتبدل المواقع، تبدأ المفاوضات، ثم تتشكل الحكومة. المواطن يراقب كل ذلك من بعيد، وبعد أيام يعود إلى عمله ومشاكله وفواتيره وطوابيره وحياته التي لم تنتظر الانتخابات أصلا.
وهذا أخطر من خسارة حزب أو فوزه.
لأن الحزب يستطيع أن يخسر مقعدا ويستعيده في الانتخابات التالية، أما الثقة حين تتآكل فتحتاج إلى سنوات حتى تعود. وحين يصبح التصويت في نظر المواطن طقسا موسميا لا ينتظر منه تغييرا حقيقيا، يصبح إقناعه بالخروج في المرة القادمة أصعب بكثير.
اليوم ستحتفل الأحزاب الفائزة بنتائجها. وستبدأ مفاوضات تشكيل الحكومة، وستظهر أسماء التحالفات والحقائب والوزارات. وسنرى من بقي ومن رحل ومن عاد، وربما سنجد أنفسنا أمام المشهد نفسه بترتيب جديد.
موسى الحاج سيصبح الحاج موسى.
والقطع ستتحرك فوق الرقعة، وقد تتبادل أماكنها بعناية، لكن المواطن الذي ظل واقفا خارج اللعبة قد لا يرى في كل ذلك سوى حركة أخرى من الحركات التي سبق أن شاهدها.
وحين يصل الأمر إلى هذه المرحلة، لا تعود نسبة 38 في المائة رقما عاديا في أسفل ورقة النتائج.
إنها جرس إنذار صامت وخطير .
لأن الانتخابات التي تحتاج كل مرة إلى مزيد من الوعود، ومزيد من الوساطات، ومزيد من استنفار خزانات الأصوات، حتى تقنع الناس بالخروج، ستجد نفسها بعد كل ولاية أمام جمهور أكثر برودة وأقل ثقة وأشد اقتناعا بأن شيئا لن يتغير.
وعندها لن يكون السؤال الأصعب: من فاز بـ97 مقعدا ومن حصل على 66؟
السؤال الأصعب سيكون: كم بقي من الناس مستعدا أصلا لتصديق أن الصندوق يستطيع أن يغير شيئا؟….




Aucun commentaire