حين يختار فوزي لقجع ألا يترشح لاستحقاقات 23 شتنبر 2026

سليمة فراجي

كغيري تابعت واتابع ما يجري في الساحة السياسية في افق إفراز صناديق الاقتراع نخبا قادرة على مواجهة تحديات المرحلة (السيادة ، المحيط الاقليمي الهجرة التنمية مواجهة معضلة المغرب بسرعتين التنمية …) نخبا تصوغ تشريعا متميزا بالجودة بدل الارتباك ، ومراقبة الحكومة، وتقييم السياسات العمومية، وقراءة الملفات الكبرى، والدفاع عن المصالح الوطنية في الدبلوماسية البرلمانية علما ان الدستور يرسم القواعد، وصناديق الاقتراع تنتج الموازين، أما نحن فعلينا أن نقرأ الاحتمالات لا أن نصادر المستقبل.
أثار قرار فوزي لقجع عدم الترشح للاستحقاقات التشريعية المقبلة كثيراً من التساؤلات، خاصة بعد التحاقه رسمياً بحزب الأصالة والمعاصرة وعضويته في مكتبه السياسي.
فالتحاق شخصية وازنة بالحياة الحزبية عشية استحقاق انتخابي ثم اختيارها عدم خوض المنافسة مباشرة، ليس حدثاً عادياً، ولا يمكن بالضرورة قراءته بمنطق الربح والخسارة الانتخابيين وحده.
إن السؤال الحقيقي، في تقديري، وحسب رأيي المتواضع واطلاعي على مختلف الملابسات ليس: لماذا لم يترشح فوزي لقجع؟
بل هو: ما الموقع الذي اختار أن يشغله داخل المشهد السياسي المقبل؟
فعدم الترشح لا يعني بالضرورة الابتعاد عن السياسة، وقد يكون، على العكس من ذلك، تعبيراً عن اختيار سياسي مختلف، يقوم على الانتقال من منطق البحث عن مقعد والذي لا يرقى إلى تطلعات من تقلد مناصب اعلى إلى منطق التأثير في الاختيارات الكبرى.
لقد اعتدنا في الحياة السياسية على اعتبار الانتخابات غاية في حد ذاتها، وعلى قياس وزن السياسي بعدد الأصوات التي يحصل عليها أو بالمقعد الذي يفوز به. غير أن السياسة، في معناها الأعمق، لا تختزل دائماً في البرلمان.
فقد يكون الموقع خارج المنافسة الانتخابية المباشرة أكثر تأثيراً في بعض اللحظات من الموقع داخلها لذلك ارى حسب رأيي المتواضع ان الاحتمالات ستكون على الشكل التالي:
اولا-الاحتمال الأول: رئاسة الحكومة
لا يمكن، من الناحية الدستورية، إغفال هذا الاحتمال.
فالفصل 47 من الدستور ينص على أن الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب وعلى أساس نتائجها.
ولا ينص هذا الفصل، في حد ذاته، على ضرورة أن يكون رئيس الحكومة عضواً في البرلمان، كما لا يجعل الأمانة العامة للحزب شرطاً دستورياً للتعيين.
وبالتالي، فإن عدم ترشح فوزي لقجع لا يمنع، من حيث المبدأ، أن يكون اسمه وارداً ضمن السيناريوهات السياسية الممكنة في حال تصدر الحزب الذي ينتمي إليه نتائج الانتخابات.
ولا يتعلق الأمر هنا بتوقع أو معلومة، وإنما بقراءة دستورية لما يسمح به النص، وباستحضار احتمال سياسي لا يمكن إلغاؤه مسبقاً.
فمن الخطأ اختزال الطموح السياسي في الحصول على مقعد برلماني.
-ثانيا -الاحتمال الثاني: إعادة بناء الحزب من الداخل من خلال دور مهندس البرنامج السياسي ومد يد العون للقياديين الحاليين واستقطاب العديد من الأعيان واعادة تلميع صورة حزب مر من اهتزازات وتعثرات ،
و ربما يكون الرهان الأهم هو المساهمة في إعادة رسم خارطة حزب الأصالة والمعاصرة.
فالأحزاب المغربية تواجه اليوم سؤالاً حقيقياً يتعلق بتجديد النخب، وبقدرتها على الانتقال من منطق التدبير الانتخابي الموسمي إلى منطق المشروع السياسي المستمر.
والحزب الذي يريد أن يكون قوة سياسية أولى لا يكفيه أن يحصد المقاعد، بل يحتاج إلى رؤية، وكفاءات، وتنظيم، وحضور ميداني، وقدرة على إنتاج الأفكار.
ومن هذا المنظور، قد يكون الدور الذي يمكن أن يضطلع به فوزي لقجع أوسع من دائرة انتخابية وأكبر من مقعد برلماني.
فالرجل راكم تجربة في تدبير مؤسسات ومشاريع كبرى، وأثبت قدرة على تحقيق نتائج في مجالات متعددة.
ونقل جزء من هذه الثقافة التدبيرية إلى العمل الحزبي قد يشكل، إن تحقق، قيمة مضافة حقيقية.
ثالثا-الاحتمال الثالث: رجل إعداد المرحلة
هناك أيضاً احتمال أن يكون الرهان أبعد من انتخابات 2026.
فالمرحلة المقبلة ستكون حافلة بتحديات وطنية كبرى، وستفرض على الفاعلين السياسيين مستوى مختلفاً من المسؤولية والكفاءة.
والمغرب يحتاج، أكثر من أي وقت مضى، إلى نخب سياسية قادرة على التفكير الاستراتيجي، وعلى تجاوز الحسابات الصغيرة، وعلى إدراك حجم التحولات التي يعيشها البلد.
وقد يكون اختيار فوزي لقجع الانخراط في العمل الحزبي جزءاً من مسار طويل، وليس مجرد قرار انتخابي مرتبط باستحقاق واحد.
– رابعا-الاحتمال الرابع: أفق 2031
لا يمكن استبعاد أن يكون التفكير ممتداً إلى ما بعد انتخابات 2026.
فالعمل السياسي الجاد لا يبنى في بضعة أسابيع من الحملة الانتخابية، وإنما يحتاج إلى تراكم وحضور وتنظيم وبناء الثقة.
وقد تكون السنوات المقبلة فرصة لإعادة هيكلة الحزب، وتجديد نُخَبه، وتعزيز إشعاعه، وبناء مشروع سياسي أكثر وضوحاً.
وفي هذه الحالة، قد تصبح انتخابات 2026 محطة في مسار أطول، لا نهاية المسار.
وقد يكون أفق 2031 حاضراً ضمن الحسابات السياسية الممكنة، سواء بالنسبة إلى لقجع أو بالنسبة إلى الحزب.
لكن مرة أخرى، نحن هنا أمام تحليل للسيناريوهات، لا أمام معرفة بما ستؤول إليه الأمور.
خامسا-الاحتمال الخامس: اختيار دور أكبر من المقعد
هناك فرق بين أن تكون منتخباً وبين أن تكون مؤثراً في صناعة التوجه السياسي.
ولا يعني ذلك التقليل من أهمية المؤسسة البرلمانية، بل على العكس، فالديمقراطية تحتاج إلى برلمان قوي ونواب ذوي كفاءة.
لكن بعض الشخصيات قد تختار أن تمارس تأثيرها من مواقع حزبية أو تدبيرية أو استراتيجية أخرى.
وقد يكون هذا هو جوهر الاختيار الذي اتخذه لقجع.
فالدخول إلى حزب سياسي لا يعني بالضرورة الترشح الفوري، كما أن عدم الترشح لا يعني غياب الطموح السياسي.
أحياناً يكون اختيار الموقع هو القرار السياسي الحقيقي.
وبين التقدير والانتظار حسب تقديري ، أرى أن فوزي لقجع يشكل قيمة مضافة للمغرب.وهو ما يفسر، في اعتقادي، حجم الاهتمام الذي يرافق كل خطوة يتخذها.غير أن السياسة تختلف عن الرياضة والتدبير التقني.فالنجاح في مجال معين لا ينتقل آلياً إلى المجال السياسي.والسياسة تحتاج، إلى جانب الكفاءة في التدبير، إلى القدرة على الإنصات، وإنتاج الأفكار، واستيعاب المجتمع، والتعامل مع الاختلاف، واحترام المؤسسات، وبناء التوافقات.
وهذا هو التحدي الحقيقي.
فالمغرب لا يحتاج فقط إلى شخصيات ناجحة، بل يحتاج إلى أحزاب قوية، ومؤسسات ذات مصداقية، ونخب قادرة على تحمل المسؤولية.
لذلك، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون فقط: هل سيكون فوزي لقجع رئيساً للحكومة؟
بل ينبغي أن يكون السؤال الأعمق:
ما المشروع الذي يمكن أن يقدمه؟
وما الإضافة التي يمكن أن يقدمها للعمل السياسي؟
وهل يستطيع أن يساهم في إعادة الثقة إلى المواطن في الأحزاب والمؤسسات؟
إن قرار عدم الترشح قد يبدو، في ظاهره، انسحاباً خطوة إلى الوراء.
لكنه قد يكون، في السياسة، خطوة إلى موقع آخر.
وبين هذا الاحتمال وذاك، يبقى الثابت الوحيد أن السنوات المقبلة ستكشف إن كان دخول فوزي لقجع إلى العمل الحزبي مجرد محطة عابرة، أم بداية لمسار سياسي أكبر.
وفي السياسة، كما في الرياضة، ليست دائماً النتيجة النهائية هي التي تحدد أهمية اللاعب، بل أيضاً موقعه في الملعب، وقدرته على قراءة المباراة، وصناعة الفرص، والتأثير في مسارها.
والأيام وحدها كفيلة بكشف موقع فوزي لقجع في المباراة السياسية المقبلة
سادسا-رئاسة الحكومة: احتمال دستوري لا نبوءة انتخابية
أشرت إلى هذا المقتضى في الاحتمال الاول واود ان اعمق البحث بشأنه وهو من بين السيناريوهات التي لا يمكن إغفالها اي احتمال أن يكون فوزي لقجع، في مرحلة لاحقة، اسماً وارداً لرئاسة الحكومة.
فالفصل 47 من الدستور واضح في تحديد القاعدة: الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها. ولا يشترط الفصل، في صياغته، أن يكون الشخص المعين برلمانياً أو أميناً عاماً للحزب.
ومن هذه الزاوية، فإن عدم ترشح لقجع لا يغلق، من الناحية الدستورية، باب هذا الاحتمال.
لكن هنا ينبغي التوقف عند مسألة جوهرية: الحديث عن احتمال دستوري شيء، والتنبؤ بنتيجة الانتخابات شيء آخر تماماً.
فنحن لا نعرف اليوم من سيتصدر انتخابات 2026، ولا نعرف ما هي الخريطة السياسية التي ستفرزها صناديق الاقتراع، ولا نعرف، بالتالي، من سيكون الشخص الذي سيقع عليه الاختيار لتشكيل الحكومة.
ولو كان اسم رئيس الحكومة محسوماً سلفاً، فما الحاجة إلى الانتخابات أصلاً كما جاء ذلك على لسان العديد من القياديين
إن الدستور يرسم القواعد، لكن صناديق الاقتراع هي التي تنتج الموازين السياسية. ولذلك فإن الحديث عن فوزي لقجع كرئيس محتمل للحكومة ينبغي أن يبقى في إطار التحليل والاحتمال، لا في إطار التوقع أو الحسم.
وهذا التمييز مهم حتى لا يتحول النقاش حول شخصية سياسية ذات حضور وطني إلى مجرد صناعة سيناريوهات جاهزة قبل أن يقول الناخب كلمته.
والأهم أن عدم الترشح قد يكون له تفسير سياسي آخر تماماً: أن يكون لقجع قد اختار، في هذه المرحلة، دوراً يتجاوز المقعد البرلماني، سواء في إعادة بناء الحزب، أو في صياغة توجهاته، أو في إعداد مشروع سياسي يمتد إلى ما بعد انتخابات 2026.
وهنا تصبح المسألة أكثر إثارة للاهتمام: هل نحن أمام رجل ابان عن علو كعبه وقرر الا يلج قبة البرلمان بصفة نائب برلماني ليس الا، أم أمام رجل اختار أن يعمل على إعادة تشكيل الملعب السياسي نفسه!
ختاما وبعد قراءتي للعديد من الاراء واستماعي إلى العديد من التأويلات فستبدي لنا الايام ما نحن نجهله حول عدم ترشح فوزي لقجع للاستحقاقات التشريعية المقبلة ، قد يكون هذا القرار استراتيجياً، أو مؤسساتياً، أو شخصياً، أو مرتبطاً برغبة في بناء مشروع سياسي طويل النفس.
وقد يكون نتيجة مجموعة من الاعتبارات مجتمعة.
لكن الأهم الآن هو ما سيأتي بعد القرار.
هل سيتمكن الحزب من توضيح مشروعه؟
هل سينجح في تجديد نُخَبه؟وتلميع نجم قد خفت
هل سيعزز حضوره الترابي ويسترجع كفاءات جهوية ضاعت منه ؟
هل سيقدم مقترحات واقعية وقابلة للتنفيذ؟
وهل سيتمكن من وضع تجربته في خدمة دينامية جماعية، بدل اختزالها في مسار فردي؟
هذه هي العناصر التي ستسمح بقياس القيمة الحقيقية لهذا الاختيار.
أما الحديث اليوم عن الخلافة أو رئاسة الحكومة أو سيناريو سياسي محسوم، فيبقى سابقاً لأوانه بل ويخالف مقتضيات الدستور والعملية الديموقراطية




Aucun commentaire