مزايدة مدعي بلوغ الحقيقة من أصحاب الطرق على الملتزمين بالشريعة من عموم المسلمين

مزايدة مدعي بلوغ الحقيقة من أصحاب الطرق على الملتزمين بالشريعة من عموم المسلمين
محمد شركي
ما زالت الطرقية تتكاثر في طول وعرض العالم الإسلامي منذ نشأتها في أزمنة شهدت رقة التدين بسبب كثرة الإقبال على متع الحياة الدنيا بنهم حتى بلغت أعدادا غير قابلة للحصر .
والذي يعنينا من أمر الطرقية في هذا المقال هو مزايدة أصحابها على عموم المسلمين بأنهم يبلغون الحقيقة بما يسمونه الكشف والذوق والتجربة الروحية المباشرة التي لا تدرك بالشريعة التي هي محض ظواهر وقوانين بينما الحقيقة هي عبارة عن بواطن وأسرار تنكشف بعد مجاهدة النفوس وتطهير القلوب وهو ما يقتضي وجود شيوخ يدعون أن لهم إذنا علويا لقيادة مريديهم في رحلتهم نشدان الحقيقة، وذلك عبر أوراد من الأذكار قد تصاحبها شطحات وترنحات وتأوهات وأحيانا إغماءات أو فقدان للوعي أو ما يشبه الصرع .
ويزعم أصحاب الطرق أن الحقيقة التي يدّعونها لأنفسهم دون غيرهم من عموم المسلمين لا تنال ب عقل أو معرفة أو علم أو بحث أو دراسة بل تنال بذوق وإلهام يجعلان قلوبهم مرايا مجلوة تنعكس فيها ما يسمونه بالأنوار الإ لهية .
وهذه المزايدة من أصحاب الطرق الذين ينعتون أنفسهم بأهل الحقيقة على عموم المسلمين الذين ينعتونهم بأهل الشريعة استنقاصا من شأنهم وبكثير من الغرور والاستعلاء . ولقد بلغ الغرور ببضعهم قديما وحديثا أن غالوا في بلوغ أشواط بعيدة في الوصول إلى حقيقة قوامها ما يسمونه الفناء في الذات الإلهية كما ادعى ذلك على سبيل المثال لا الحصر ابن عربي والحلاج ، ولم يخل زمان من الأزمنة ممن ادعوا مثل ما ادعاه هذان مع اختلاف في التعابير التي هي عندهم عبارة عن طلاسم ومجازات موغلة في التعمية والتي لا يفك شفرتها إلا هم . ومعلوم أن الواقع عندهم أفلاطوني أي عبارة عن وهم أو ظِلال لواقع مثالي هو ما يسمونه عالم الحقيقة .
ولقد ورث المسلمون تركة الجدل والخلاف بين الفيلسوفين أبي حامد الغزالي وابن رشد حيث استنقص الأول من شأن الحواس والعقل، وجعلهما عاجزين عن إدراك ما سماه الحقائق الإلهية أو الميتافيزقا المطلقة ، بينما حاول الثاني التوفيق بين العقل والدين وهو صاحب مقولة : » الحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له » .وعن جدل هذين الفيلسوفين المسلمين نشأ الجدل بين من يسمون أنفسهم أصحاب الحقيقة وهم قلة بالمقارنة مع عموم المسلمين الذين يصفونهم بأصحاب الشريعة الذين لا يمكنهم بلوغ شأوهم في إدراك الحقيقة الخاصة بهم دون سواهم.
ومعلوم أن الله تعالى إنما أنزل الكتاب وهو القرآن الكريم كآخر رسالة إلى البشر بين يدي الساعة، ويسر لهم تلقيه عنه وبيّن لهم فيه الحقيقة التي مفادها أنه إلههم وربهم بشهادة ودليل أنه خلقهم ولم يخلقوا أنفسهم أو يخلقوا غيرهم من المخلوقات بما في ذلك السماوات والأرض وما بينهما ، كماخلق ما غيبه عنهم من عوالم أخفاها ولقد تبرأ سبحانه من الشركاء في الخلق وتحداهم بقوله تعالى : (( قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أن لهم شرك في السماوات ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين )) ، كما تبرأ من التشيؤ الملازم للمخلوقات بقوله تعالى: (( ليس كمثله شيء )) ، وتبرأ من التحيز بقوله تعالى : (( لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير )) ، وتبرأ من الحدوث بسرمديته وأبديته وذلك بقوله تعالى : (( هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم )) ، وتبرأ من كل ما يناقض ألوهيته وربوبيته وخالقيته بقوله تعالى : (( يا أيها الناس اذكروا نعمت الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى يوفكون )) .
إن كل من يستوعب هذه الأمور التي أوردها الله تعالى في محكم تنزيله وغيرها كثير من فاتحة الكتاب إلى خاتمته لا محالة مدرك للحقيقة ، ولا يمكن أن يجادل في إدراكها إلا منكر أو جاحد أو مكابر أو مغرور.
ومعلوم أن كتاب الله عز وجل يتضمن عقيدة وشريعة بينهما صلة وثيقة إذ كل معتقد ملزم بشرع يبرهن به على صحة وصدق اعتقاده . ولما كان مدار العقيدة ما كشف عنه الله تعالى من غيبه المضمن في أركان الإيمان الستة ، فإن الشريعة قدت على مقاس العقيدة التي تتحق بما هو إجرائي وعملي في الشريعة . وبناء على هذا لا مبرر لتقسيم المؤمنين بالله تعالى إلى أهل حقيقة وأهل شريعة بل هم أهل حقيقة بعقيدتهم وفي نفس الوقت أهل شريعة بأعمالهم وأفعالهم التي تساوق اعتقادهم عبادات ومعاملات ، ولا وجود لعبادات أو معاملات خارج إطار الاعتقاد، لأن الناس في التزامهم بالشريعة إنما يبرهنون على صحة وصدق اعتقاده ، لهذا نجد في القرآن الكريم آيات تدل على حصر الإيمان وهو اعتقاد في سلوكات ،نسوق منها على سبيل الذكر لا الحصر قوله تعالى : (( إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم )) ، ففي هذه الآيات من سورة الأنفال لم يقصر الله تعالى الإيمان على الذاكرين الوجلة قلوبهم ، والزائد إيمانهم إذا تليت عليهم آياته ،والمتوكلين عليه بل اشترط قيامهم بالصلاة وإتيانهم الزكاة أيضا، وهو ما يدل على تناسق وتكامل العقيدة مع الشريعة دون فصل بينهما ، ودون تمييز بين من يعتقدون ولا يلتزمون بما شرع لهم . وليس من الصدفة أن يكون جزاؤهم درجات عنده على قد صدق اعتقادهم وصدق وحسن أعمالهم ، ويكون من جزائهم المغفرة إذ لا يخلو أحد بطبيعته البشرية الخطاءة من اقتراف الذنوب التي تغفر له، وتكون مغفرتها جزءا من الجزاء. ونجد مثل ذلك في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم كقوله على سبيل المثال لا الحصر : » والله لا يؤمن ، والله لا يؤمن ، والله لايؤمن ، قيل من يارسول الله قال : الذي لا يأمن جاره بوائقه » ، ففي هذا ربط بين الإيمان كعقيدة والسلوك كشريعة .
ومن استصغار بعض أصحاب الطرق من شأن بعض العبادات كالصلاة على سبيل المثال لا الحصر تقديم وتفضيل ما يكونون عليه مما يسمونه وجدا وجذبا ، وفناء … إلى غير ذلك من العبارات المجازية . ومما يروى عن بعضهم تعطيلهم الصلاة بعد بلوغهم ما يسمونه الحقيقة ،والعهدة على ما روى هذا الخبر . ومعلوم أن الله تعالى جعل الخشوع رهن كل المصلين ، وهم فيه درجات حسب أحوالهم ، ولم يجعل الخشوع متعذرا على المؤمنين ، وقد ألقى في قلوبهم جميعا محبته ، وإن اختلفوا في التعبير عنها بألسنتهم العاجزة عن وصفها إلا أن أصحاب الطرق يزعمون أنهم أفصح ألسنة في التعبير عنها برموزهم وطلاسمهم ومجازاتهم التي يحار في فك ألغازها فطاحلة وجهابذة البلاغة مع أنهم في الحقيقة ينزاحون بألفاظ دالة على محسوسات وملموسات ومشمومات عن دلالتها ، ويجعلونها دالة على ما يسمونه وجدا وجذبا وذوقا من المشاعر ، ولهذا اختلقوا لأنفسهم خمرا وسكرا وعشقا غير ما يعرفه غيرهم…. وهلم جرا . إن عموم المؤمنين لا ينالون من أهل الطرق إلا ما ينكرونه عليهم من ابتداع أمور لا سند لها في الشاهدين العدلين كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، ولهذا يطالبون أهل الطرق بأدلة منهما دون تأويلاتهم الباطنية التي ينفردون بها عن عموم الأمة وهم يتمحلونها أيما تمحل . ومما ينتقدونهم فيه أيضا كثرة تزكيته لأنفسهم وتقديسهم شيوخهم وتقبيل أيدهم وأرجلهم ودرّ الأموال عليهم والتي تجعلهم يعيشون في بحبوة و رفاهية وبذخ وهم يدعون الفقر ويتسمون أو ينعتون أنفسهم به وهذه مفارقة غريبة عجيبة .
وأخيرا نسأل الله تعالى الهداية لهم كما نسأله العافية للأمة المسلمة مما هم فيه من أحوال مبتدعة لا حجة معهم عليها في كتاب أو سنة إن هم إلا يظنون ظنا ويتمحلون تمحلا ويوغلون في باطن التأويلات التي لا تستقيم عقلا ولا منطقا ولا فطرة فطرالله تعالى الخلق عليها.




Aucun commentaire