لماذا يُعد محور: تركيا-السعودية-باكستان أكثر من مجرد اتفاقية على الورق؟

ترجمة عن:
Strategika51
08/08/2026

مراجعة: رمضان مصباح
إن توقيع اتفاقية دفاعية بين المملكة العربية السعودية وباكستان وتركيا ليس مجرد نقطة تحول رئيسية في الاستراتيجية الجيوسياسية للمنطقة الوسطى من العالم، والتي تتوافق مع المنطقة التي تغطيها القيادة المركزية للقوات المسلحة الأمريكية، بل يمكن أن يغير بشكل عميق بنية أمنية معقدة للغاية حيث يمكن أن تتحول التحالفات إلى اختلالات وتؤدي إلى تكوينات صراعية جديدة.
إن الاتفاقية الدفاعية الناشئة بين السعودية وباكستان وتركيا (المحتملة) ليست مجرد منتدى متعدد الأطراف آخر للنقاش فحسب، بل تبدو على الورق ذات قوة هائلة.
من الناحية العملية، هذه خطوة جيوسياسية موجهة مباشرة إلى طهران والمتمردين الحوثيين في اليمن، مع تجاهل القضية الأهم: طموحات إسرائيل طويلة الأمد.
النمر الورقي:
لنبدأ بتوضيح سبب إثارة هذا التحالف لهذا القدر من الجدل. يعكس الاتفاق التأسيسي بين السعودية وباكستان روح المادة الخامسة من حلف الناتو:
أي هجوم على أحدهما هو هجوم على الجميع. وإذا انضمت تركيا رسمياً، فسنواجه مثلثاً من القوى العسكرية المتكاملة.
المملكة العربية السعودية : « المحفظة المفتوحة ». دولارات نفطية غير محدودة لشراء الأسلحة وتمويل المشاريع الدفاعية دون قيود.
باكستان : « السيف ». تمتلك أسلحة نووية وصواريخ باليستية وجيشًا نظاميًا ضخمًا.
تركيا : « العقل المدبر » والقوة. تفتخر بجيش متمرس في القتال، وقواته البرية هي العمود الفقري لحلف الناتو في أوروبا، وصناعة دفاعية محلية سريعة النمو، وخبرة عملياتية تمتد من سوريا إلى ليبيا ومن سواحل طرابلس إلى ناغورنو كاراباخ وصولًا إلى أفغانستان.
هذه ليست لفتة رمزية. إنها تمثل تحولاً ملموساً في النظام العالمي، مدفوعاً جزئياً بفقدان الثقة في الضمانات الأمنية التي تقدمها واشنطن، والحادثة الأخيرة للمواجهة مع إيران التي شهدت استهداف جميع القواعد العسكرية الأمريكية في دول الخليج والشرق الأوسط.
الهدف الحقيقي: ليس الصين ولا روسيا
بينما يحوّل العديد من المحللين انتباههم شرقاً، فإن لهذا التحالف هدفاً محدداً قصير المدى: البحر الأحمر والخليج العربي.
الدافع الرئيسي ليس تهديدًا بعيدًا ناشئًا، بل القوة النارية المباشرة للمتمردين الحوثيين في اليمن. بالنسبة للرياض، يُمثل المتمردون الحوثيون في اليمن تهديدًا وجوديًا لأمنها. أما بالنسبة لباكستان وتركيا، فإن تأمين الممرات البحرية الحيوية في البحر الأحمر مسألة بقاء اقتصادي واستراتيجية.
إيران هي محور هذا التفاعل. بالنسبة للسعودية، يُمثل هذا الاتفاق تحديًا مباشرًا لمحاولات إيران تطويق المملكة عبر جماعات مسلحة وكيلة. ومن المثير للاهتمام أن نلاحظ أن باكستان (حليفة الرياض منذ زمن طويل) تنجرف بشكل متزايد في الانقسامات الطائفية، بينما تستغل تركيا الوضع لاستعادة مكانة بارزة في العالم العربي بعد سنوات من منافسة خفية مع المملكة، وهي منافسة تعود جذورها إلى الثورة العربية الكبرى ضد الإمبراطورية العثمانية عام 1917 وعهد لورنس العرب.
ظل إسرائيل:
وهذا يقودنا إلى حقيقة مزعجة. يأمل الكثيرون في الغرب أن يكبح هذا التكتل جماح إيران. لكن إسرائيل تتصور مستقبلاً تكون فيه هي، وليس إيران وحدها، الهدف الرئيسي.
يتزايد الإجماع في إسرائيل على أن تركيا، العضو الرئيسي في حلف الناتو والحليف المفضل لواشنطن، تتحول إلى « إيران الجديدة ». لكن هذا التشبيه ليس تبسيطياً وخطيراً فحسب، بل يُظهر أيضاً أن إسرائيل بلا حلفاء، إذ قد يتحول حليف اليوم إلى عدو غداً. هذا المنظور يعكس العقلية السائدة في إسرائيل.
كانت إيران تعمل من خلال وكلاء وترسانات صاروخية. أما تركيا، من جانبها، فتطبق نموذجاً يتمحور حول الدولة.
تعتمد عقيدة الأمن الإسرائيلية أساساً على إبقاء جيرانها ضعفاء ومشتتين. ولهذا السبب، استهدفت الضربات الإسرائيلية بشكل منهجي جميع القدرات العسكرية السورية منذ سقوط الأسد، بهدف منع ترسيخ حكومة مركزية قوية. في المقابل، تعمل تركيا بنشاط على إعادة بناء الدولة السورية، وتدريب جيشها، ودمج اقتصادها.
لا يتعلق الأمر هنا بالقواعد العسكرية، بل بالسيادة. فسوريا موحدة بدعم تركي ستنهي فعلياً قدرة إسرائيل على العمل بحرية في المجال الجوي السوري.
لا بد من تتصادم الاستراتيجيتين:
إن أجندة المتطرفين الإسرائيليين واضحة تماماً في هذه القضية. فهم يصورون تركيا، وهي دولة تربطها بإسرائيل علاقات تجارية، على أنها دولة معادية.
هنا يجب أن نخوض النقاش الذي يتجنبه الكثيرون. فقد حذر الرئيس التركي أردوغان من أن « إدمان إسرائيل للحرب » وعملياتها العسكرية في سوريا ولبنان يُهدد بشكل مباشر الأمن القومي التركي. ولا يقتصر خطاب القوميين الإسرائيليين المتطرفين على احتواء إيران؛ بل توجد، في بعض الأوساط – التي لا تُعدّ هامشية – رغبة أيديولوجية طويلة الأمد في دفع الحدود الإسرائيلية شمالاً، لأن الخرافات التي يقوم عليها التفكير « السحري » للمتطرفين الإسرائيليين تُملي أن الخطر لا يأتي إلا من الشمال.
بالنسبة لتركيا، تُعدّ المنطقة العازلة السورية ضرورية. أما بالنسبة لإسرائيل التوسعية، فتُمثّل سوريا الضعيفة ساحةً للحرب. ومع استعادة الدولة السورية لقدراتها تحت الوصاية التركية، فإننا نتجه نحو مواجهة مباشرة بين نظامين أمنيين: مجال نفوذ إسرائيلي في الجنوب، ونظام تقوده تركيا في الشمال. وهذا يُشكّل بؤرة اشتعال محتملة لحرب مستقبلية، ليس بسبب النفط، بل بسبب بنية الأمن الإقليمي.
الحكم:
هل هذا التحالف « على غرار حلف الناتو » قوي؟ بكل تأكيد. إذا انضمت تركيا، فسيكون لدى التكتل الموارد المالية والبشرية والصناعية اللازمة لإعادة تشكيل منطقة الشرق الأوسط بأكملها وما وراءها.
لكن هذا لن يكون التحالف الذي يأمله الغرب. سيكون بلا شك درعًا في وجه إيران، ولكنه أيضًا سيفٌ لصدّ التوسع الإسرائيلي. ورغم أن هذا التكتل قد يردع إيران، إلا أنه يُنذر بتسريع الصراع مع إسرائيل، لأن تركيا وحلفاءها يرفضون قبول المناطق العازلة المجزأة والهشة التي اعتمد عليها الأمن الإسرائيلي لعقود.
هذا تحالفٌ وُلد من رحم الفوضى، ومُقدّرٌ له أن يُشكّك في النظام القائم. قد لا تكون الحرب القادمة بين إسرائيل وإيران، بل بين إسرائيل وتركيا، وتندلع على أنقاض سوريا. سيكون هذا سيناريو مثيرًا للاهتمام، لأن كلا النظامين يُمثّلان ركيزتي السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط.
« ما هو مستحيل يصبح ممكناً مع مرور الوقت. »




Aucun commentaire