لولا قوة المؤسسة الملكية..

رمضان مصباح

لو أجري احصاء رسمي للأحزاب المغربية ،من حيث عدد المنتسبين ،وان شئت المناضلين ،فسيكون اعلان النتائج بمثابة صب ماء بارد – في عز الشتاء – على جسد الوطن.
طبعا هذا لايعني أن أجهزة الدولة،المختصة،لاتعرف الحقيقتين: الرقمية والسياسية.
ولايعني أن المواطنين – حتى بسطائهم – لا يعرفون ،أو لايخمنون مثقال كل حزب.
بل حتى الخارج المتابع لايعدم وسيلة –وما أكثر ما بين يديه اليوم – لعجم عيدان الأحزاب ،ومعرفة حقيقة ثقلها داخل المجتمع ،وداخل مفاعلاته السياسية.
سألت ،في الموضوع،هذا الذكاء الاصطناعي ؛الذي تسرب حتى الى أسرة نومنا ،فكان جوابه:
« لا توجد في المغرب قاعدة بيانات رسمية أو معلنة تحدد عدد المنخرطين أو المنتمين لكل حزب سياسي بشكل دقيق.
تتحفظ معظم الأحزاب المغربية البالغ عددها أزيد من 30 حزباً ناشطاً عن نشر لوائح أو أعداد منخرطيها الرسميين، وتكتفي بالإعلان عن أعداد المؤتمرين خلال مؤتمراتها الوطنية أو عدد مرشحيها ومصوتيها في الانتخابات«
وبعد أن يستعرض بعض المؤشرات التي قد تفيد الباحث في تكميم العمل الحزبي المغربي؛خصوصا التقارير السنوية للمجلس الأعلى للحسابات ،وهي تدقق مالية الأحزاب ،وتقف على مبالغ الانخراطات المصرح بها ؛ يوجز بالأتي :
تُعدّ صناديق الاقتراع المعيار الحقيقي لقياس حجم التعاطف والامتداد الشعبي لكل حزب، عوضاً ،عن لوائح الانخراط الورقية؛ وتتوزع موازين القوى السياسية بناءً على نتائج المقاعد المحصل عليها في مجلس النواب.
وعليه فنحن داخل مغارة علي بابا ؛لا نعرف ما بداخلها ،تفصيلا، عدا كونه من الممنوعات .
فرغم كون العمل الحزبي المغربي ولد حتى قبل الاستقلال،و يؤطره الدستور والقانون ،وله جِراياتُه من المال العام ،لايحق للمواطنين معرفة كم منهم في هذا الحزب أو ذاك.
بل لايحق حتى لمنخرطي الحزب الواحد معرفة العدد الاجمالي الوطني لزملائهم في الحزب.
من أين هذا التعتيم؟
طبعا في وجدود دستور مؤطر ،وقانون منظم ،ومال عام يصرف ؛لم يبق للأحزاب أي عذر للتكتم عن أعداد منخرطيها الرسميين.
بل هي ملزمة بذلك ،اداريا وأخلاقيا ونضاليا ؛فكيف أفكر في الانتماء لحزب وأنا لا أعرف عدد رُفقتي فيه .
الأمر اشبه بجزيرة للقراصنة يلفها الضباب ؛فمن يجرؤ على الاقتراب منها؟
لماذا ترفض الأحزاب كشف لوائح منخرطيها ؟ أي ضرر سيلحق بها ان صرحت :
يبلغ عددنا كذا ..،ونحن نطمح الى كذا.. ؟
لماذا تتعامل الأحزاب مع منخرطيها ،كحمل غير شرعي ،يجب ستره؟
يكمن التفسير في ما يمكن نعته ب : » الخجل السياسي » ؛الذي يتواصل على مدار الولايات التشريعية ؛ولايرتفع – جزئيا فقط – الا مع نفير الانتخابات.
الخجل من عورة التمثيلية الشعبية المحدودة ،التي تنسف المكانة السياسية ،والهالة التي يحيط الحزب نفسه بها.
تبدأ الحملة ،وينخرط الحزب في أتونها ،بما تيسر من المناضلين ،والمؤلفة قلوبهم ؛ فيظهر في الشارع بوقع كبير ،وجلبة خيول المعارك ؛وما هو في الواقع كذلك،كما تقول لوائحه المخفية في المغارة.
يؤكد هذا الواقع الحزبي المفارق أن المواطنين الموجودين خارج الأحزاب ،أكثر بكثير من روادها المداومين.
النفير الصاخب يأتي من الشارع المنفلت من التأطير الحزبي.
وفي الحقيقة –محتكمين الى هذا الواقع – فالانتخابات انتخابات شارع وليس انتخابات أحزاب ،كما تبدو في الظاهر.
لو كان أغلب الشارع مؤطرا سياسيا ،من طرف الأحزاب ،لما احتاج الى حملات صاخبة ،ولا الى المال العام الذي ينفق عليها .
يكتفي كل حزب بمناضليه ،ومن والاهم ؛هم عماده ،لوائح ونتائج.
وحتى التزكية سيكون لها معنى ،لأنها ستكون نتيجة عملية انتقاء من بين المناضلين الرسميين ،وليس أعيان المجتمع ،وذوي النفوذ كما يحصل اليوم.
وسيتم القطع مع الترحال السياسي ،لأن معيار التزكية ،سيكون ،أساسا ، الأقدمية في النضال داخل الحزب.
ونعرف جميعا أن صرح اليسار في المغرب ،انهد من هذا الجانب؛حينما همشت أحزابه مناضليها ،وألفت قلوب الأعيان والنافذين.
لولا قوة المؤسسة الملكية:
هي انتخابات شارع ،وأعيان ونافذين ،ليست انتخابات أحزاب ؛يؤطرها الدستور والقانون.
والنتيجة برلمان أعيان ،وحكومة نافذين .
ولم يبق للكفاءات ،وما أكثرها ، إلا أن تشرب الماء البارد ؛فلا هي بدعم شعبي ،ولاباسناد حزبي.
سبق للدكتور محمد عابد الجابري ،لما رأى ما آلت اليه أوضاع الانتخابات ،أن نصح بالنموذج السعودي ،في تشكيل مجلس الشورى ،بالتعيين المباشر من طرف الملك.
يختار الأكفاء ،ويكُف الشغبَ الانتخابي المزيف والمكلف.
أكيد – استحضارا لما ذكرت – لو جرى الأمر عندنا ،وفق هذه النصيحة لتشكل لدينا أقوى برلمان ،وأكفأ حكومة.
ولربحنا أمنا سياسيا ،وانتخابيا، فالِقا كضوء الفجر.
وسنوفر الوقت للعمل الجاد ،والمال العام يصرف في أوجهه البناءة.
ما نقوم به اليوم ليس انتخابات ،بمعنى الكلمة بل مجرد تداريب.
لكن زمن التداريب يجب أن يكون محدود ،وليس دائما.
سبعون عاما ،وما كسبنا غير أحزاب صورية ؛تفاصيلها في مخرجاتها.
لولا قوة المؤسسة الملكية ،لاحتَطبَنا الأعيان والنافذون ،وصيَّرونا أعجاز نخل خاوية.
هذا واقعنا ،ومن في عمري لا يزيف ولا يجامل.




Aucun commentaire