حين ينتصر القميص… و يخسر المكتب

بقلم : الأستاذ عثمان عوي

كلما نزل لاعبو المنتخب المغربي إلى أرضية الملعب ، يتجدد سؤال أكبر من كرة القدم نفسها : من أين يأتي كل هذا الإصرار ؟
من أين يأتي ذلك اللاعب الذي يواصل الركض و هو يحس أن عضلته تكاد تتمزق ؟ و الذي ينهض بعد كل سقوط و كأن الألم لم يمر من جسده ؟ و الذي يكمل المباراة و قميصه ممزق ، و رأسه ينزف ، و قدماه تحملان آثار معركة حقيقية ؟
ليس لأن المباراة مجرد تسعين دقيقة ، و ليس لأن المكافأة المالية أكبر …
بل لأن القميص الذي يرتديه لم يعد قطعة قماش ، بل أصبح وطناً كاملاً .
عندما يرتدي اللاعب الأحمر الذي تتوسطه النجمة الخضراء ، لا يعود يمثل نفسه ، و لا فريقه ، و لا مدينته ، بل يحمل على كتفيه تاريخ أمة ، و آمال شعب ، و دعوات أمهات ، و دموع أطفال ، و انتظار ملايين المغاربة الذين يرون في كل انتصار صورةً جميلة لوطن يستحق أن يكون كبيراً .
لكن ، ماذا لو خرج هذا القميص من الملعب ؟
ماذا لو ارتداه المسؤول و هو يدخل مكتبه ؟
ماذا لو لبسه المهندس و هو يخطط للطريق ؟
و الأستاذ و هو يدخل القسم ؟
و الطبيب و هو يستقبل المرضى ؟
و القاضي و هو ينطق بالحكم ؟
و البرلماني و هو يرفع يده للتصويت ؟
و رئيس الجماعة و هو يوقع على مشروع تنموي ؟
ماذا لو شعر كل واحد منا بأنه يحمل الوطن على كتفيه كما يحمله اللاعب داخل المستطيل الأخضر ؟ هل كنا سنسمع كل هذا الضجيج حول الفساد و الصفقات المشبوهة و التبذير و سوء التدبير ؟
إن اللاعب لا يبحث عن التعادل مع نفسه ، بل يدخل المباراة ليقاتل من أجل الانتصار .
أما في كثير من مؤسساتنا ، فيبدو أن بعض المسؤولين دخلوا المباراة و هم راضون بالهزيمة ، أو أسوأ من ذلك ، يبحثون عن انتصارهم الشخصي و لو خسر الوطن .
في الملعب ، يسيل العرق و الدم من أجل رفع راية المغرب ، و في أماكن أخرى ، تسيل الأموال العامة دون أن يتحرك ضمير ، و تُهدر الفرص ، و تُبدد الإمكانات ، و كأن الوطن حساب خاص يمكن السحب منه بلا رقيب .
أي دماء تجري في عروق لاعب يقاتل حتى آخر ثانية من أجل أن يبقى العلم المغربي مرفوعاً ؟
و أي دماء تجري في عروق من يبدد المال العام ، أو يعطل مشروعاً ، أو يؤخر تنمية ، أو يبيع ضميره في صفقة عابرة و يتفنن بعد ذلك في تلميع صورته رغم بشاعتها و بدون استحياء ؟
أي مدرسة صنعت لنا رجالاً يبكون بعد الهزيمة لأنهم شعروا أنهم خذلوا الوطن ؟
و أي مدرسة أخرى صنعت من لا يخجل و هو يرى الوطن يخسر كل يوم ، بل يعرف أنه السبب في ذلك ثم يغادر مكتبه مطمئن البال ؟
في المدرجات ، يقف ملايين المغاربة على قلب رجل واحد ، لا يسألون اللاعب عن حزبه و لا عن قبيلته و لا عن لغته و لا عن أصوله و لا عن مدينته .
يكفي أنه يرتدي قميص المغرب .
فلماذا يتوحد الوطن داخل الملعب ، و يتفرق خارجه ؟
لماذا يصبح الانتماء في الرياضة فعلاً يومياً ، بينما يتحول في بعض مواقع المسؤولية إلى مجرد خطاب رسمي ؟
المنتخب الوطني لم يصنع المعجزات لأنه يملك أفضل لاعبي العالم فقط ، بل لأنه امتلك ثقافة جديدة ؛ ثقافة القتال الشريف ، و الانضباطة، و العمل الجماعي ، و الإيمان بأن لا أحد ينتصر وحده ، إنها تمغرابيت يا سادة ….
و هل تحتاج التنمية إلى أكثر من ذلك :
أليست الإدارة فريقاً ؟
أليست المدرسة فريقاً ؟
أليست الجماعة الترابية فريقاً ؟
و أليست الحكومة فريقاً ؟
كل انتصار كروي يذكرنا بحقيقة مؤلمة :
إن المغرب لا تنقصه الكفاءات …
و لا تنقصه الطاقات …
و لا تنقصه الإرادة عندما يكون الهدف واضحاً .
ما ينقصنا أحياناً هو أن نرتدي الوطن كما يرتديه اللاعب .
أن ندخل مكاتبنا بالعقلية نفسها التي يدخل بها اللاعب أرضية الملعب .
أن نعتبر كل توقيع تمريرة .
و كل مشروع هجمة .
و كل نجاح هدفاً .
و كل تقصير هدفاً في مرمانا .
يوم يصبح المسؤول يخجل من إضاعة فرصة تنموية كما يخجل المهاجم من إضاعة هدف محقق ، و يوم يتألم الموظف من تأخر خدمة المواطن كما يتألم اللاعب من الخسارة …
و يوم يصبح شرف خدمة الوطن أغلى من كل الامتيازات …
عندها فقط ، لن يكون المنتخب الوطني هو الاستثناء .
بل سيصبح صورةً صادقة لمغربٍ بأكمله .
حينها ، لن يهاب العالم أقدام لاعبينا وحدها …
بل سيهاب العالم دولةً كاملةً تعلمت من أبنائها أن الانتصارات لا تُصنع بالشعارات ، و إنما تُصنع بالعرق ، و الانضباط ، و التضحية ، و الإخلاص لقميص واحد …
و هل من الصعب أن نكون أسودا في كل شيء ….؟
منقول



Aucun commentaire