اسكوبار.. من حمل البعير الى حمل السفينة

رمضان مصباح

أذهلتني الأحكام الصادرة عن محكمة الاستئناف بالدار البيضاء ،في ملف ما يعرف اعلاميا « اسكوبار » الصحراء؛ وما هو كذلك ،في الواقع، وقد فسرت هذا في مقال سابق لي بعنوان: « قرينة البراءة لمن؟ لبعيوي أم لجهة الشرق؟
كيف يحمل الملف اسم الأجنبي الوحيد فيه –ولو كان هو المدعي – ويتم السكوت عن الأسماء المغربية المشهورة به؟
الأدق أن يشتهر بمسمى : »ملف بعيوي الناصري » ؛كما أكد ذلك نص الحكم الذي اسهب في ذكر كل المدعى عليهم ،ولم يفرد « الحاج أحمد بن ابراهيم، الا بكلمات معدودة ،في آخر فقرة.
قرينة البراءة هذه ،أسقطتها المحكمة المعنية أخيرا ،وعوضتها بعشرات السنين من السجن ،ومليارات الدراهم؛ بالنسبة لكل المتابعين.
لا يسعني اليوم ،وقد صدرت هذه الأحكام الا أن أحيي قضاءنا ؛الذي أخذ ما يكفي من الوقت – تحقيقا ،تحريا ،تدقيقا ،توثيقا وترافعا – لبلورة أحكام ،بوزن مالي غير مسبوق في المغرب.
ما أذهلني في هذا الملف هو كمية الم خ د ر ا ت التي حركته : أزيد من 300 طن.
هذا الرقم ،بدوره ،غير مسبوق مغربيا ؛هكذا في ملف قضائي واحد.
قلت بيني وبين نفسي –وأنا أقرأ الحكم القضائي في ملف أتابعه – كيف وصل الأمر الى كل هذه الأطنان ؟
ألم يكن الطن الأول كافيا لتتحرك أجهزة الدولة؟ ولا الثاني ،ولا الثالث ،ولا العشرة الأولى؟
ان الوضع يشبه بناء عمارة من ثلاثمائة طابق ؛وحينما تكتمل يبدو للإدارة أنها غير سليمة من الناحية القانونية ،فتعمد الى هدمها.
ألم يكن افتتاح ورش البناء كافيا ليتم الانتباه الى قانونيتة ؟
كل هذه الأطنان الثلاثمئة ، التي عبرت – مجزأة طبعا – البر والبحر والسماء ، لم تتعثر ولو في سد قضائي واحد ،يسأل : ماذا؟ من أين ؟ الى أين؟ لمن؟
هذا أخطر حتى من الارهاب الأسود ،الذي ما أن ينوي.. حتى يجد الدولة عالمة بنيته وواقفة على بابه.
أقول هذا غير غافل عن الانجازات الأمنية الكبرى ،في مجال اعتراض الأطنان الأخرى الراحلة صوب الصدور.
لا يمكن أن يكتمل – تهريبا – هذا الرقم الخطير ، دون أن تتحقق امتيازات المرور والعبور .
« نامت نواطير مصر عن ثعالبها **فأكلن حتى بشمن الثعالب »
هذا الرقم يمثل ،بدون شك ،المحجوز ؛لأن الحكم القضائي لا يتأسس على الظن .
أما ما عبر الى وجهاته – سالما غير منقوص – فالله وحده يعلم ،والمدانون.
الدرس القضائي:
سيسجل التاريخ القضائي المغربي هذه الأحكام – غير المسبوقة ماليا – بكل تفاصيلها وحيثياتها .
وسيسجل أن بعض الأسماء المدانة ،تيسر لها ،قبلا، الارتقاء – ثقة – في المرافق التدبيرية والادارية والتشريعية ،وصولا الى الصدارة.
كما ارتقى بعضها في الأعمال المقاولاتية ،محققة ثروات ضخمة.
وسيسجل أن الملف كله يرتد الى ادعاء تاجر مخدرات مالي ؛كشف عن شبكة وطنية منظمة في مجالها.
وسيسجل أن امتحان الأمانة أسقط مسؤولين من الكبار.
وسيسجل ،وهذ مهم جدا ، أن الرحمة التي طبعت الأحكام ،في ما يتعلق بسنوات السجن ؛قابلتها الصرامة في الأحكام المالية .
وهذا فتح جديد بالنسبة للقضاء المغربي ؛يتضمن رسائل رادعة الى كل من يوهم نفسه – من المفسدين – بأن الثروة الحرام أهم من سنين سجن معدودة؛ هي باقية والسجن ينتهي.
وسيكرس هذا الحكم الثقة في القضاء المغربي ؛الذي يصدر احكامه باسم صاحب الجلالة.
ومرة اخرى اقول ان العدل ليس اساس الملك فقط ،كما شاع ؛بل هو أساسه وشريك فيه.
ختاما اقول:
ان أحكام القضاء النزيه ،رحمت أم قست ،تبقى في صالح المدان ،لما تتضمنه من ردع يوقف تطور الجرم الى ما هو أكبر.
لو أدين الشركاء في الطن الأول ،ماكنا نصل الى كل حمولة السفينة هذه.



Aucun commentaire