Home»Débats»إدغار موران… قرن كامل وهو يحاول أن يعلّمنا كيف نفهم العالم

إدغار موران… قرن كامل وهو يحاول أن يعلّمنا كيف نفهم العالم

0
Shares
PinterestGoogle+

في وداع موران نسيبنا
إدغار موران… قرن كامل وهو يحاول أن يعلّمنا كيف نفهم العالم
توفيق بوعشرين
رحل إدغار موران عن 104 سنوات، بعدما عاش قرناً كاملاً كأنه يمشي فوق جرح الإنسانية المفتوح: من النازية إلى الشيوعية، من المقاومة إلى النقد الذاتي، من الفلسفة إلى السوسيولوجيا، من العلم إلى الشعر، ومن أوروبا الجريحة إلى الجنوب الباحث عن عدالة وكرامة ومعنى.
لم يكن موران فيلسوفاً حبس نفسه في مخبره او مكتبه ، ولا عالماً يختبئ خلف مصطلحات باردة والمعقدة . كان رجلاً يريد أن يفهم الإنسان والحياة والمادة والروح في تعقيداتها ،
لا أن يختزل كل شيء في شعار أو حزب أو هوية أو رقم في تقرير او انتماء لوطن .
اسمه الأصلي إدغار ناحوم، يهودي فرنسي من أصول متوسطية، لكن الحرب صنعته من جديد. عندما احتلت النازية فرنسا، لم يهرب إلى الخارج ولم يختبئ ، بل التحق بالمقاومة الفرنسية وحمل اسماً جديداً: موران. ومنذ ذلك الوقت، صار اسمه مرادفاً لفكرة واحدة: لا كرامة للفكر إذا لم يقاوم الهمجية والاستبداد .
بدأ ماركسياً، ثم غادر السجن الإيديولوجي اليساري عندما اكتشف أن الحقيقة أكبر من الحزب، وأن الإنسان أعقد من النظرية، وأن العالم لا يُفهم بعين واحدة. لهذا كان يكره الدوغمائية، ويمدح الشك، ويدعو إلى النقد والنقد الذاتي، لا بوصفه ضعفاً، بل بوصفه شجاعة العقل حين يراجع نفسه.
أهم ما تركه موران هو فكرة “الفكر المركب”: أن الحياة لا تُفهم بتخصص واحد، ولا بسياسة واحدة، ولا بمنهج واحد.
الإنسان ليس اقتصاداً فقط، ولا بيولوجيا فقط، ولا ثقافة فقط، ولا تاريخاً فقط. الإنسان كل هذا، ومعه الحلم والخوف والذاكرة والحب والجنون والشعر والادب والاسطورة والروح .
كان يقول للجميع بطريقة أخرى: احذروا من التبسيط والاختزال والمركزية وسجن التخصص. فالذين يبسطون العالم كثيراً، غالباً ما ينتهون إلى تدميره بسهولة.
ولهذا يهمنا موران نحن المغاربة أيضاً. يهمنا لأننا نعيش في بلد لا يمكن فهمه بالبلاغات الرسمية وحدها ولا السردية الوطنية ، ولا بالأرقام وحدها، ولا بخطابات الوزراء وحدها.
المغرب يحتاج إلى فكر مركب: يرى التاريخ والحاضر المدينة والبادية، المدرسة والبطالة، الدين والسياسة، المخزن والمجتمع، الفقر والكرامة، الحلم والهشاشة….
موران أحب المغرب، وزاره أكثر من مرة، وارتبط وجدانياً بهذه الأرض عبر زوجته المغربية صباح، الباحثة السوسيولوجية القادمة من مراكش. كان يرى في الجنوب أكثر من هامش، وفي الثقافات الأخرى أكثر من فولكلور. كان يعرف أن المركزية الغربية كثيراً ما تمنع أوروبا من رؤية بقية العالم إلا كظلّ تابع لها.
وكانت له شجاعة نادرة في الدفاع عن الفلسطينيين وانتقاد سياسات إسرائيل، وهو اليهودي الولادة. لذلك حورب واتُّهم، لكنه لم يتراجع. لأن العدالة عنده لم تكن بطاقة هوية، بل امتحاناً أخلاقياً نجح فيه الى اخر رمق .
في زمننا هذا، حيث ينتصر العنف على التفكير، واليقين الأعمى على السؤال، والكراهية على الفهم،الشعبوية على العقل والاحتلال على تقرير المصير والحرب على السلم ..
يبدو رحيل موران خسارة مضاعفة.
فقد كان واحداً من آخر الكبار الذين عاشوا القرن العشرين بكل مآسيه، ودخلوا القرن الواحد والعشرين حاملين وصية بسيطة وصعبة:
لا تفصلوا المعرفة عن الأخلاق في العلم والمعرفة .
لا تفصلوا الحرية عن الحياة فوق الارض .
لا تفصلوا الإنسان عن مصيره المشترك فوق هذا الكوكب .
اهم كتبه باجماع المتخصين في مسار هذا العالم هو المنهج la methode الذي صدر في ست مجلدات من 1977 الى سنة 2004
ثلاثين سنة وهو ينقش هذه التحفة العلمية ليساهم في اقتراح منهج ترى فيه العلوم نفسها
وتبتعد عن الاختزال /والتخصص الصارم/ وثنائية هم ونحن / والكليشهات الجاهزة / والمركزية الغربية العمياء …
كل هذا من اجل ماذا ياموران …
من اجل طريق بديل للانسانية …
رحل موران، لكن سؤاله بقي حياً:
كيف نفهم عالماً صار أكثر تعقيداً وتركيبا وتداخلا ، بعقول ما زالت تبحث عن أجوبة سهلة مختزلة تبسيطية واحيانا متحيزة لنموذج واحد مهيمن ؟
ذلك هو الدرس الكبير الذي يتركه لنا رجل عاش 104 سنوات، ولم يتعب من التفكير والكتابة والقراءة والسفر ورفع الصوت …
====
منقول

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *