نصحوني وقالوا : لا تكتبي عن المولودية…

ذة.سليمة فراجي

اكتب وحزني اثر الهزائم المتتالية اعظم من ان اجسر على التفكير فيه !
وكأن الإنسان يستطيع أن يصمت عن جزء من ذاكرته.
وكأن المدن لا تترك داخلنا فرقًا وألوانًا وحكايات يصعب التبرؤ منها.
حاولت أن أكون محايدة صامتة صمت ابي الهول ، لكن الحياد يصبح مؤلمًا حين يتعلق الأمر بما نحب وبما يسكن القلب والجوانح !
اكتب لان هناك أشياء لا نختلف معها كما نختلف مع الأشخاص.
هناك أشياء تسكننا بصمت، وحين تتألم، نشعر أننا نتألم معها.
والمولودية، بالنسبة إلي، لم تكن يومًا مجرد فريق كروي بل جزء من كل والكل هو مدينة وجدة وفريقها الذهبي المحبوب عبر ربوع الوطن
ما استنتجته :
“من ينسف الجسور بعده، فإما أنه لا ينوي الرجوع، أو أنه إذا عاد يعود متنكّرًا. »
لا أتذكر قائل هذه الحكمة، لكنني فهمت معناها أكثر بعدما اقتربت من عالم التسيير والعمل الجمعوي والرياضي.
دخلت بعض التجارب بحسن نية، وبفكرة بسيطة جدًا: أن خدمة المدينة لا تحتاج دائمًا إلى منصب، بل إلى صدق وانتماء
ثمة أشخاص يعبرون الأمكنة كما لو أنهم لن يعودوا إليها أبدًا.
يتركون خلفهم أبوابًا موصدة، وجسورًا مهدمة، وكلمات يصعب ترميمها.
ربما لأنهم لا يؤمنون بالعودة، أو لأنهم إذا عادوا، عادوا بوجوه أخرى لا تشبه البدايات.
تعلمت هذا متأخرة بعدما اقتربت من تفاصيل العمل السياسي الجمعوي والرياضي، واكتشفت أن أصعب ما في التسيير ليس قلة الإمكانيات، بل قلة الإصغاء حين يقع تعظيم الأنا، وحين تصبح المصلحة الخاصة أعلى صوتًا من مصلحة الجماعة.
دخلت بعض التجارب بقلب المشجعة لا بعقل الباحثة عن النفوذ.
لم تكن لي وليس لي حسابات انتخابية، ولا أحلام منصب، ولا رغبة في الظهور.
كنت فقط أبحث عن معنى جميل للانتماء.
لهذا آمنت بملاعب القرب، لا باعتبارها إسمنتًا وعشبًا، بل باعتبارها فرصة لأطفال المدينة كي يحلموا قليلًا.
ولهذا ظل حلم متحف مدينة وجدة يسكنني، لأن المدن التي لا تحفظ ذاكرتها، تضيع بسهولة في الزحام.
ولهذا أيضًا كنت أرى في المولودية أكثر من نادٍ رياضي؛ كنت أراها جزءًا من الروح القديمة لهذه المدينة ورمزها الخالد
لكن الحقيقة المؤلمة أن بعض الأخطاء لا تُهزم داخل الملعب فقط، بل تبدأ خارجه.
حين يغيب الاستقرار، وتضيع الحكمة وسط القرارات المتسرعة، يصبح التعب أكبر من مجرد خسارة مباراة.
كنت قريبة من المشهد، وربما قريبة أكثر مما ينبغي.
ورغم ذلك، أدركت أن النية الطيبة وحدها لا تكفي دائمًا لتغيير المسارات.
ومع هذا، لا أكتب غضبًا من أحد.
فالمدن لا تُبنى بالخصومات، والفرق العريقة لا تنهض بالكراهية.
أكتب فقط لأنني ما زلت أحب هذه المدينة، وأؤمن أن الذين يمرون من هنا، عليهم أن يتركوا الجسور صالحة للعودة.
وربما ما يؤلمني اكثر ان مدينة وجدة تلك البقرة الحلوب بتاريخها ووجوهها وحكاياتها ومقاوميها البررة تفتقد إلى عدالة مجالية ولا يُوثَّق لها بما يكفي كما يحدث في مدن أخرى.
ذاكرتنا الرياضية تُنسى بسرعة، وأسماء كثيرة مرّت بصمت، وأجيال كاملة صنعت الفرح ثم اختفت دون أرشيف، دون صور، دون اعتراف دون متحف يليق بما قدمته.
ولهذا، لم يكن حديثي عن المولودية مجرد حديث عن نتائج أو تسيير، بل عن جزء من ذاكرة مدينة نخشى أن تضيع تفاصيلها مع الوقت.
فالمدن لا تعيش فقط بالإسمنت والطرقات، بل بما تحفظه من قصصها، ورجالها، وأحلام أبنائها ولو خارج ارض الوطن
ورغم كل شيء سيبقى الأمل قائمًا ما دام هناك من يحب هذه المدينة بصدق، ويؤمن أن الجسور يجب أن تبقى دائمًا صالحة للعودة



Aucun commentaire