Home»Débats»تعبير عن رأي : الفنان الراحل الاستاذ عبد الوهاب الدكالي رائد تأسيس الهوية الموسيقية المغربية الحديثة

تعبير عن رأي : الفنان الراحل الاستاذ عبد الوهاب الدكالي رائد تأسيس الهوية الموسيقية المغربية الحديثة

0
Shares
PinterestGoogle+

ذة.سليمة فراجي


رحيل الفنان المغربي الكبير عبد الوهاب الدكالي جعلني أدرك إلى اي حد يتعين علينا استحضار الذاكرة الفنية والثقافية التي امتدت لعقود، إذ لا يمكن الحديث عن تطور الأغنية المغربية الحديثة دون الوقوف عند التجربة الإبداعية التي قادها هذا الفنان، سواء من حيث التلحين أو الأداء أو اختيار النصوص الغنائية.
وحسب رأيي المتواضع فان المرحوم جسد مرحلة مفصلية في تاريخ الموسيقى المغربية، حيث أسهم في انتقال الأغنية الوطنية من دائرة التأثر شبه الكامل بالنموذج المشرقي إلى بناء شخصية فنية مغربية مستقلة ذات خصوصية لحنية وجمالية واضحة.

ففي مرحلة تاريخية كان فيها المستمع المغربي والعربي مأخوذًا بسحر الأغنية المشرقية وهيمنتها الفنية والإعلامية، ( المرحومة امي مثلا كانت شغوفة بأغاني المرحوم الهرم محمد عبد الوهاب ) استطاع عبد الوهاب الدكالي أن يفرض نموذجًا مغايرًا، يقوم على استلهام الإيقاعات والروح المغربية والمغاربية، مع المحافظة في الوقت نفسه على البعد العربي الكلاسيكي من حيث البناء الموسيقي وجودة الكلمة. ولم يكن هذا التحول تعبيرًا عن قطيعة مع فن المشرق أو تنكرًا لقيمته الفنية، بل كان محاولة واعية وناجحة لتأكيد الذات الثقافية المغربية داخل الفضاء العربي المشترك.
لقد تميزت تجربة الدكالي بقدرته على الجمع بين عدة عناصر نادرًا ما تجتمع في فنان واحد؛ فهو ملحن يمتلك حسًا موسيقيًا متفردًا، ومطرب ذو أداء رصين وعاطفي، إضافة إلى اختيارات شعرية راقية منحت أعماله بعدًا إنسانيًا وتأمليًا. ومن خلال أعمال خالدة مثل “هاذي يدي”، و“الدار اللي هناك”، و“لا تتركيني”، و“مرسول الحب”، و“مشى غزالي وما رجع”، و“كان يا ما كان”، استطاع أن يؤسس لمدرسة فنية مغربية متكاملة، تحمل ملامح البيئة المغربية في لغتها وإيقاعاتها وإحساسها الجمالي.
وتبرز أهمية الدكالي أيضًا في قدرته على إيصال الأغنية المغربية إلى جمهور عربي أوسع، وهو ما تجلى في أداء فنانين عرب كبار لبعض أعماله، مثل أغنية “ما أنا إلا بشر” التي أدتها الفنانة صباح، الأمر الذي يعكس القيمة الفنية الرفيعة لألحانه وقدرتها على تجاوز الحدود المحلية نحو فضاء عربي أرحب.
إن القيمة الحقيقية لتجربة عبد الوهاب الدكالي لا تكمن فقط في عدد الأغاني التي قدمها أو في جماهيريته الواسعة، بل في الأثر الثقافي والحضاري الذي تركه في الوجدان المغربي والعربي. فقد ساهم في ترسيخ فكرة أن الأغنية المغربية قادرة على المنافسة والإبداع والتميز، دون أن تفقد خصوصيتها أو تنصهر بالكامل في النماذج السائدة آنذاك.

لقد ارتبط اسم عبد الوهاب الدكالي بحقبة كاملة من تاريخ المغرب الحديث، (كم تغنيت وانا طفلة برائعة حبيب الجماهير ، الحسن الثاني رحمه الله ) فكانت أعماله رفيقة لتحولات اجتماعية وثقافية عاشها المجتمع المغربي، وتحولت أغانيه إلى جزء من الذاكرة الجماعية للأجيال. ومن هنا، فإن الحديث عنه ليس مجرد استذكار لفنان راحل، بل هو استحضار لمسار إبداعي أسهم في بناء الهوية الفنية المغربية الحديثة ومنحها حضورًا واعترافًا داخل المشهد الموسيقي العربي.
وبذلك يبقى عبد الوهاب الدكالي واحدًا من أبرز رموز الفن المغربي الأصيل، وفنانًا استطاع أن يترك بصمة دائمة وقيمة مضافة للثقافة المغربية، وهي بصمة ستظل حاضرة ومترسخة في الذاكرة الفنية العربية
سليمة فرجي

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *