Home»Débats»بتاوريرت السوق المحروق … ذاكرة لا تحترق وروح تتجدد او السوق المحروق حين احترق المكان وبقيت الذاكرة حية

بتاوريرت السوق المحروق … ذاكرة لا تحترق وروح تتجدد او السوق المحروق حين احترق المكان وبقيت الذاكرة حية

0
Shares
PinterestGoogle+

محمد حتحوت


الحمد لله الذي جعل للذكريات عبقًا لا يزول، وجعل للأماكن روحًا تسكن القلوب وإن تغيّرت ملامحها. فالذكريات ليست مجرد أحداث مضت، بل هي صفحات من العمر تحفظ تفاصيل الزمن الجميل بكل ما فيه من بساطة وعفوية وتكافل.
ومن بين تلك الصفحات المضيئة في ذاكرة مدينة تاوريرت، يبرز السوق الأسبوعي الجماعي—قبل أن تطاله ألسنة اللهب—كأحد أهم معالمها الاجتماعية والاقتصادية، وفضاءً نابضًا بالحياة، تختلط فيه الأصوات والروائح والحكايات، وتُنسج فيه قصص الكفاح والرزق والألفة.
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أعزائي القراء، أستدعيكم لمرافقتي في هذه الحلقة من “الزمن الجميل”، حيث نستحضر معًا ملامح مرحلة طبعتها البساطة، والتكافل، وحسن الجوار، والقناعة في كل شيء.
كان السوق الأسبوعي يحتل مساحة شاسعة بين حي النهضة وحي لابيطا، تحدّه من جهة شارع القنيطرة، ومن الجهة الأخرى طريق دبدو والقنطرة المؤدية إلى السكة الحديدية. وكان قبلة للتجار من مختلف أنحاء المملكة، يعرضون فيه بضائعهم أو يقصدونه لاقتناء حاجياتهم.
وقد كان السوق فضاءً متعدد الأوجه؛ جزء كبير منه مخصص لتجارة الأغنام، والباقي يحتضن الخضر والمواد الغذائية والألبسة المستعملة “الخردة”، إلى جانب مقاهٍ شعبية بسيطة في شكل خيام، تُعقد فيها اللقاءات وتُلتقط فيها أنفاس التعب

.
في ذلك الفضاء، كانت رائحة التوابل تمتزج بدخان الشواء، وتتردد نداءات الباعة في تناغم عفوي، حتى صارت موسيقى مألوفة تحفظها الذاكرة قبل الأذن. كما لا يمكن أن ننسى بعض الوجوه التي صنعت روح المكان، مثل “مي زار”، تلك المرأة القوية التي كانت تدير محلها بمحاذاة المدخل الرئيسي، وتؤمّن للزوار الطعام والمبيت بكرم وعزيمة.
وكانت “الحلقة” بدورها فضاءً مميزًا، حيث يجتمع الناس حول الحلايقية، يستمتعون بعروض الشيخ أحمد لوكيلي، والشيخ أحمد ليو، وعبد الله المكانة، وفرق عيساوة، إلى جانب بعض الملاكمين الشعبيين، والسحرة، وغيرهم من صُنّاع الفرجة الشعبية.
ولم يكن السوق مجرد فضاء تجاري، بل كان مدرسة للحياة؛ فضاءً للتضامن، لا يُترك فيه محتاج دون مساعدة، ولا غريب دون ترحيب. كما شكّل متنفسًا للأطفال، حيث كنا نستغل بعض فضاءاته للعب كرة القدم، أو الاحتماء من حرارة الشمس، وممارسة ألعاب بسيطة مثل “الضاما”.
أما يوم الاثنين، فكان له طعم خاص، حيث كنا—نحن الصغار—نبحث عن بعض الدراهم الضائعة بين بقايا السوق، خاصة في أماكن الخضر، وكثيرًا ما كنا نظفر ببضع سنتيمات تملؤنا فرحًا. كما كنا ننشغل بنصب الفخاخ لطيور “الصفير”، خاصة في موسم الدلاح والبطيخ

.
وكانت نهاية الأسبوع تعرف حركية كبيرة، بتوافد الزوار والتجار، حتى أصبح السوق مع مرور الزمن يشكل ضغطًا على الساكنة، بسبب الازدحام واختناق حركة السير، خاصة عند القنطرة المؤدية إلى الأحياء المجاورة.
ورغم هذه الحيوية، كان السوق يفتقر إلى شروط التنظيم الأساسية؛ فلا مرافق صحية، ولا بنية تحتية ملائمة، بل خيام وبنايات قصديرية، وانتشار للأزبال ومخلفات المجزرة، مما كان يزيد من معاناة السكان.
ومع ذلك، فقد كان مصدر رزق حقيقي لكثير من الأسر، بل حتى لنا نحن الصغار، حيث كنا نساعد التجار في نقل السلع حراسة الأغنام مقابل دريهمات بسيطة تسد بعض حاجياتنا. كما ارتبطت به أسماء عديدة من أبناء المدينة، من حراس ومشرفين وتجار، تركوا بصمتهم في ذاكرة المكان

.
لكن القدر شاء أن يهتز هذا الفضاء على وقع فاجعة كبرى، يوم الثلاثاء 25 غشت 2009، حين اندلع حريق مهول أتى على الأخضر واليابس، وقضى في لحظات على مصدر رزق مئات التجار. وقد ساهمت المواد القابلة للاشتعال في انتشار النيران بسرعة، في مشهد صادم لا يُنسى.
كان يومًا مشحونًا بالحزن، اختلطت فيه الدموع بالحسرة، وضاعت فيه سنوات من الكفاح في لحظة واحدة.
ورغم قسوة الفاجعة، لم تنطفئ إرادة الحياة في تاوريرت، بل نهضت من الرماد بروح جديدة. فقد شُيّدت في جزء من موقع السوق قاعة مغطاة للرياضات الجماعية، أصبحت فضاءً يحتضن طاقات الشباب، بينما تحوّل الجزء الآخر إلى ساحة مفتوحة تنبض بالحياة، تُنظم فيها المعارض والمهرجانات، وتستمر فيها مظاهر الفرجة الشعبية

.
وهكذا، تظل الأماكن—وإن تغيّرت—محتفظة بروحها، بصدى خطوات من مرّوا بها، وبضحكاتهم التي لا يسمعها إلا من عاشها.
سيظل السوق الأسبوعي الجماعي بتاوريرت حيًا في الذاكرة، ليس فقط كفضاء للبيع والشراء، بل كجزء من طفولتنا، ومن عرق الآباء، ومن نبض المدينة. فالأيام تمضي، لكن أثرها لا يزول، لتبقى الذكريات وطنًا لا يحترق.
بقلم: محمد حتحوت Mohammed Hathout

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *