Home»Débats»استعمال التقنيات الحديثة في البحث والتحري عن الجرائم في ضوء مستجدات القانون رقم 03.23 بين متطلبات الفعالية وضمان الحقوق والحريات

استعمال التقنيات الحديثة في البحث والتحري عن الجرائم في ضوء مستجدات القانون رقم 03.23 بين متطلبات الفعالية وضمان الحقوق والحريات

0
Shares
PinterestGoogle+

« استعمال التقنيات الحديثة في البحث والتحري عن الجرائم
في ضوء مستجدات القانون رقم 03.23
بين متطلبات الفعالية وضمان الحقوق والحريات »

من إعداد الاستاذة سليمة فرجي


مقدمة:
يعد قانون المسطرة الجنائية من أهم القوانين الإجرائية التي تشكل دعامة أساسية لتحقيق العدالة الجنائية، باعتباره الإطار القانوني المنظم لمختلف مراحل الدعوى العمومية، من البحث التمهيدي إلى غاية تنفيذ الأحكام. كما يكتسي هذا القانون أهمية خاصة لارتباطه الوثيق بحماية الحقوق والحريات الأساسية للأفراد، وضمان التوازن بين متطلبات النظام العام وضرورة صون كرامة الإنسان وحقوقه.
علما انه غالبا ما يوصف بكونه “قانون الأبرياء” لأن الأصل في الإنسان هو البراءة، وقانون المسطرة الجنائية او الإجراءات الجنائية كما اصطلح عليه في بعض الدول وُضع أساساً لحماية هذه البراءة من أي تعسف محتمل من طرف السلطة، اذ انه يحدد شروط التوقيف والاعتقال، وضوابط التفتيش والحجز وقواعد الاستنطاق والتحقيق، وضمانات المحاكمة العادلة كما يكرّس مبادئ أساسية كقرينة البراءة وحق الدفاع وشرعية الأدلة ورقابة القضاء على أعمال الضابطة القضائية.
وبالتالي، فان هذا القانون لا ينطلق من افتراض الإدانة، بل من حماية الفرد قبل أن تثبت إدانته، ولهذا وُصف بأنه قانون الأبرياء. في الوقت الذي يوصف فيه القانون الجنائي “قانون الجناة” لكونه ينص على الأفعال المجرّمة والعقوبات المقررة لها من سجن او حبس او غرامة ويخاطب الأشخاص الذين ارتكبوا أفعالاً لتحديد مسؤوليتهم الجنائية والجزاء المترتب عنها لذلك يُنظر إليه كقانون موجّه إلى من ثبتت أو يُفترض فيهم صفة الجاني، ومن هنا جاءت تسميته،
لذلك فان وصف قانون الإجراءات الجنائية بأنه قانون الأبرياء يجد أساسه في كونه يشكّل منظومة من الضمانات القانونية الرامية إلى حماية الحرية الفردية وقرينة البراءة، في حين يُوصف القانون الجنائي بأنه قانون الجناة لكونه يحدد الأفعال الإجرامية والعقوبات المقررة لها، وبالتالي يخاطب أساساً الأشخاص الذين تثبت مسؤوليتهم الجنائية لأن الأصل في الإنسان هو البراءة، وقانون الإجراءات الجنائية وُضع أساساً لحماية هذه البراءة من أي تعسف محتمل من طرف السلطة.
وقد أضحى تطوير هذا القانون أمراً حتمياً في ظل التحولات المتسارعة التي يعرفها المجتمع، سواء على المستوى الحقوقي أو التكنولوجي، حيث أفرزت هذه التحولات أنماطاً إجرامية مستحدثة، تتسم بالتعقيد والتطور، مما يفرض على المشرع اعتماد آليات قانونية حديثة وفعالة لمواجهتها

.
اولا: ديباجة تاريخيّة قانونية
إن قانون المسطرة الجنائية الحالي لم يكن نتاج تدخل تشريعي معزول، بل جاء ثمرة مسار إصلاحي تراكمي، انطلق مع بداية الألفية الثالثة، في إطار جهود وطنية هادفة إلى تحديث منظومة العدالة وتعزيز ضمانات المحاكمة العادلة.
فقد شكلت مناظرة مكناس حول العدالة سنة 2004 منطلقاً أساسياً لفتح ورش إصلاح العدالة الجنائية، تلتها توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة سنة 2005، التي دعت إلى ضرورة ملاءمة التشريع الجنائي مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان. كما ساهم دستور سنة 2011 في تكريس مبادئ دولة الحق والقانون، وتعزيز استقلال السلطة القضائية، وهو ما انعكس على توصيات الحوار الوطني حول إصلاح منظومة العدالة سنة 2013، والتي أولت أهمية خاصة لتحديث العدالة الجنائية.
وبناءً على ذلك، تمت بلورة ميثاق إصلاح منظومة العدالة، الذي شكل الإطار المرجعي لإعداد مشروع قانون المسطرة الجنائية، وفق مقاربة تشاركية واسعة، شارك فيها مختلف الفاعلين في الحقل القضائي والأمني والأكاديمي. وقد أفضت هذه الجهود إلى إعداد مسودة أولية سنة 2015، خضعت لعدة مراجعات وتعديلات، سواء على مستوى الصياغة أو المضمون، إلى أن استقرت في صيغتها الحالية بعد المصادقة عليها من طرف السلطة التشريعية ودخولها حيز التنفيذ
غير أن خصوصية هذا القانون، بالنظر لارتباطه المباشر بالحقوق والحريات الأساسية، تثير إشكالات قانونية ودستورية، كانت تقتضي عرض بعض مقتضياته على الرقابة الدستورية، لما تنطوي عليه من مساس محتمل بالضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة وكذا التعديلات التي اثارت الكثير من الجدل كما هو الحال بالنسبة للمادة الثالثة والسابعة وغيرهما، ومع الأسف لم يعرض قانون المسطرة الجنائية على المحكمة الدستورية كم هو الشأن بالنسبة لقانون المسطرة المدنية.
ثانيا: موجبات ادماج التقنيات الحديثة في البحث والتحري عن الجرائم:
لا نجادل في كون التطورات والمستجدات التي افرزها التطور التكنولوجي فرضت تحولات عميقة في بنية المجتمعات وأضحى الفضاء الرقمي مجالًا خصبًا لارتكاب أفعال إجرامية جديدة، تتسم بالتعقيد والسرعة وصعوبة الإثبات.
وأمام محدودية الوسائل التقليدية للبحث والتحري، اتجهت التشريعات الجنائية الحديثة إلى اعتماد التقنيات الحديثة كوسائل مساعدة على كشف الحقيقة الجنائية من خلال المساعدة على كشف الجرائم المعقدة والمنظمة والتمكين من تتبع الجناة في الفضاء الرقمي والمساهمة في جمع الادلة الدقيقة التي يصعب الطعن فيها.
‎وفي هذا السياق، جاء القانون رقم 03.23 بتغيير وتتميم القانون رقم 22.01 المتعلق بالمسطرة الجنائية بالمغرب، في محاولة لتحديث آليات البحث الجنائي، مع السعي إلى تحقيق توازن دقيق بين متطلبات الفعالية الزجرية وضمانات حماية الحقوق والحريات الأساسية.

واعتمادا على هذه الدينامية الإصلاحية، برز توجه تشريعي نحو إدماج التقنيات الحديثة في مجال البحث والتحري عن الجرائم، كآلية لمواكبة التطور التكنولوجي ومواجهة الأشكال الجديدة للجريمة، لا سيما الجرائم المعلوماتية والمنظمة.
غير أن اعتماد هذه التقنيات يطرح إشكالية جوهرية تتمثل في مدى قدرة المشرع على تحقيق التوازن بين فعالية البحث الجنائي من جهة، وضمان احترام الحقوق والحريات الفردية من جهة أخرى.
لذلك إلى أي حد تفوق المشرع في تأطير استعمال التقنيات الحديثة في البحث والتحري عن الجرائم، بما يحقق الفعالية الإجرائية دون المساس بضمانات المحاكمة العادلة
المحور الأول: مظاهر توفّق المشرع في تأطير استعمال التقنيات الحديثة لتحقيق الفعالية الإجرائية
لقد سعى المشرع، من خلال إدراج مقتضيات المواد 108 إلى 116-6 ضمن قانون المسطرة الجنائية، إلى إرساء إطار قانوني يسمح بالاستعانة بالتقنيات الحديثة في مجال البحث والتحري، وذلك لمواكبة التحولات التي عرفها الإجرام المعاصر، خاصة في صورته المنظمة والعابرة للحدود.
وفي هذا السياق، أقر المشرع مجموعة من الوسائل التقنية المتطورة، من قبيل اعتراض المراسلات والاتصالات المنجزة بوسائل الاتصال عن بعد، والتقاط المكالمات الهاتفية، والتسجيلات السمعية البصرية، فضلاً عن عمليات التتبع والرصد الإلكتروني. وتمثل هذه الوسائل نقلة نوعية في مجال الإثبات الجنائي، إذ تتيح إمكانية الوصول إلى أدلة دقيقة يصعب تحصيلها بالوسائل التقليدية، مما يعزز من فعالية البحث الجنائي ويساهم في كشف الحقيقة، وبذلك انتقل المشرع من منطق الفراغ التشريعي إلى منطق التقنين المقيد ، اذ أسندت المادة 108 الإمكانية لقاضي التحقيق إذا اقتضت ضرورة التحقيق ذلك ان يأمر بمقرر كتابي بالتقاط المكالمات الهاتفية وكافة الاتصالات المنجزة بواسطة وسائل الاتصال عن بعد وباقي أشكال الاتصالات الإلكترونية او المنجزة بواسطة وسائل التكنولوجيا الحديثة ومراجع الدعامات المستخدمة في هذه الاتصالات وتسجيلها واخذ نسخ منها ، ومكن المشرع كذلك بمقتضى المادة 108الوكيل العام للملك تلقائيا إذا تعلق الأمر بجناية او جنحة مرتبطة بها او غير قابلة للتجزئة او بناء على ملتمس من وكيل الملك إذا تعلق الأمر بجنحة ان يلتمس كتابة من الرئيس الاول لمحكمة الاستئناف إصدار امر بالتقاط المكالمات الهاتفية او الاتصالات المنجزة بوسائل الاتصال عن بعد وباقي أشكال الاتصالات الالكترونية او المنجزة بواسطة وسائل التكنولوجيا الحديثة ومراجع الدعامات المستخدمة في هذه الاتصالات وتسجيلها واخذ نسخ منها وذلك إذا كانت الجريمة تمس بأمن الدولة او جريمة ارهابية او جريمة تتعلق بالعصابة الإجرامية او بالقتل والتسميم او بالاختطاف واخذ الرهائن او بالمخدرات والمؤثرات العقلية او بالأسلحة والذخيرة والمتفجرات ومعدات التدمير او مواد متفجرة او نووية او بيولوجية او كيمائية او مشعة او بحماية الصحة العامة او جرائم غسل الاموال او الرشوة واستغلال النفوذ او الغدر او اختلاس او تبديد المال العام او الجرائم الماسة بنظم المعالجة الآلية للمعطيات او المرتكبة بالوسائل الالكترونية او التعذيب او الاتجار بالبشر او الهجرة غير المشروعة او الاستغلال الجنسي او الجرائم المرتكبة ضد الأطفال او جرائم التخريب والتعييب والإتلاف او تحويل الطائرات او اتلافها او إتلاف المنشآت الجوية او جرائم التزييف والتزوير او انتحال الهوية الرقمية للغير بغرض تهديد طمأنينته او المساس بشرفه او اعتباره او نقل او بث او نشر محتوى إلكتروني ذي طابع اباحي موجه للقاصرين او الجرائم الانتخابية .
لكن رغم اشتراط المادة 108تقديم ملتمس من الوكيل العام للملك كتابة إلى الرئيس الاول قصد اصدار امر بالتقاط المكالمات او الاتصالات المنجزة بجميع انواع وسائل التكنولوجيا الحديثة ومراجع الدعامات ، فانه يجوز له استثناء اي للوكيل العام الامر كتابة بالتنصت والتقاط المكالمات او مختلف الاتصالات ومراجع الدعامات وتسجيلها واخذ نسخ منها متى تطلب الامر ذلك أو تخوفا من اندثار وسائل الاثبات ا واذا كانت الجريمة تتعلق بإحدى الأفعال المجرمة المشار اليها أعلاه ، ولا يشعر الوكيل العام الرئيس الاول لمحكمة الاستئناف الا بعد اتخاذه للأمر الصادر عنه استثناء ، ويصدر تبعا لذلك الرئيس الاول داخل اجل 24 ساعة مقررا بتأييد او تعديل او الغاء قرار الوكيل العام ، وفي حالة الالغاء يتم ايقاف التقاط المكالمات الهاتفية او الاتصالات فورا تنفيذا لمقرر الرئيس الاول الغير قابل لاي طعن، علما ان جميع العمليات المأمور بها طبقا للمادة 108 تخضع لرقابة قاضي التحقيق او الوكيل العام الذي امر بها وتكون معرضة للبطلان جميع اجراءات الالتقاط التي تكون مشوبة بخرق لمقتضيات المادة 108 المذكورة .
وحماية للمعطيات الشخصية كلما انصرم اجل تقادم الدعوى العمومية او بعد اكتساب الحكم الصادر في الدعوى قوة الشيء المقضي به يتم إتلاف التسجيلات والمراسلات بمبادرة من قاضي التحقيق او النيابة العامة يلي العملية تحرير محضر يحفظ بملف القضية وذلك طبقا للمادة 113 من قانون المسطرة الجنائية.
ولم يقتصر تدخل المشرع على مجرد إقرار هذه الوسائل، بل عمد إلى تأطيرها قانوناً من خلال رقابة قضائية تتمثل في اصدار امر بالتقاط المكالمات من طرف الرئيس الاول لمحكمة الاستئناف بناء على ملتمس الوكيل العام حيث اشترط الحصول على امر مسبق من الجهات القضائية المختصة، سواء تعلق الأمر بالنيابة العامة أو بقاضي التحقيق، مع تحديد مدة زمنية لممارسة هذه الإجراءات، بما يحد من التعسف في استعمالها. اعتبارا انه في حالة ما إذا امر الوكيل العام للملك استثناء بالتقاط المكالمات او التنصت فان الرئيس الاول بعد اشعاره من طرف الوكيل العام يصدر مقرره داخل اجل 24 ساعة بالتأييد او التعديل او الإلغاء.
كما يتجلى توفّق المشرع في سعيه إلى ملاءمة التشريع الوطني مع المعايير الدولية، خاصة تلك المتعلقة بمكافحة الجريمة المنظمة والإرهاب، وهو ما يعكس انخراطاً في الجهود الدولية الرامية إلى تعزيز النجاعة الجنائية دون إغفال الإطار القانوني المؤطر لها.
ومما تجدر الاشارة اليه ان المادة 108 شكلت تحولا بنيويا كبيرا اذ انتقلت من التقاط المكالمات الهاتفية إلى اعتراض باقي الاتصالات الالكترونية او المنجزة بواسطة وسائل التكنولوجيا الحديثة صوتا وصورة ومراجع الدعامات المستخدمة في هذه الاتصالات على سبيل المثال الرسائل النصية :الواتساب وميسنجر وتيليغرام ، وغيرها وكذلك البريد الالكتروني مثل Yahoo و Gmail
وكذا المكالمات الصوتية والمرئية المستخدمة للانترنيت وشبكات التواصل الاجتماعي مثل Facebook و Instagram
كما ان المادة المذكورة لم تعد تقتصر على قاضي التحقيق والوكيل العام للملك لتقديم ملتمس إلى الرئيس الاول لمحكمة الاستئناف من اجل اصدار امر بالتقاط المكالمات وكل ما يرتبط بها او اصدار الأمر مباشرة من طرف الوكيل العام استثناء في حالة الاستعجال القصوى دون اللجوء إلى الرئيس الاول وانما اشعاره بعد اصدار امره ، بل تمت اضافة وكيل الملك كجهة مخول لها تقديم ملتمس اصدار امر بالتقاط المكالمات متى تعلق الامر بالجنح كما تم منحه هذا الاختصاص بمقتضى المادة 116- 3 بخصوص الإذن بالدخول إلى وسيلة النقل او المكان العام او الخاص ولو خارج الساعات المحددة قانونا
كما ان نص المادة الثامنة على « الجنحة المرتبطة بالجناية او الغير قابلة للتجزئة يجعل الجرائم المذكورة على سبيل الحصر في المادة 108 والمعنية باجراءات التقاط المكالمات واعتراض الاتصالات تتوسع لتشمل جميع الجرائم الغير المذكورة على سبيل الحصر متى ارتبطت بالجناية او كانت غير قابلة للتجزئة الشيء الذي يتعين معه الانتصار لرقابة قضائية صارمة عمادها التناسب والتوازن والضرورة.
المحور الثاني: حدود التأطير التشريعي وانعكاساته على ضمانات المحاكمة العادلة
على الرغم من أهمية هذه المستجدات، فإن التأطير التشريعي لاستعمال التقنيات الحديثة يثير مجموعة من الإشكالات القانونية، خاصة فيما يتعلق بمدى احترامه لضمانات المحاكمة العادلة وحماية الحقوق والحريات الأساسية.
فمن جهة أولى، تمس هذه التقنيات بشكل مباشر بالحق في الحياة الخاصة، باعتبار أن اعتراض المراسلات والتقاط المكالمات يشكلان تدخلاً في سرية الاتصالات، وهي من الحقوق المحمية دستورياً. الأمر الذي يطرح تساؤلات حول مدى تناسب هذا التدخل مع الهدف المراد تحقيقه، ومدى احترام مبدأ الضرورة.
علما ان عمليات التقاط المكالمات والاتصالات المأذون بها وتسجيلها واخذ نسخ منها وحجزها يتم الحصول عليها من اي مستغل لشبكة عامة او مصلحة الاتصالات المشار إليها في القانون المتعلق بالبريد والمواصلات طبقا للمادة 114 , وانه يعاقب كل عون من اعوان السلطة العمومية او أجير لدى شبكة عمومية للاتصالات قام في اطار مهامه بالكشف عن وجود تنصت او التقاط, او امر او سهل التقاط او تبديد مراسلات مرسلة بواسطة وسائل الاتصال عن بعد او باقي أشكال الاتصالات الالكترونية
إلا ان المشرع وحماية لحرمة الاماكن المعدة للسكنى استثنى بمقتضى المادة 116-4 هذه الاماكن وذلك بمنع وضع الوسائل التقنية المتعلقة بتحديد مواقع المشتبه فيهم ورصد تحركاتهم او التقاط وبث وتسجيل العبارات المتفوه بها.
ومن جهة ثانية، يُلاحظ أن بعض المقتضيات القانونية جاءت بصياغة عامة أو مرنة، مما قد يفتح المجال أمام تأويلات واسعة من قبل الجهات المكلفة بالبحث، وهو ما قد يؤدي إلى توسيع نطاق تطبيق هذه الإجراءات بشكل يمس بضمانات الأفراد.
كما تبرز إشكالية على مستوى الضمانات العملية، إذ أن الرقابة القضائية، رغم أهميتها، قد لا تكون كافية في بعض الحالات، خاصة في ظل غياب آليات فعالة للمراقبة البعدية أو للطعن في بعض الإجراءات المرتبطة باستعمال هذه التقنيات، مما قد يؤثر على حقوق الدفاع.
إضافة إلى ذلك، يطرح استعمال هذه الوسائل مسألة حجية الأدلة المتحصل عليها، ومدى مشروعيتها، خصوصاً إذا تم الحصول عليها في ظروف لا تحترم الضوابط القانونية، وهو ما قد يؤدي إلى المساس بمبدأ المحاكمة العادلة.
يتضح مما سبق أن المشرع قد حقق تقدماً ملحوظاً في تأطير استعمال التقنيات الحديثة في مجال البحث والتحري عن الجرائم، بما يعزز من فعالية العدالة الجنائية وقدرتها على مواجهة التحديات الراهنة. غير أن هذا التقدم يظل نسبياً، في ظل استمرار بعض النقائص التي قد تمس بالتوازن بين متطلبات الأمن وحماية الحقوق والحريات.
وعليه، فإن تحقيق هذا التوازن يقتضي مزيداً من التدقيق في الصياغة التشريعية، وتعزيز الرقابة القضائية، وإقرار ضمانات أكثر فعالية تكفل حماية الحقوق الأساسية، بما يضمن انسجام الممارسة الإجرائية مع مبادئ المحاكمة العادلة
المحور الثالث: الارتباك التشريعي
من جهة اخرى لا بد ان نستحضر ارتباكا تشريعيا شاب بعض النصوص على مستوى تحديد الجهة المختصة بمنح الإذن لضباط الشرطة القضائية، بموجب مقرر كتابي معلل بوضع الوسائل التقنية اللازمة لتحديد مواقع المشتبه فيهم ورصد تحركاتهم او بالتقاط وتثبيت وبث وتسجيل العبارات المتفرع بها من قبل شخص… في اماكن او وسائل نقل خاصة او عمومية او التقاط صور لشخص او اشخاص في مكان عام او خاص … كما يتجلى ذلك من خلال عدم الانسجام بين المادتين 116-1 و116-3 من قانون المسطرة الجنائية، حيث حصرت الأولى هذا الاختصاص في مؤسسة الوكيل العام للملك وقاضي التحقيق، في حين وسّعته الثانية ليشمل أيضاً مؤسسة وكيل الملك الذي لا وجود له في المادة 116-1 ومع ذلك معني بمنح الإذن المنصوص عليه في المادة 116-3
ويثير هذا الاختلاف تساؤلات جدية حول إرادة المشرع، ومدى وجود معيار واضح يبرر هذا التمييز، خاصة في ظل غياب نص صريح يحدد طبيعة الحالات التي ينعقد فيها الاختصاص لكل جهة. الأمر الذي يعكس، في العمق، ضعفاً على مستوى الصياغة التشريعية وعدم تحقيق الانسجام الداخلي بين المقتضيات القانونية.
وتتجلى خطورة هذا الارتباك في كونه قد يؤدي إلى تضارب في التطبيق العملي، ويفتح المجال أمام الدفع ببطلان الإجراءات المتخذة بناءً على إذن صادر عن جهة قد يُنازع في اختصاصها، مما يؤثر على حجية الأدلة المستمدة من هذه التقنيات، ويمس بالتالي بحقوق الدفاع وضمانات المحاكمة العادلة.
كما أن هذا الوضع يُضعف مبدأ الأمن القانوني، الذي يقتضي وضوح القواعد القانونية وقابليتها للتوقع، وهو ما يفرض على المشرع التدخل لتدارك هذا التعارض، إما من خلال توحيد الجهات المختصة أو من خلال وضع معايير دقيقة لتوزيع الاختصاص بينها.
من جهة اخرى وفي إطار الصياغة المرتبكة فان المادة 66-2 التي نصت على الاتصال بالمحامي ابتداء من الساعة الاولى لوضع المشتبه به تحت الحراسة النظرية ومنحت استثناء للنيابة العامة يتمثل في تأخير اتصال المحامي بموكله بطلب من ضابط الشرطة القضائية على الا تتجاوز مدة التأخير نصف المدة الأصلية للحراسة النظرية و أحالت على المادة 108 كلما تعلق الأمر بجريمة ارهابية او بالجرائم المنصوص عليها في المادة 108 ، والحال ان المادة 108 تنص على الجريمة الإرهابية أصلا وتم تكرارها في المادة 66-2 وكان من الاجدر واحتراما للصياغة التشريعية تدقيق النصوص بدل صياغتها بصفة اعتباطية
ختاما: رغم اهمية اعتماد التقنيات الحديثة في البحث والتحري عن الجرائم فان السؤال المطروح هل ستضمن الانسجام مع حماية المعطيات الشخصية باعتبارها مكونا من مكونات الحق في الحياة الخاصة اعتبارا من كون التسجيل السمعي البصري والتنصت وجمع الادلة الرقمية والتقاط الصور في الاماكن العامة والخاصة وان كانت تهدف فعالية البحث الجنائي فإنها تنطوي على امكانية المس بمعطيات شخصية وتمتد إلى اشخاص لا علاقة لهم بالفعل الجرمي ، قد لا نقصد التناقض بين قانون المسطرة الجنائية وقانون حماية المعطيات الشخصية وانما نخشى توترا تشريعيا يتأرجح بين متطلبات الامن وضرورة حماية الحياة الخاصة و يتحول إلى مساس غير مشروع بالمعطيات الشخصية إذا لم يتم تقييد هذه التقنيات بمبدأ الضرورة والتناسب ولم يخضع لرقابة قضائية صارمة وتوازن بين الفعالية المتعلقة بالبحث الجنائي وحماية المعطيات الشخصية والا سنواجه بمستجدات تقنية لا تخدم العدالة بقدر ما تصبح مدخلا للمساس بالحقوق والحريات التي رفع سقفها دستور 2011 .

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *