حين ينقلب المطر إلى سيول جارفة ، حين تصير الطرقات أنهارا : لا يظهر في المشهد سوى رجال أشداء كانوا دوما في الظل

سعسد حجي

في المناطق المنكوبة، في الشتاء حين ينقلب المطر إلى سيول جارفة ، حين تصير الطرقات أنهارا، حين تتشقق الأرض كما لو أنها تبوح بأسرارها القديمة، يختفي المشاهير…
يختفي الوطنيون الزائفون.
يختفي اللامعون في كرة القدم، في الغناء، في التمثيل، في صناعة الفرجة.
تغيب الوجوه التي كانت تملأ المنصات صيفا، تغيب الأصوات التي كانت تتدثر بالأعلام فوق الأعناق، تغيب الأكتاف التي كانت تتقن الوقوف أمام الكاميرات، تلك الكاميرات التي تمنح البطولة لمن يملك الإضاءة لا لمن يملك الفعل…
يختفي الذين كانوا يدغدغون المشاعر بسيل من الكلمات عن حب الوطن، يختفي الذين يتغنون بشعارات الوطن فوق الجميع، يختفي الذين صنعوا من الوطنية زينة خطابية، شارة موسمية، قناعا اجتماعيا يلمع في أوقات الرخاء.
حين تكون الخزائن مفتوحة، حين تكون الدعوات جاهزة، حين تكون المهرجانات مزدهرة، حين تكون الابتسامات مدفوعة الأجر، يصبح الوطن قصيدة سهلة.
يصبح الوطن منشورا قصيرا، يصبح الوطن صورة مع علم، يصبح الوطن تصفيقا جماعيا، يصبح الوطن مادة استهلاك رمزي داخل اقتصاد الانتباه…
لكن حين يجف الضرع، حين تجف الخزائن، حين يصبح المشهد وحلا وحجارة ثقيلة وأجسادا منهكة، تختفي الوطنية من المشهد.
حين يتعلق الأمر بثقل الألم، بثقل الكارثة، بثقل الإنسان وهو يواجه الطبيعة عاريا من الزينة، يتبخر كل ذلك البريق.
في الفيضانات لا معنى للأغاني.
في الثلوج لا جدوى من التصريحات.
في الزلازل لا ينفع التمثيل.
في الحرائق لا مجال للبهرجة.
هناك فقط صرخة بيت مهدوم، هناك فقط يد تبحث عن يد، هناك فقط طفل يرتجف تحت بطانية رقيقة، هناك فقط أم تحمل خوفها كما تحمل رضيعها.
تظهر الحقيقة في الكوارث كأنها مرآة قاسية.
تسقط الأقنعة دون ضجيج.
تنهار الأساطير الصغيرة التي صنعها الإعلام.
تتفكك الهويات المصنوعة من شعارات جاهزة.
ولا يظهر في المشهد سوى رجال أشداء كانوا دوما في الظل.
رجال لا يعرفهم أحد.
رجال لا ينتظرون كاميرا.
رجال يحملون الحجارة الثقيلة كما لو أنهم يحملون قدرا.
رجال يركضون في الوحل بلا خطب، بلا تصفيق، بلا جمهور.
هناك وطن حقيقي يتشكل في الصمت.
في تلك اللحظات يتضح الفرق بين الوطنية كاستعراض، والوطنية كوجود.
الوطنية التي تعيش في اللاوعي الجمعي، في الأخلاق اليومية، في التضامن العضوي الذي تحدث عنه علماء الاجتماع حين تصبح الجماعة جسدا واحدا أمام الخطر.
الكارثة تفضح المجتمع كما تفضح الفرد.
تفضح التراتبية الرمزية التي جعلت الشهرة أعلى من الخدمة.
تفضح صناعة النجومية التي تحوّل الإنسان إلى علامة تجارية…
تفضح كيف صار بعضهم يعيش داخل فقاعة الامتياز، داخل رفاهية منفصلة عن الألم العام.
الوطن في جوهره ليس شعارا.
الوطن شبكة معنى، ذاكرة مشتركة، التزام أخلاقي، عقد غير مكتوب بين الأحياء والموتى، بين الحاضر والمستقبل.
الوطن امتحان وجودي، امتحان في المسؤولية، امتحان في الصدق…
وفي عمق هذا المشهد، تلمع جملة روائية كأنها تأتي من بعيد، من عالم إنساني يعرف هشاشة البشر: ماركيز كتب مرة عن الإنسان الذي لا يقاس بما يملكه، بل بما يبقى فيه حين تُسحب منه الزينة كلها.
هكذا تماما، في الكوارث تُسحب الزينة.
يُسحب الضوء المصطنع.
يُترك الإنسان في مواجهة جوهره.
وهنا تتجلى مفاهيم عميقة: رأس المال الرمزي، الهيمنة الناعمة، صناعة الوعي، تسليع الوطنية، تحويل الأخلاق إلى مادة عرض، تحويل الانتماء إلى أداء مسرحي.
الكارثة تعيد ترتيب المعنى، تعيد توزيع الأدوار، تضع البطولة في مكانها الطبيعي، في اليد المتسخة بالطين .
وفي النهاية، حين تهدأ المياه، حين يذوب الثلج، حين تستقر الأرض بعد ارتجافها، يبقى سؤال ثقيل في قلب المجتمع:
من الذي كان هنا حقا؟
من الذي حمل الحجر؟
من الذي بكى مع الناس لا أمام الناس؟
في الكوارث يختفي الوطنيون الزائفون، ويظهر الوطنيون، ويظهر الوطن، لا بوصفه أغنية، إنما كمعنى أخلاقي عميق، امتحانا للضمير، لحظة تنكشف فيها الحقيقة، لحظة يفهم فيها الإنسان أن الانتماء ليس كلاما، بل فعل، وأن التضامن ليس صورة، بل مصير مشترك…





Aucun commentaire