نصيحة الضيف

محمد شحلال
لا يختلف الناس في باديتنا عن عموم المغاربة في سجية الكرم التي تمسكنا بها حتى تحولت إلى مظهر ضعف لدى البعض ،كما حصل بمناسبة تنظيم كأس أفريقيا التي انكشفت خلالها كثير من الخبايا والحقائق المؤلمة والتي مازالت تداعياتها تتناسل بشكل مقرف.
يحرص الناس في باديتنا على إبداء كل آيات الحفاوة عند حلول الضيف ، ولا سيما إن كان من خارج المنطقة،حيث يربطون قيمة سمعتهم بردود أفعال الضيوف ومشاعرهم.
تزداد قيمة الكرم في الظروف القاسية،حيث يتوجس البعض من حلول الضيوف بسبب ندرة القرى وما ينجم عن ذلك من أثر على سمعة العائلة إن هي قصرت في الإكرام.
في إحدى سنوات القحط التي تتناوب على بلدتنا،كان أحد المعارف يقيم في حضن الغابة بعيدا عن الناس حتى يضمن للقطيع طعاما مجانيا،ويتفادى الضيوف الذين لم يعد قادرا على إرضائهم.
حدث يوما أن خرج إلى الغابة فاصطاد طائرا من طيور الحجل المعروفة بجودة لحمها.
قدم ،،الغنيمة،،للزوجة ثم طلب منها أن تعد طبقا من الكسكس لينعم ،،الواشون،،بوجبة استثنائية.
ترك الأب زوجته منهمكة في إعداد الطعام،وخرج يتجول بمحيط الخيمة ريثما يحضر الطعام،وبينما هو كذلك،إذ لمح عن بعد رجلا من معارفه وهو في طريقه نحو وجهة أخرى فبادر بالمناداة عليه ودعوته لمشاركته الطعام.
لم يكن الضيف يتوقع أن يجد لدى مضيفه طبقا مؤثثا بلحم،،طير مما يشتهون،، في تلك الظروف العصيبة، ولم يمض وقت طويل حتى قدمت الزوجة طبق الكسكس اللذيذ،غير أن أجواء الوليمة سرعان ما تحولت إلى غصة حينما تحلق أبناء المضيف حول الصحن وافترسوا الطائر كما تفعل الضباع وباقي السباع بالفريسة.
لم يكن بوسع رب البيت أن يحرر أجزاء الحجل من الأفواه الشرهة وظل مشدوها يتحسر لحال الضيف الذي لم يصب شيئا من هذه الغنيمة التي اختفى أثرها في رمشة عين.
قطع الضيف الطريق على مضيفه حتى لا يسمع مبررات غير مقبولة،قائلا بأمازيغية عارية :
-والله أتربيذ أراو انش إيفاذ أذلاز ! ومعناه :
يتعين عليك أن تعد أبناءك للعطش والجوع.
هي عبارة عميقة في دلالتها،تعني فيما تعنيه، أن من مسؤولية الأب ،أن يعد أبناءه لكل الظروف والاحتمالات وألا يجعل ،،التهافت،،بكل أشكاله سلوكا يسبق ماعداه من السلوكات في الحياة.
قدم الضيف درسا بليغا لمضيفه ومضى لحال سبيله تاركا وراءه أسرة تتخبط في مستنقع أخلاقي لن تندمل الجروح التي خلفها ابدا.
اعتقد ان نصيحة الضيف البدوي الصريح،ربما كانت أجدر بمعظم بني جلدتنا في هذا الوطن الذي يأكلون من رزقه،لكنهم لا يكفون عن النيل منه إرضاء ،،لثورية زائدة،، وقومية عربية مستهلكة نعرف جميعا منشأها ومالها،في هذا المشرق المشتعل والذي تصلنا شراراته تباعا.
أتساءل كغيري من المغاربة العاديين عما يريده هؤلاء المتحمسون المندفعون وهم يطالبون الدولة بما عجزت عنه الدول العربية مجتمعة وكأن قضية فلسطين دين مغربي صرف ؟!
إن ما يحز في النفس ،هو ان يغض هؤلاء،، الزعماء،، الطرف عن كل الدول المطبعة ويبقى المغرب مشجبا وحيدا تعلق عليه كل إخفاقات العربان !
لقد تفطن الملك الحسن الثاني- رحمه الله- مبكرا لمعضلة فلسطين،ونجح في تحويلها إلى قضية إسلامية بدل أن تظل شأنا عربيا صرفا،ومع ذلك لم ينجح ازيد من مليار مسلم في إنهاء معاناة الفلسطينيين ليقوم اليوم بعض الأشخاص من بيننا بتعليق تبعة الإخفاق على كاهل الدولة المغربية التي تتلقى سهام الغدر من كل الاتجاهات بما بما فيها من يزعمون الأخوة والعقيدة.
من المؤسف ان يكون بيننا من يمد أعداء الوطن بجرعة دعائية إضافية ليواصلوا هجماتهم الممنهجة على بلد يقدم الدليل البين على تفتحه وتسامحه وجنوحه للسلم،أفلا نتق الله في هذا المغرب الذي لا نرضى عنه بديلا ؟





Aucun commentaire