Home»Débats»اشكالية المقابلة النهائية لكاس افريقيا والصناعة المتكاملة للتشويش

اشكالية المقابلة النهائية لكاس افريقيا والصناعة المتكاملة للتشويش

0
Shares
PinterestGoogle+

… سعيد حجي

أن تظل بعض الصفحات معلّقة عند نهائي كأس إفريقيا أسبوعين كاملين، تعيد اجترار الحدث نفسه بوجوه مختلفة، وبعناوين تتبدّل ظاهريا وتتشابه جوهريا، فذلك لا علاقة له بالذاكرة الرياضية ولا بالوفاء للمنتخب ولا حتى بالحزن الجمعي الذي يُفترض أن يكون لحظة تأمل لا لحظة استنزاف. نحن أمام صناعة متكاملة للتشويش، اقتصاد انتباهي قائم على الإثارة السريعة، على تدوير الانفعال، على إطالة عمر الخسارة حتى تصبح موردا، وعلى تحويل مباراة انتهت في تسعين دقيقة إلى سردية مفتوحة بلا نهاية، بلا أفق، بلا كرامة معرفية….
كل يوم خبر جديد، وكل خبر يحتاج « مصدرا خاصا »، وكل مصدر خاص يحتاج خيالا أكثر اتساعا، فتُنسج الإشاعة بخيوط شبه واقعية، أسماء لاعبين، همسات غرف تبديل الملابس، مكالمات لم يسمعها أحد، خلافات لم يرها أحد، ويُقدَّم كل ذلك باعتباره حرصا على الوطن. هنا يتحوّل الوطن إلى ذريعة، إلى قناع أخلاقي رقيق يُغطّي سعيا فظّا وراء التفاعل، وراء الأرقام، وراء الإعجابات التي تقاس اليوم بوصفها معيار القيمة، وكأن الحقيقة نفسها صارت تفصيلا ثانويا في معادلة الخوارزميات….
ما يحدث أقرب إلى « رعي القطيع » منه إلى الإعلام. عقل جمعي يساق عبر الإثارة، عبر إعادة إنتاج الغضب، عبر خلق عدو وهمي كل يوم، مدرب، لاعب، حكم، اتحاد، حتى لا يُتاح للعقل لحظة فراغ واحدة يفكر فيها خارج القطيع. إنها دينامية السيطرة الرمزية، حيث يُستبدل التفكير النقدي بالاستهلاك الانفعالي، ويُستبدل السؤال العميق بالعنوان الصاخب، ويستبدل التحليل بالبكاء الجماعي المعلّب….
حين تُغرق الفضاء العام بسيل من الأخبار السيزيفية الكاذبة، فأنت لا « تخبر » المجتمع، بل تُرهقه، ترهق جهازه العصبي، تُدرّبه على الكسل المعرفي، على قبول أي رواية ما دامت مشحونة، على النفور من القراءة الجادة لأنها لا تمنحه جرعة الأدرينالين نفسها. هكذا يُقتل الذوق العام ببطء، هكذا تتآكل علاقة الناس باللغة، بالفكرة، بالسياق، وتتحول القراءة من فعل تأمل إلى عبء، ومن متعة ذهنية إلى ضجيج…..
في هذا المناخ، تصبح الهزيمة الرياضية أداة لإعادة إنتاج الرداءة، بدل أن تكون فرصة لسؤال البنية، لمنطق التكوين، لثقافة الفوز والخسارة، لعلاقة المجتمع بالعمل طويل النفس. يُستثمر الإخفاق بدل فهمه، ويُستغل الألم بدل مداواته، ويُحوَّل الجمهور إلى مادة خام في مصنع الإشاعة. هنا تتجلى أزمة المعنى، حيث تختلط الوطنية بالابتزاز العاطفي، ويختلط النقد بالتشفي، ويضيع الحد الفاصل بين الإعلام بوصفه وظيفة اجتماعية، والإعلام بوصفه تجارة فوضوية…..
في أحد منعطفات رواية « الطاعون »، تُركت جملة عابرة لكنها قاسية: « أسوأ الأوبئة ليست تلك التي تقتل الأجساد، هي تلك التي تُعوّد الناس على العمى ». ما يحدث اليوم شبيه بهذا العمى المتدرّج، حيث يعتاد القارئ على الزيف، على التهويل، على اللغة المتعفنة، حتى يفقد قدرته على التمييز، وحتى يصبح الصمت الجاد أقل إغراء من الكذب الصاخب….
ومن زاوية أعمق، نحن أمام انكسار في العقد الرمزي بين الكاتب والقارئ، بين الناشر والمتلقي. الإعلام الذي كان يُفترض أن يكون وسيطا للوعي، صار منتجا للتضليل الناعم، تضليل لا يُفرض بالقوة، بل يُقدَّم في هيئة متعة، في هيئة « معلومة حصرية »، في هيئة « كواليس ». إنها هيمنة خطابية، تُمارس عبر اللغة، عبر الإيقاع، عبر الإلحاح، حتى يُسحب من القارئ حقه في الملل، وحقه في النسيان، وحقه في تجاوز الحدث…
ارحموا عقولنا… ليست جملة عاطفية، بل نداء معرفي. اتركوا للحدث أن ينتهي، وللذاكرة أن تهدأ، وللعقل أن يلتقط أنفاسه. فالمجتمع الذي يُغذّى يوميا بالأخبار العفنة، يفقد مناعته الرمزية، ويصبح قابلا لكل أشكال التلاعب. أما التنوير، فهو فعل شاق، بطيء، قليل التفاعل، لكنه وحده ما يبني إنسانا لا يُساق، قارئا لا يُستعمل، ووعيا لا يُرعى كقطيع

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *