ضربة ساليغان الثانية

رشيد نيني

من لديهم آباء عاشوا فترة الاستعمار الحالكة لابد أنهم حكوا لهم كيف كان جنود سينغاليون جلبهم المستعمر الفرنسي يسيرون في الأزقة خلف العربات العسكرية ويأمرون السكان بترك أبواب منازلهم مشرعة لكي يكون بمستطاعهم الدخول بحثا عن الفدائيين. ولعل أسوأ تذكار ظل موشوما في الذاكرة المغربية هو ما صار يسمى «ضربة ساليغان» التي نفذها من كانت سلطات الحماية تسميهم «القوة السوداء»، والتي حكى عنها علال الفاسي في كتابه «الحركات الاستقلالية في المغرب العربي»، وجاء فيها «بينما كان أطفال الحي يلعبون بحي بن امسيك بالدار البيضاء، إذ بثلاثة عمال من السنغاليين يتجولون فطالبهم طفل بأن يعطوه هدية، ولكن السنغاليين شتموه ورموه بمقلاع كان بيدهم، فأثار ذلك غضب أصدقائه الأطفال، فتابعوا الجنود الثلاثة بحصاوات صغيرة وذهب السنغاليون إلى الحصن القريب من الحي، ثم عادوا ومعهم فرقة من السنغاليين مسلحة بالبنادق والرشاشات والمدافع الخفيفة وصحبتها ضباط فرنسيون، وما أن وصلوا الحي حتى أعطى الضباط لجنودهم الإذن بإطلاق الرصاص على الأهالي العزل وقتلوا منهم حوالي 2000».
صحيح أن «ضربة ساليغان الثانية» التي حدثت في ملعب مولاي عبد الله لم تسفر سوى عن إصابة أربعة من عناصر الأمن إصابات خطيرة على يد المشجعين السينغاليين، لكن بمنطق الصورة التي هي سلاح العصر الناعم فإن ما قام به جمهور السينغال ومدربه ولاعبوه يمكن تصنيفه في خانة الاعتداء على كرامة ومشاعر 38 مليون مغربي.
وإذا كان رهان الدول المشاركة في الكان هو بلوغ النهائي والحصول على الكأس فإن رهان المغرب لم يكن فقط الفوز بالكأس بل تحقيق رهان أكبر من الكأس والكان. فالمغرب بنجاحه التنظيمي وحفاوة شعبه وبنياته التحية الرياضية أراد أن يبعث للعالم رسالة مفادها أنه جاهز تنظيميا لاحتضان كأس العالم، وأن الشعب المغربي شعب يتنفس الكرة، وأن بنياته الرياضية توازي بل وتتفوق على نظيرتها في الدول الأوروبية.
المغرب يعي حجم المسؤولية الملقاة على عاتقه، فطيلة شهر كامل، بعد أربع سنوات من اليوم، سيكون محط أنظار العالم، ولذلك فقد كان من الضروري حماية هذه الصورة من التشويش الذي تجند له مؤثرون ومشوشون وصحافيّون دفعت بهم بلدانهم نحو مدن المغرب بهدف واحد هو زرع الشك في السردية المتداولة حول النجاح الكروي المغربي قاريا ودوليا، خصوصا أن المنتخب المغربي أصبح ترتيبه ثامنا على المستوى العالمي، وهي مرتبة تعتبر سابقة بالنسبة لبلد إفريقي.
هكذا أصبح الهدف هو زرع الشك في قدرة المغرب التنظيمية لكأس العالم، ولو أن المغرب انساق خلف الاستفزازات السينغالية التي صدرت عن المدرب واللاعبين والجمهور لحدث ما لا تحمد عقباه ولشاهد العالم صورة مشوهة عن أفشل نسخة للكان، وبالتالي فهذا كان سيزرع الشكوك حول مدى قدرة المغرب على تنظيم المونديال، وسيتساءل المتشككون: كيف لبلد عجز عن تنظيم نهائي قاري أن ينجح في تنظيم نهائي المونديال؟
لقد أصبح اليوم واضحا بعد اكتمال كل عناصر «البوزل» أن المغرب تعرض لمؤامرة تم استعمال الابتزاز فيها كسلاح. فمن جهة كان الجمهور السينغالي يفيض عن مدرجات الملعب مهددا بمواجهة دموية مع الأمن، ومن جهة ثانية كان اللاعبون ومدربهم يهددون بالبقاء في المستودعات ومقاطعة المباراة ونسف حفل الاختتام، أما من جهة ثالثة فقد كان الطلبة والمهاجرون المغاربة بالسينغال، وعددهم حوالي 4000، شبه رهائن، ولا أحد كان يمكنه أن يتكهن بمصيرهم لو أن المغرب خرج منتصرا في المقابلة النهائية.
لقد تعودت دول عربية وإفريقية على استعمال قضية الصحراء كورقة ابتزاز ولطالما دفع المغرب أثمانا باهظة وتنازلات مكلفة لكي يضمن وقوف دول عربية وإفريقية على الحياد، وكثير منها كان يضع رجلا هنا ورجلا هناك لممارسة الضغط والحصول على منافع. وهناك دول إفريقية تنكرت للمغرب لمجرد أن الرئيس الجديد الذي جاء إلى القصر الرئاسي على ظهر دبابة لم يحصل من المغرب لحرسه الخاص على معدات ولباس وأحذية خاصة.
وأن تستعمل الجزائر منتخبها وجمهورها للتشويش على التنظيم المغربي لنسخة الكان فهذا مفهوم ومنتظر، لكن أن يسير المدرب المصري على نفس النهج فهذا ما أثار دهشة الرأي العام المغربي واستغرابه. لكن هذا الاستغراب يتبدد عندما نعرف السبب الحقيقي للانزعاج المصري. فعندما سأله الصحافيون عن من جاء به إلى منتخب مصر لم يتردد المدرب حسام حسن في القول بأن النظام السياسي هو من أتى به وأن ما يهمه هو رضى السيسي. ولذلك فعندما افتعل المدرب المصري كل تلك المشاكل طيلة وجوده بالمغرب متهما البلد المضيف بوضع لاعبيه في بنسيون عرضة للسعات الناموس فإنما كان يصرف انزعاجا سياسيا، ومن تابع منشورات الصحافة المصرية التابعة للسيسي خلال الشهر الذي جرت فيه منافسات الكان سيلاحظ أنها انزعجت من الشراكة التي عقدها المغرب مع إثيوبيا في مجال تفعيل التعاون العسكري ونقل الخبرات الدفاعية بين البلدين. وهذا ما رأت فيه الصحافة المقربة من السيسي تعاونا عسكريا مع دولة تهدد شريان الحياة المصري الذي هو النيل. ولم يفت هذه الصحافة أن تلمح إلى أن مصر لم تعترف يوما بالبوليساريو مضيفة في شبه تهديد مبطن: «فمن يضحي بالنيل من أجل سراب الحبشة سيستيقظ يوما ليجد نفسه وحيدا في صحراء السياسة القاحلة… بلا ماء ولا أشقاء».
ولعل ما فات «الأشقاء» العرب و«الإخوة» الأفارقة التقاطه هو أن ملف قضية الصحراء تم حسمه منذ إصدار مجلس الأمن قرارًا يصف الحكم الذاتي المغربي بأنه الحل الأنجع، ويدعو الأطراف إلى التفاوض على أساسه. اليوم ملف الصحراء يقع تحت مراقبة أمريكية نشطة، مع تركيز على حل سياسي يتبنى مقترح الحكم الذاتي المغربي، وتتجه الجهود نحو إيجاد مخرج دبلوماسي للنزاع بدعم أمريكي يرى في المغرب شريكًا أساسيًا.
ولذلك فزمن الابتزاز بورقة الاعتراف بالبوليساريو انتهى إلى غير رجعة. وكل من يريد أن يبني علاقة مع المغرب أو أن يحافظ على علاقته مع المغرب فما عليه سوى أن يقوم بتحيين جيواستراتيجي لمعطياته وأن ينظر إلى المغرب نظرة الند للند.
منقول عن صفحة رشيد نيني





Aucun commentaire