كرة القدم، الهجرة والتعايش في المغرب بين الانفعالات الرياضية والمسؤوليات السياسية

بعد لحظات الانفعال والغضب ارتأيت كتابة هذا المقال

سليمة فراجي
أعادت الأحداث التي أعقبت نهائي كأس الأمم الإفريقية إلى الواجهة نقاشات حساسة في المغرب تتعلق بالهجرة، والهوية الوطنية، والعلاقات مع إفريقيا جنوب الصحراء. ورغم أن الرياضة يفترض أن تكون جسراً للتقارب بين الشعوب، فقد تحولت في هذه الحالة إلى عامل مُحفِّز للتوترات الاجتماعية وخطابات عدائية تجاه المهاجرين الأفارقة المقيمين في المغرب. اذ ظهرت على مواقع التواصل الاجتماعي دعوات تطالب بطرد المهاجرين الأفارقة، خاصة في سياق الهزيمة الرياضية وبعض الحوادث التي ارتبطت بمدرب المنتخب السنغالي وجزء من الجماهير. ورغم أن هذه الأصوات ظلت محدودة، فإنها تطرح سؤالاً جوهرياً: إلى أي حد يمكن أن تؤثر الانفعالات الرياضية على تمثلات “الآخر” وتزعزع خيارات سياسية وأخلاقية استراتيجية علما ان هذه الدعوات غير مبررة وغير منسجمة مع المسار التاريخي والسياسي والدبلوماسي للمغرب، الذي تبنى منذ أكثر من عقد سياسة هجرة قائمة على حقوق الإنسان والشراكة الإفريقية.
لا نجادل ان كرة القدم احتلت وتحتل مكانة مركزية في المخيال الجماعي المغربي والإفريقي، إذ تجسد الانتماءات الوطنية والتنافس الرمزي بين الدول. غير أن النتائج الرياضية المثيرة للجدل قد تفجّر إحباطات كامنة وتحول المنافسة الرياضية إلى توتر اجتماعي. وقد أدت الهزيمة إلى ردود فعل انفعالية اعتُبرت استفزازية من طرف بعض الأطراف، . ومع ذلك، فإن تحويل خلاف رياضي إلى صراع هوياتي أو ملف هجرة هو خطأ تحليلياً وسياسياً. فالمجال الرياضي ينتمي إلى منطق المنافسة، بينما تنتمي الهجرة إلى مجال السياسات العمومية والحقوق الأساسية يمكن ان نلخصها في المسارات والمحطات التالية :
اولا -السياسة المغربية في مجال الهجرة: منعطف تاريخي
منذ سنة 2013، تميز المغرب بسياسة هجرة غير مسبوقة في شمال إفريقيا تقوم على مقاربة إنسانية واستباقية، وترتكز على محاور عدة:
-تسوية أوضاع المهاجرين اذ استفاد عشرات الآلاف من الأفارقة من وضع قانوني بالمغرب.
-الاندماج الاجتماعي اي الولوج إلى الصحة والتعليم وسوق الشغل.
-الاعتراف بالتعدد الثقافي عن طريق تأكيد هوية المغرب كفضاء إفريقي متعدد.
-التعاون جنوب–جنوب وهو الذي يرد في مختلف خطابات جلالة الملك محمد السادس عن طريق تعزيز الشراكات الاقتصادية والثقافية مع دول القارة.
هذا التوجه ليس مجرد مبادرة إنسانية، بل خيار استراتيجي يعكس رؤية المغرب كجسر إفريقي منفتح على الأطلسي وأوروبا وباقي القارة.
ثانيا-الانتماء الإفريقي للمغرب يعتبر خيارا لا رجعة فيه
فقد شكل عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017 محطة مفصلية لتأكيد هويته الإفريقية. ويندرج هذا المسار ضمن رؤية طويلة الأمد يسعى فيها المغرب للعب دور محوري في:
-التنمية الإقليمية،
-الاستقرار السياسي،
-الاندماج الاقتصادي،
-وتنظيم حركة البشر بما يحترم الحقوق.
اذلك فإن الدعوة إلى ترحيل جماعي أو إلى سياسات قمعية ضد المهاجرين الأفارقة تتعارض جذرياً مع الدبلوماسية المغربية والتزاماتها الدولية.
ثالثا -دور شبكات التواصل الاجتماعي بين النقاش والتضليل
ضخّمت المنصات الرقمية خطابات لا تعكس لا الموقف الرسمي للدولة ولا التوجه الغالب داخل المجتمع المغربي. فهي غالباً ما تفضّل الانفعال على التحليل الرصين.
من منظور أكاديمي، يمكن قراءة هذه الظاهرة ضمن ما يسمى بـ “الهلع الأخلاقي”: حيث يُحوَّل حدث رياضي عابر إلى تهديد جماعي مرتبط بالمهاجرين دون أدلة موضوعية. وهذا يستدعي تدخلاً إعلامياً مسؤولاً يقوم على الوقائع لا العواطف.
رابعا -القيم المغربية والمسؤولية الجماعية
من المنظور التاريخيّ ، تشكل المغرب كفضاء للتعايش بين مكونات متعددة: أمازيغ، عرب، أفارقة جنوب الصحراء، وأوروبيين. لذلك فإن التسامح والضيافة ليسا شعارات، بل مكوّنات بنيوية للهوية المغربية.وقد نص تصدير دستور المملكة إلى ذلك
ومن ثمّ، فإن الانزلاق نحو خطاب يتناقض مع هذه التوجهات تحت ضغط الهزيمة الرياضية يمثل تراجعاً أخلاقياً وسياسياً. فمقياس نضج الأمم هو قدرتها على الفصل بين التنافس الرياضي واحترام كرامة الإنسان.
ختاما الغضب مشروع و الاحساس بالظلم شعور فظيع لكن كل ذلك وكل التوترات التي أعقبت النهائي لن تدفع المغرب إلى التراجع عن اختياراته الاستراتيجية والإنسانية في مجال الهجرة. فقد بنى المملكة سياستها على القانون، والتضامن الإفريقي، والتعايش.
وبدل تأجيج الانقسامات، التي خطط لها بعض الاعداء إعلاميا يتعين تعزيز الحوار بين الثقافات، وترسيخ إعلام مسؤول، والتأكيد على أن الرياضة مهما بلغت حدتها لا يمكن أن تملي سياسات تتعارض مع القيم الأساسية للأمة.
لقد اختار المغرب أن يكون إفريقياً بامتياز، وهذا الخيار يقتضي حماية المهاجرين، واحترام القانون، والدفاع عن قيم التسامح التي تشكل أحد أعظم مكاسب البلاد.
ويستمر المغرب بخطى ثابتة ! مقتنعا انه في سباق التميز ليس هناك خط للنهاية





Aucun commentaire