من الوقاحة و سوء الأدب اعتبار من أنهوا مشوار أعمالهم أو وظائفهم أو خدماتهم فئة مستهلكة غير منتجة

من الوقاحة و سوء الأدب اعتبار من أنهوا مشوار أعمالهم أو وظائفهم أو خدماتهم فئة مستهلكة غير منتجة
محمد شركي
وأنا أتصفح شبكة التواصل الاجتماعي، استوقفني فيديو يتحدث فيه أحدهم عما بات يسمى بتعويم الدرهم ، وخلال استعراض ما سيترتب عن هذا التعويم من مشاكل اقتصادية واجتماعية …فاه بعبارة مسيئة لفئة الذين أنهوا مشوار أعمالهم أو وظائفهم أو خدماتهم، وقد نسبها لمن يقفون وراء هذا التعويم ،وذلك في سياق تبريراعتماده ، وفحوى هذه العبارة أن نسبة هذه الفئة في تزايد مطرد خلال السنوات القليلة القادمة وأنها فئة مستهلكة وغير منتجة .
وقبل الرد على هذه الوقاحة، لا بد من التذكير بالتسمية الحقيقية أوالمناسبة لهذه الفئة، وهي فئة من أنهوا مشوار أعمالهم أو وظائفهم أو خدماتهم عوض نعتهم بالمتقاعدين لما في هذه التسمية من إيحاء بالقعود الذي ورد ذكره في سياق ذم تخلف المنافقين عن الجهاد،وذلك في الآية الكريمة التسعين من سورة التوبة : (( وقعد الذين كَذَبوا اللهَ ورسولَه )) ،أو نعتهم بالمحالين على المعاش لما في هذه التسمية من إيحاء بالاستجداء . وإذا ما ضم التقاعد والمعاش إلى بعضهما أعطيا انطباعا بأن من ينعتون بهما هم عبارة عن عبء على المجتمع أو عالة عليه في نظر البعض، والواقع أنهم أفنوا زهرة شبابهم ، وأتلفوا صحتهم…. في خدمته يوم كان من صار اليوم يعتبرهم بالفئة المستهلكة غير منتج وعالة عليه .
ومعلوم أن من أنهوا أعمالهم أو وظائفهم إنما ينفقون على أنفسهم وأهليهم من أموال ادخرت لهم وقد اقتطعت من أجورهم التي استحقوها مقابل ما كانوا يقدمونه من خدمة لغيرهم بعرق الجبين أو بجهد العضلات والعقول أو بكل ذلك… وغيره ، ولم يسطوا على أموال غيرهم . ولهذا لا يستقيم لا عقلا ومنطقا ولا خُلُقا ولا عادة ولا عرفا ولا شرعا أن يقال عنهم أنهم مستهلكون لا ينتجون، لأنهم كانوا ينتجون حين كان غيرهم يستهلك ، وما قدموه خلال خدمتهم ماديا كانا أو لاماديا لم ولن تنقطع فوائده التي تعود بالنفع على المجتمع.
ومعلوم أن استهداف هذه الفئة من خلال نعتها بالاستهلاك دون إنتاج ،وهو ما يدل على سوء أدب وسوء تربية ووقاحة من يستهدفونهم به إنما هو تمويه على سطو طال الصندوق الذي كان يكنز فيه ما يقتطع من مرتباتهم أو أجورهم ، ويتصرف فيه من أجل إنفاق لا يمت إليهم بصلة . وعوض رد ما تم التصرف فيه دون وجه حق من أموال الغير تحاول الجهات المسؤولة عن ذلك تبرير إفلاسه بشتى الطرق والأساليب التي لم تعد خافية على أحد ، لينتهي بها المطاف إلى إلقاء الكلام على عواهنه من قبيل نعت من أنهوا أعمالهم ووظائفهم وخدماتهم بالفئة المستهلكة غير المنتجة .
والسؤال المطروح على هذه الجهات التي تعوم الدرهم ماذا تريدون من هذه الفئة كي تكون منتجة في نظركم ؟ هل تريدون أن تتنازل لكم عن أموالها التي تعبت، وعرقت، وكدت ، ومرضت … من أجل كسبها ، أوتبحث من جديد عن مصدر عيش آخر لم يعد عمرها يسمح بذلك أو يسعفها ؟
وواضح أن وراء هذه الوقاحة محاولة التفاف على مطالبة هذه الفئة بالزيادة في مستحقاتها التي تستثنى من الزيادات التي يستفيد منها من لا زالوا في الخدمة علما بأن مستوى العيش قد تغير وتكاليفه قد زادت، بينما ما يصرف لمن أنهوا العمل أو الخدمة ظل جامدا ، علما بأن معظمهم يصرفون جله في التطبيب والعلاج بحكم أعمارهم ووضعهم الصحي ، وكذا في الإنفاق على أهليهم وعلى تمدرس أبنائهم وبناتهم دون تسهيلات أو تخفيضات أو مساعدات على غرار ما نسمع به عند أمثالهم في بلدان العالم باستثناء بعض ما تقدمه التعاضديات الصحية أو بعض المؤسسات التأمينية أو التكافلية التي تقطع من أرصدتهم من أجل أن تعود عليهم ببعضه .
ولقد كان من المفروض أن تستثمر أرصدة ما يسمى بصندوق التقاعد أو المعاش وتوزع عوائد الاستثمار على من أنهوا الخدمة بكيفية تضمن العدل بينهم ، وبهذا سيستفاد منهم وهم خارج الخدمة أيضا كما هو الشأن عند بعض الأمم التي تقدر هذه الفئة حق قدرها ، وترفع لها القبعة كما يقال، وتقر لها بالفضل ، وتتمنى لها بقية عمر في صحة وعافية وسعادة .
وأخيرا نقول لمن ينعتون هذه الفئة في وطننا بالاستهلاك دون إنتاج إنكم بدوركم ستحالون أيضا على ما أحيلوا عليه ، وستجدون هذا النعت الذي ابتدعتموه لغيركم يلاحقكم أيضا ، وستردون إلى عالم الغيب والشهادة ،فينبئكم بما عملتم في محكمته العظمى التي شعارها » لا ظلم اليوم » .





Aucun commentaire