Home»Débats»هل كنا فعلاً في حاجة إلى تعديل أو سن قانون جديد منظم لمهنة المحاماة؟

هل كنا فعلاً في حاجة إلى تعديل أو سن قانون جديد منظم لمهنة المحاماة؟

0
Shares
PinterestGoogle+

ذة . سليمة فراجي


من الناحية المبدئية، لا نجادل في كون التشريع كائن حي، وأن المشرّع يملك، عملاً بالفصل 71 من الدستور، سلطة تنظيم المهن القانونية والقضائية، بما فيها مهنة المحاماة. كما أن التطورات التي عرفها القضاء، وتوسّع اختصاصات النيابة العامة، التي اصبحت مستقلة عن السلطة التنفيذية والتحولات الرقمية، قد تبرّر مراجعة الإطار القانوني المنظم للمهنة
علما ان تنظيم مهنة المحاماة من المسائل التشريعية الحسّاسة، لما لها من تأثير مباشر على حق الدفاع والمحاكمة العادلة، وهما من الحقوق ذات القيمة الدستورية العليا. وقد أثار مشروع قانون المحاماة الجديد في المغرب جدلاً واسعاً حول ما إذا كان يعزز هذه الحقوق أو يُفرغها من مضمونها. وللإجابة عن هذا السؤال، يتعين الوقوف عند ثلاثة محاور دستورية أساسية:
-أحقية المشرّع في تعديل التشريع القائم، وحدود هذه السلطة.
-مبدأ عدم التراجع عن الضمانات المقررة في التشريع السابق (Non-régression des garanties).
-توازن الأسلحة (l’égalité des armes) واستقلال الدفاع كمكونين جوهريين للمحاكمة العادلة.
أولاً: سلطة المشرّع وحدودها الدستورية
يجوز للمشرّع، وفق الدستور المغربي، تنظيم المهن بما فيها المحاماة انطلاقاً من مبدأ حرية التنظيم المهني والمبادرة التشريعية المنصوص عليهما في الفصلين 71 و 78 من دستور المملكة بخصوص حق المبادرة التشريعية لكل من الحكومة وأعضاء البرلمان، مع احترام الدستور ، الفصل 12 من الدستور الذي يلزم السلطات العمومية بإشراك المعنيين والفاعلين المعنيين في إعداد السياسات العمومية ذات الأثر المباشر عليهم. والفصل 120 من الدستور الذي يكرس الحق في الدفاع كركيزة أساسية للعدالة.
إلا أن سلطة التشريع، رغم اتساعها، ليست مطلقة؛ فهي مقيّدة بضوابط دستورية تحدّ من التدخل التشريعي المتهاون في حقوق أساسية، ومنها ضمانات الدفاع والمحاكمة العادلة.
ثانياً: مبدأ عدم التراجع عن الضمانات المقررة (Non-Régression des garanties)
ينطلق هذا المبدأ من فكرة أن الحق الدستوري لا يمكن أن يُفرغ من مضمونه بقانون جديد، وخاصة إذا كان هذا القانون هو تنظيم لمهنة تؤثر مباشرة على ممارسة هذا الحق.
وقد كرّس القضاء الدستوري المغربي هذا المبدأ بوضوح في قراره عدد 23/17 الصادر في 06 يوليوز 2017، الذي نصّ على أن المشرّع يمكنه مراجعة تنظيم ممارسة الحقوق، مع احترام الأحكام الدستورية ذات الصلة وعدم التراجع عن الضمانات المقررة. وهذا المبدأ لا يعني الجمود التشريعي، بل يفرض المحافظة على الحد الأدنى للضمانات المكتسبة، أو تعزيزها إذا لزم الأمر.
ويُستمدّ هذا المنحى من الاجتهاد الدستوري الفرنسي أيضاً، كما في:
-قرار المجلس الدستوري الفرنسي 217-86 (18 شتنبر 1986): “يجوز للقانون أن ينشئ نصوصاً جديدة، شريطة ألا تؤدي إلى المساس بممارسة حق أو حرية ذات قيمة دستورية.”
-قرار المجلس الدستوري الفرنسي 577-2009 (03 مارس 2009): يؤكّد أن تعديل نصوص سابقة يظل مشروطاً بعدم الحدّ من الضمانات المشروعة للمتطلبات ذات الطبيعة الدستورية.
من هنا، إذا كان مشروع قانون المحاماة الجديد يقلّص من ضمانات استقلال الدفاع أو يضعها في موضع ضعف مقارنة بسابقاته، فإنه يكون قد وقع في تراجع غير دستوري عن ضمانات مقررة، ما يستدعي إعادة التفكير في مقتضياته.
ثالثاً: توازن الأسلحة واستقلال الدفاع
1. مفهوم توازن الأسلحة (l’égalité des armes)
يُعدّ توازن الأسلحة مبدأً أساسيًا في القانون الدولي لحقوق الإنسان وفي الاجتهاد القضائي الأوروبي، خاصة في سياق المحاكمات الجنائية. وبهذا المعنى، لا يكتفي المبدأ بالمساواة الشكلية بين أطراف الدعوى، بل يشترط توفير فرص متكافئة لكلا الطرفين لتقديم حججه والدفاع عن نفسه في ظل ضمانات فعالة.
وقد أكدت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في العديد من قراراتها على أن:
“توازن الأسلحة يعتبر عنصراً لا غنى عنه لضمان محاكمة عادلة، ولا يتحقق إلا إذا تمكّن المدافع أو ممثل الدفاع من ممارسة عمله بحرية واستقلالية”.
2. استقلال الدفاع في السياق المغربي
الحق في الدفاع، كما يستخلص من الفصل 120 من الدستور المغربي: الحق في الدفاع صلب المحاكمة العادلة. وفي الفقه الدستوري المقارن.
اذ لا يتم الاكتفاء بالوجود الشكلي للمحامي، بل يشترط استقلاله الفعلي عن أي تأثير خارجي، سواء كان إدارياً أو تنظيمياً، بما يمكنه من القيام بوظيفته دون قيود تُضعف من فعاليته.
وعليه، فإن أي نصّ جديد يقلّص من ضمانات استقلالية المحامي، أو يجعله خاضعاً لآليات يمكن أن تُقيّد دوره، بما يؤثر عملياً على توازن الأسلحة، يصبح مثيراً للشك الدستوري، لأنه يمسّ بمضمون الحق في الدفاع لا شكليته.
رابعاً: التوفيق بين النص القانوني والضمانات الدستورية
لذلك فان تقييم مشروع قانون المحاماة الجديد في ضوء ما سبق، يمكن الاستناد إلى المعايير التالية:
هل يحترم النص ضمانات استقلال الدفاع كما كانت منصوصاً عليها في القانون السابق؟
هل يؤدي النص إلى تراجع في فعالية هذه الضمانات أو إلى إضعافها؟
هل هناك مساس عملي بتوازن الأسلحة بين النيابة العامة والدفاع؟
هل توافقت مقتضيات النص مع مبادئ الديمقراطية التشاركية في إعداده؟
إذا كانت الإجابة عن أي من هذه الأسئلة سلبية، فإن المشروع لا يرقى إلى مستوى الضمانات الدستورية المطلوبة لتنظيم مهنة على صلة مباشرة بحق الدفاع.
ختاما ان تنظبم مهنة المحاماة، رغم كونه من التجليات الطبيعية لسلطة التشريع، لا يمكن فصله عن الضمانات الدستورية المرتبطة بالحق في الدفاع والمحاكمة العادلة. ومبدأ عدم التراجع عن الضمانات المقررة ليس مجرد قاعدة نظرية، بل هو معيار دستوري واجب التطبيق، يستمد قوته من الدستور المغربي ومن الاجتهاد المقارن،
وبناءً عليه، فإن أي مشروع قانون يؤثر في استقلال الدفاع أو في توازن الأسلحة، بتغليب النيابة العامة حتى وإن كان يملك مشروعية إجرائية، فإنه يطرح إشكالية دستورية حقيقية تستوجب الوقوف عندها بعين الفحص النقدي، مع الحفاظ على مبادئ العدالة والحكامة والديمقراطية التشاركية.

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *