التاريخ ،في المدرجات،مع المتفرجين

رمضان مصباح

استيقظتُ اليوم أسدا؛هممتُ بمناداة الزوجة، فأحسست بهجمةِ زئير في الحلق ؛سرعان ما خنقتُها.
رباه ما هذا الذي أصبحتُ عليه ،بعد سهرة أسود الأطلس ،التي رقصتْ فيها الأقدام حد انكسار جميع الأقلام غيرة؛ هي التي عجزت عن الهاب حماس القراء؛ولو مائة من مليون.
هاهم يفعلون بالأقدام ما لم تفعله حتى جيوش فرنسا بالإعدام؛فمرحبا بالاحتلال الكروي ؛مادمنا قل ما نفسح للاحتلال العلمي ؛لا نطأ قمرا ،ولا مريخا ؛إلا نعيم السماء؛ أمانِي ليس إلا.
وحتى ان فعلنا ،فمرحبا بالاحتلال الكروي ؛لأنه مِهماز للشعوب ،وجذوةٌ يجب أن تظل مشتعلةً ؛في الملاعب ،كما في القلوب.
وان انطفأت تكلسنا.
أكرم به من احتلال ،لا يُكفِّر أحدا ،ولا يُدخل إلا الى نار أو جنة الملاعب .
مقابلاتٌ رائعة،تفتِل الكرة حبالا ،فتلتفُّ حول أعناق الملايين؛وهلم رقصا وتفريغا.
لولا المستديرة لتوالى انْضغاط الفتوة والعنفوان حد الانفجار؛ولهذا فهي هنا ؛ولها من الخَلق الحيواني الضَّراغم ،وأيُّ خَلْق هي.
ولو كان با لأطالس، الشماء والفيحاء،ما كان بها من أسود ،لحضرت الى الملاعب مهاجمة،وزئيرُها يَصَّعَدُ الى السماء؛مُجرِّدة الظفر والناب لتبارز :
أسود تتفرج على أسود؛لترى أحقا هي أم ليست هي و:
هزبر مشى يبغي هزبرا وأغلب…من القوم يغشى باسل الوجه أغلبا

تصرخ ألحناجر حد انخلاع حبالها الصوتية؛تشكو الأدمغة هول « الديسيبل » الكروي ،ووقعه على طبلات الآذان ،ولا من ينتبه الى شكاة دماغه ،ونزيفه حتى.
وعُلقت العيونُ هواها ،كرتَها تَروغ بين الأقدام ؛مِكرَّة مِفرَّة،مُقبلة ومدبرة معا؛كقلب نحلة تسرحُ،حيث تعانقت بساتين الأزهار،أصنافا شتَّى.
أما الغانيات ،الفاتنات، فيتمايلن في المُدرجات ،في عنفٍ أنثوي شهِيٍّ ؛يراقصن نوايا اللاعبين قبل أقدامهم.
مرة أخرى أكرم بها كرةً ما تركت أنثى في المنزل لبعلها ؛وما أبقتْ على ذكوريتها التليدة، رغم اسمها المؤنث.
خرجنَ الى الملاعب ،حيث تلتفُّ الساق بالساق ،والعيونُ بالمساق ؛بين الميمنة والميسرة ،والوسط ؛ومنه ميلاد الوثبةِ القاتلة صوب مرمًى ؛وان بعُد تقرِّبه الخِفة ثم الوطأة الى أن يتلاشى حارسُ المرمى في وهمه ؛وتكون الواقعةُ.
تنبضُ خريطة الوطن كلها ،اذ تقع الواقعة ؛ وتفرح الجغرافية حد الرعشة ،وهي ترى التاريخ ،في المدرجات مع المتفرجين.
كنا هكذا دائما ،وان لم نكن نلعب الكرة – فقط – مثلكم.
لا يهم ما يجمعكم ،ويُحمسكم ويُقويكم ؛المهم أن يَحصُل كل هذا ؛لأن الوطن هو دائما اللاعب رقم :12؛يتواجد حتى الى جانب حارس المرمى ،لحظة الشدة.
فارسٌ شاكي الخفة والذكاء ،وهو يحرُس الثغر.
وهو اللاعب الذي لا يستطيع اقصاءَه أحدٌ؛ولا حتى الصراخ في وجهه ،كما الركراكي مع خيوله.
أينكِ يا امرأة؟
شردتُ ،بهيبة أسد ،ووطأته وزئيره ؛وقاومْت لأظل في ملاعب الكرة فقط ؛وان كانت الأدغال تناديني ،لأنضم الى الأسود في عودتها ؛مُكللة بفرح النصر ،ووجود اخوةٍ لها بين البشر ،بل بين الشعب المغربي.
وقاومتُ لكي لا أنساق للتاريخ ،وأغوص معه في مجلد الأمجاد ؛وهي كموج المحيط ،لا يمكن أن يعيدك الى الشاطئ سالما.
وها أنا أزأر ،بفصاحة أسد ؛حد ارتجاج العمارة.
أينك؟ ماهذا الذي يحصل لي؟
وأقبلت لبُؤة ،هي الأخرى ،لتسألني :
أين لبؤات الأطلس،لأعود معهن الى العرين.؟
هممتُ بالزئير احتجاجا ،لكني تبَهْنسْتُ كأيِّ أسد في حضور أنثاه.
سنعود جميعا الى الأدغال ؛لكن قبل هذا دعينا نكمل فرجة الكان.
كشَّرتْ فخِفتُ.
ونهضتُ من حُلمي الكروي ؛وليس في أنفي غير رائحة القهوة الشهية ؛تُعِدها لبؤتي في المطبخ.
ودام النصر لنا.



Aucun commentaire