Home»Débats»الحركة الإسلامية : من الذكر إلى الفكر

الحركة الإسلامية : من الذكر إلى الفكر

0
Shares
PinterestGoogle+
 

بقلم د. محمد بالدوان
bouddiouan76@gmail.com
لا أتصور وجودا للحركة الإسلامية في غياب أحوال الذكر، كما لا أتصور استمرارا وتمكينا لأنصارها في غياب إبداع الفكر، بل إن ضمور الفكر وما يتبعه من غياب عن الواقع قد يعصف بإشراقات الذكر ومقامات القرب.
وإذا كانت فضائل الذكر تَعْرُج بالذاكر في السماوات وتدنيه من حقائق الآخرة، فإن أنوار الفكر تهدي السالك إلى السهل من الأرض، وتشغله بتفاصيل الدنيا. فهل ترْعى الحركة الإسلامية هذا التوازن؟
لن أتناول خمول فكر الحركة الإسلامية إزاء العلوم الشرعية أو الفقه السياسي، وإن كنت سأستحضره منهجيا بحكم تشابك الموضوعات، بل سأتناول إجمالا تفاعل الحركة الإسلامية بأهم تطورات واقع القرن 21م، وعجزها عن الارتقاء بالتنظير إلى أطوار جديدة بعد طور التخلق خلال القرن الماضي.
حين تتأمل طبيعة الاهتمامات والموضوعات التي تستأثر بالنقاش عند بعض أنصار الحركة الإسلامية تصدمك حقيقة؛ الواقع يسير بسرعة الضوء والحركة الإسلامية تراوح مكانها إن لم أقل بأنها تحيى مقيدة بأغلال الماضي.
منذ مدة قصيرة أثارني أحد أصدقاء العمل بنقاش حين شَبّه من يعكف على الحاسوب في يوم الناس هذا بالعاكفين على الأصنام في الماضي. ذُهلت من قوله لكني أخفيت عنه دهشتي، وسرعان ما تدخلت بعد مواصلته الحديث عن العاكفين على التلفاز لمشاهدة الأفلام والمسلسلات التي أبدى تحفظه منها أيضا.
بدأت التفاعل معه من حيث انتهى، بعد أن اتفقنا على خطورة إدمان المشاهدة، إذ قلت: أتدري لم هيمنت المسلسلات والأفلام الغريبة عن ثقافتنا المغربية والإسلامية؟ لأن واقعنا يكاد يخلو من إبداع فني تؤطره رؤية مغربية وإسلامية. قال: لا أحد يعمل من أجل ما تصبو إليه. فقلت: لم لا تكون أنت أو تشجع آخرين على هذا الفعل، إذ المعضلة الكبرى تكمن في الاتفاق على هذا المبدأ البَنّاء ومنه تكون البداية، وفي التوقف عند منطق الرفض وخطاب الهدم، وإن كنا نشهد في الآونة الأخيرة حركة فنية فهي تفتقر إلى مقومات التنافسية تقنيا وأدبيا ورمزيا.
الشاهد عندي من هذا الحوار هو أن قطاعا عريضا من الحركة الإسلامية يعيش حال ذكر أفضت  به إلى حلول في الآخرة وانفصام نكد عن الدنيا؛ حالٌ دفعته إلى الاستغراق في الموعظة والخطاب المباشر الذي لم يعد يدفع ولا ينفع مع تطور الاكتشافات في عوالم النفس والآلة والتواصل.
وحتى المحاولات الاستدراكية تظل محدود ومحتشمة، ألم تر كيف جعل « فيديو كليب » بعض القنوات الملتزمة الأسرة الملتزمة يتيمة الأم بتغييب المرأة عن الظهور، أو بإظهارها لماما؟ ! قد يرجع الأمر إلى رؤية درامية ما ! لكن الراجح عندي هو أن ثمة تخوف من عرض المرأة على الأثير، وربما كان الدافع نية التقرب إلى الله من منطلقات ترك الشبهات وسد الذرائع وتفادي الفتنة! بيد أن الذي يواكب الدراسات المعمقة عن فعالية الصور والرموز واللاوعي يدرك أن من أعظم القربات إلى الله في زماننا هي جعل صور المرأة الملتزمة تغزو المشهد الفني والإعلامي. لماذا وكيف؟
صارت الصورة بألف أو مليون كلمة، ذلك أنها تشكل الجزء الأكبر من الوعي، وتستقر في اللاوعي ما شاء الله أن تستقر، ثم تضع بصمتها على السلوك ولو بعد حين.
سؤال :  لماذا يعيش بعض الناس، ومنهم منتسبون للحركة الإسلامية، تناقضا بين الخطاب والممارسة؛ يعلمون قول الله ورسوله ويأتون أحيانا سلوكا مناقضا للدين؟ إن أقصى ما يمكنك الإجابة به وصف ذلك بالنفاق. لكن إذا تريثت وتبصرت الوضع اكتشفت أن في هذا الحكم كثيرا من التسرع والجهالة والظلم، لأن هؤلاء الناس باتوا ضحية غزو الصورة التي ملأت اللاوعي الجماعي وأجبرت القوم على ممارسة سلوك مناقض لمقتضى ما يحويه وعيهم من قيم وعقائد.
يعتقد كثير من أبناء الحركة الإسلامية أن أعظم الأعمال موعظة تُذْرَف لها الدموع أو خطبٌ يزينها البلاغ المبين، بينما يُعد عجز الحركة الإسلامية عن مضاهات ما تبثه التوجهات اللادينية من رسائل قوية باتت تملأ مساحات اللاوعي، إخلال بوظيفة « البلاغ المبين ».
حين ترى صور العراء تملأ الدنيا فكيف تتردد ببث صور الحجاب؟ ! وإذا سمعت بممثلات عاريات عاريات مُنحن ألقاب نجمات الدنيا فأنى لك الارتياب من جعل المرأة الغيورة على دينها والحريصة على شرفها أيقونة الأثير في الصباح والمساء؟ !  وكم من طفلات موهوبات اعتزلن الغناء بعد أو حتى قبل بلوغهم الحلم؟ ! وكم من امرأة تتقرب إلى الله بالمكوث في بيتها، ولو رأت ما في الإنتاج الاقتصادي والعمل السياسي والفني من خير، لعلمت أن في تقربها ابتعاد؟ !
إن الطور الجديد الذي تعيشه الحركة الإسلامية لا يجزي فيه أخذ مسافة من الواقع ثم توصيفه بالفجور السياسي على حد تعبير المرحوم فريد الأنصاري، بل يفرض على الحركة الإسلامية اقتحام الواقع والحلول في تفاصيله رافعة شعار: » ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ » على حد تنظير الدكتور أحمد الريسوني.
إن أكثر من يحول دون هذا الانتصار المنشود شباب وأنصاف علماء يثيرون معارك عن حِرمة التصوير ومشروعية التمثيل والغناء وظهور المرأة وصوت المرأة…، وينسحبون من معارك حقيقة وحاسمة تدور حول تطوير التصوير من تقنية الدقة المتناهية إلى الأبعاد الثلاثية(3D) ومن الأبعاد الثلاثية إلى الأبعاد الرباعية(4D) وتقنيات أخرى لا تكف عن التطور. فكيف لأمثال هؤلاء أن ينهضوا بالأمة وهم يجهلون مكان المعركة ولا يملكون أسلحتها الفتاكة؟ !  بل وأنى لهم التأثير في عصر الصورة وهم لا ينتجون الصورة، ويجهلون تأثير اللاوعي في السلوك؟ !
أعلم أن الإبداع على هذا المنوال شاق وصعب، لكن حسبي أن أشير إلى نقطة الانطلاق، إذ في غياب أي تحيين للفكر الإسلامي حيال التطورات السريعة في عصر الصورة سيُلحِق بالمنتسبين للحركة الإسلامية لا محالة فراغ روحي وفشل سياسي، ولا مفر لهم من مآل الانصهار بمجتمع تصنعه الآلة الرقمية، إلا بامتلاك ناصية الآلة والحلول في هذا الواقع قبل الانحلال فيه وهم لا يشعرون.

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée.