انقراض الاحزاب.

إن الضرورات التي أوجدت الاحزاب في العديد من البلدان تكاد تنتفي ،المعسكرات شرق غرب انمحت ، تبدلت العلاقة بين العمال وأصحاب رؤوس الاموال ولم تعد ذات بال(تظاهرات فاتح ماي الباهتة نموذجا رغم كل آليات التجييش ) ، واللوبيات المصلحية النفعية طغت على العديد من التجمعات، والرابط الفكري اللإديولوجي انمحى وأصبح بضاعة مشتركة عند بائعي الكلام والأوهام،والرؤيا والمرامي لأي تجمع لم تعد واضحة. واليوم نرى منخرطون في الاحزاب تنطبق عليهم مقولة « كل حزب بما لديهم فرحون ».
إن الهرطقات والبدع العجيبة للعديد من الاحزاب السياسية مآله زوالها،والكذب الممنهج واستغفال الاتباع وفرض الصالح الخاص على العام بدعوى أنها السياسة وليست من السياسة في شيء.وأن السكوت ليس بالضرورة معناه الرضى بل هي نار تحت رماد.وقديما كان يقال السياسة أخلاق ،أما البدع اليوم والمفاهيم المقلوبة أصبحت تدعو النزق سياسة ،والشطحات الغير محسوبة رؤيا ،والضحك على الذقون نباهة،والفساد والنهب ذكاء ودهاء .كما أن خلق الاحزاب وجعل زعامات ورقية على رأسها كآلية من آليات التسيير في الانظمة والتنويم المجتمعي لا يمكن أن يطول مفعولها إلى الابد.وقيل قديما إذا اسندت الامور الى غير أهلها…وهذا أمر ساري في جميع امم الارض حاليا وإننا نبشر أننا امام فجر جديد سوف تتبدل فيه العديد من المفاهيم .السؤال المحوري فقط هو كيف .هل بطريقة تدريجية سلسة أم بطريقة انقلابية بكل ما تعنيه كلمة انقلاب من حمولة.
تتجه المجتمعات بكل وضوح الى التقوقع والتفاخر بالأمجاد وتجديد النعرات (روسيا تركيا النازية ايران مصر…) كما أن العودة الى التدين أصبح جليا ومطلبا للتقدم والرفاه وبحث عن المصداقية والصدق وليس العبادة فقط كما يتوهم البعض أونتيجة للفقر والقهر،رغم التجمعات الاقتصادية والمصالح المشتركة الضاغطة والاتفاقيات المكبلة .وعصر المبادئ والايديولوجيا في أفول من جديد.وتتشكل قوى اقليمية وتجمعات اقتصادية جديدة .أما النظريات الاقتصادية أو الايديولوجيات القائمة لم تعد مسايرة.والقوى الصاعدة سيكون لها عما قريب رأي يحترم بقوة الاشياء. وكل هذه التغيرات لا بد وأن تكون لها تداعيات.
لكل مجتمع تشكيلاته وصيروراته ففي المغرب مثلا منذ الاستقلال تم تذويب المجتمع القبلي بدهاء لفائدة الاحزاب سواء كانت صادقة ام لا وبقصد او عن غير قصد.وساعد نظام التعليم والوظيفة العمومية وتطورات المجتمع والإعلام والمنظومات السياسية الغربية في الخلط والتخليط والتذويب المجتمعي.ومنذ ذلك الحين شهد المغرب توالد الاحزاب وانقسامات الكبيرة منها وتقزيم الفاعلة وتضخيم الخاوية منها وقتل الاحزاب المؤدلجة لفائدة الاحزاب الادارية ،وفي كل مرة خلق معادلة تمكن النظام المخزني بالتسيير وفق معادلات يكون قد قررها باقتدار.
وفي منظورنا نقول أن المخزن كان له الحق في القيام بتلك المعادلات لان جل القوى السياسية لم تكن وصلت سن الرشد وإن شئنا القول ربما لم يترك المخزن لها المجال لبلوغه. وبالنظر الى الوراء كانت الاخطاء متراكمة من كل الفاعلين وكانت فكرة الانتماء لهذا المعسكر او ذاك هي السائدة والحتمية مع كل ما لها من تداعيات.مع اغفال الحقائق السوسيولوجية لهذا المجتمع.
ان آليات الاستقطاب لدى الاحزاب ستبقى جد محدودة إذا ما قررنا أن الاحزاب كانت العضوية تنبني فيها على المصلحة والريع بكل تلاوينه. وليس على ما يقدم للوطن والمواطن ،حيث أصبحت المعادلة هي المصلحة الشخصية ،ثم الحزبية ،ثم الوطنية ،اي من الفرد الى الجماعة وهو ما لا يمكن أن يستقيم حيث تولدت عنها تغول الافراد وتكديس الاموال عند القلة وتجميع السلطة والمال في ايدي فئة قليلة وجعلوا من الشعوب خدم أو عبيد. بمباركة الزعماء الحزبيين المشبعين بروح السياسة التي ليس لها أخلاق.
لقد أصبحت الخطب في الجماهير هي الشجاعة والقول بالغير ممكن قبل الممكن والوعود وبيع الاحلام هي ديدن هذه الزعامات .ولا ضير أن يقولون ما لا يفعلون.تلكم هي السياسة . ولكن كما يقول المثل الشعبي « إني أكذب فيصدقوني ،فيقال وسيأتي يوما تقول الحقيقة ولا تصدق ».لقد أفرغت الاحزاب من سحرها ومن لبها ولم يعد أتباعها إلا من…..والمغفلين.قد يمضي هذا الجيل الذين آمن بالعمل الحزبي والمنتفعين الجدد قبل ان تنمحي فاعلية هذه الاحزاب بصفة عامة.
ويبدوا اننا سنعيش عصر النظريات الجديدة عما قريب ،وكل الصراعات الحزبية وحتى من قبل الانظمة هي صراعات بقاء،وليست مناظرات فكر وبرامج .ستكون هناك فئة في كل نظام من اهل الحل والعقد كما ستكون هناك لجان حكماء شهد لهم بالعفة والحكمة ونقاء اليد وحب المصلحة العامة.ستكون هناك جماعات بأذرع سياسية قد تسمى احزابا .قد تكون هناك بناءات تمثيلية هرمية نواتها الحي ثم مجموعة احياء ثم مجمع سكني كقرية او مدينة. وهي بديل جديد للنظام القبلي الذي كان سائدا أملته الحياة العصرية الجديدة. مع عدم اغفال السلطة الاعلامية والمعلوماتية التي تشكلت وأصبحت تشكل الرأي العام ،وإن كانت هي الاخرى تشهد انحرافات مروعة لا بد أن يكون لها أفعال ارتدادية.
في انتظار بزوغ نظريات جديدة تأسس لنظام عالمي جديد وطرق تسيير الشأن العام في الدول تلكم بعض ما أوحت به معارضة الاحزاب الحانوتية وبعض الاحزاب الديناصورية التي ركبت على رأسها كائنات انتهازية ،تنظر من ثقب لمصالح الاوطان والعباد.


1 Comment
جزآك الله يا أخي والله إنها الحقيقة التي نعيشها. واقف فقط عند جزء من عرضك القيم وهو الخاص بالفئة التي تكون الحزب في وقتنا الحاضر من أعلى الهرم الحزبي إلى قاعدته. فمن نجد اليوم يمثل الحزب …ويسمي نقسه مناضلا فيه… بل محتالا هذا هو الاسم الذي يجب أن يسمى به هؤلاء الوافدين التائهين المتسلطين.حيث انك لو تتبعتهم في حياتهم اليومية ما وجدت مثقال ذرة مما يتفوهون به أمام الملء من س س سننفعل وووو نقوم ووو…. وهو لا يقوم حتى بعشرة في المأة مما يجب ان يقوم به في عمله الذي يتقاضى عليه أجرا شهريا وهو أجر كبير مقارنة مع الوضع الراهن.. فأقول لرؤساء الأحزاب…. اختاروا من تودون أن يشهر لأحزابكم إن أردتم استقطاب المنخرطين فهناك من ينفر بسبب سوء أخلاق وسلوك الذي ظننتم انه سيجلب لكم منخرطين.