Home»Débats»الخيط الرفيع الذي يفصل بين مسؤولية الزواج …..وحرية العزوبية

الخيط الرفيع الذي يفصل بين مسؤولية الزواج …..وحرية العزوبية

0
Shares
PinterestGoogle+

الكاتب : سعيد حجي

في اللحظة التي كنت فيها جالسا أصغي إلى عظامي، وأحاول في الوقت نفسه إجراء مقارنة بسيطة بين السعادتين اللتين ينعم بهما المتزوجون والعازبون، كنت لا أزال أقلب أخماس هذا الطرح الفلسفي أسداسا، وأتساءل عن طبيعة السعادة التي يمنحها الزواج للإنسان، وعن تلك التي يحتفظ بها العازب لنفسه بعيدا عن الالتزامات العاطفية والاجتماعية. وهو نقاش قديم لم يحسمه الفلاسفة والمفكرون، إذ ظل بعضهم يرى في الزواج استقرارا وامتدادا طبيعيا للحياة الإنسانية، بينما وجد آخرون في العزوبية مساحة أوسع للحرية والتأمل والانصراف إلى شؤون النفس. وقد بلغ الأمر بأحدهم أن اختار البقاء أعزب طوال حياته، دون أن يعير اهتماما لجارته التي اعتادت أن تطل عليه من شرفتها، منتظرة منه التفاتة أو إشارة اهتمام، حتى ملت من طول الانتظار، وصارت تطلق عليه، في مجالس صديقاتها، لقب « العانس ».
كنت غارقا في هذه التأملات، وقد نشرت ساقي في الشارع، أرتشف من كأس شاي بارد منذ ساعات الصباح، حين مر أمامي زوجان بدا من مظهرهما العام أنهما لا يزالان في مقتبل العمر. كانا شابين في الظاهر، غير أن ملامحهما المكدودة، وطريقة مشيهما، والتجاعيد المبكرة التي ارتسمت على وجهيهما، أوحت إلي بأنهما حملا من أعباء الحياة ما يكفي لزيادة سنوات كثيرة على عمريهما الحقيقي. لقد كان في وجهيهما شيء من التعب الذي لا تمنحه السنون وحدها، وإنما قد تتركه أيضا الخلافات اليومية، والخيبات المتراكمة، والحياة المشتركة حين تتحول إلى سلسلة من المشاحنات التي تستنزف الأعصاب وتطفئ ما تبقى من رغبة في الابتسام.
كان الرجل يسير أمام زوجته بخطوات سريعة ومضطربة، محاولا ضبط أعصابه وتجنب الالتفات إليها، فيما كانت هي تسير خلفه، تجر طفلين صغيرين، أحدهما قد سقط سرواله، والآخر حافي القدمين، يبكي بشدة ويكاد يتعثر من فرط التعب. كانت الزوجة تطلق في وجه زوجها وابلا من العبارات الجارحة والكلمات النابية، وتلاحقه بسيل من الاتهامات، بينما كان هو يحاول مواصلة السير، وقد بدا عليه الضيق والارتباك. أما الطفلان، فقد كانا يهرولان خلف والديهما بصعوبة، يتعثران بين خطواتهما القصيرة وبكائهما المتواصل، في مشهد يثير الشفقة أكثر مما يثير الفضول.
لم أكن أعرف شيئا عن التاريخ السري لهذه العلاقة، ولا عن عدد الخلافات التي سبقت هذا الصباح، ولا عن الأسباب التي جعلت الزوجين يخرجان إلى الشارع محملين بكل ذلك الغضب. فالحياة الزوجية لها تفاصيلها المغلقة، وأسرارها التي لا يعرفها المارة، وقد يكون وراء مشهد واحد سنوات من سوء الفهم، والشكوك، والعتاب المؤجل، والكلمات التي قيلت في لحظات الغضب وظلت عالقة في الذاكرة. ومع ذلك، كان في وسعهما أن يناقشا خلافهما داخل المنزل، بعيدا عن أعين الناس، وأن يمنحا طفليهما قدرا من الحماية النفسية التي يحتاجان إليها في مثل هذه السن المبكرة. فالأطفال لا يملكون أدوات فهم النزاعات العاطفية المعقدة، لكنهم يملكون ذاكرة شديدة الحساسية، تختزن نبرة الصوت، وملامح الغضب، ودموع الأم، وانفعال الأب، وقد تحمل هذه الصور معهم سنوات طويلة دون أن يدركوا أسبابها الحقيقية…
وبينما كنت أتابع المشهد، وصلت إلى مسامعي بعض العبارات التي كانت الزوجة ترددها في وجه زوجها، وهي في حالة من الغضب الشديد. كانت تصفه بالنسونجي، وتتهمه بأنه يقيم علاقة عاطفية مع فتاة افتراضية، وأنها اكتشفت الرسائل الغرامية التي كان يتبادلها معها. عندها بدأت تتضح لي بعض خيوط الحكاية. يبدو أن السيد قد ارتكب حماقة عاطفية، وفتح لنفسه نافذة على علاقة افتراضية ظن أنها ستظل بعيدة عن أعين زوجته، قبل أن تتحول رسائله الغرامية إلى مادة لإشعال حرب منزلية خرجت هذه المرة إلى الشارع…
تأملت الأمر قليلا، وتساءلت عن تلك المفارقة التي يعيشها بعض الناس، فقد يمتلك الإنسان بيتا وزوجة وطفلين، ويكون محاطا بما يسميه المجتمع الاستقرار الأسري، ثم يغامر بكل ذلك بحثا عن اهتمام عابر أو إعجاب افتراضي يأتيه من خلف شاشة هاتف. وربما كان يظن أن الرسائل المتبادلة ستمنحه شعورا متجددا بالشباب أو الأهمية، دون أن ينتبه إلى أن الثقة الزوجية، حين تتصدع، تحتاج إلى جهد طويل لترميمها… فالخيانة العاطفية، حتى حين تبدأ بكلمات مكتوبة على شاشة، قد تترك في الطرف الآخر جرحا عميقا، لأنها تمس ذلك الشعور بالأمان الذي تقوم عليه العلاقة الإنسانية بين شخصين تقاسما البيت والخبز والسنوات والأطفال.
ومع ذلك، بقي الطفلان أكثر ما يشغلني في ذلك المشهد. كان أحدهما يحاول السير وسرواله متدل، فيما كان الآخر يبكي بشدة، وقد بدا عليهما العجز عن استيعاب ما يحدث حولهما. لم يكونا طرفا في تلك الرسائل الغرامية، ولم يشاركا في صنع الخلاف، ولم يكن لهما أي ذنب في الاختيارات العاطفية لوالديهما. ومع ذلك، كانا يقفان في قلب المعركة، يتلقيان آثارها النفسية والجسدية، بينما ينشغل الأب بالدفاع عن نفسه، وتنشغل الأم بتفريغ غضبها. وقد تساءلت في نفسي: كم من طفل اضطر إلى مشاهدة والديه وهما يتبادلان الإهانات، ثم عاد إلى غرفته ليحاول فهم سبب ذلك الخوف الذي استقر في صدره؟ وكم من إنسان كبر وهو يحمل في ذاكرته مشاهد طفولة لم يستطع التخلص منها، حتى صارت تؤثر في علاقاته ونظرته إلى الزواج والحب والثقة؟
إن بعض الآباء والأمهات ينسون، في لحظات الغضب، أن الأبوة والأمومة مسؤولية أخلاقية ونفسية تتجاوز الخلافات الشخصية. فالطفل لا يحتاج إلى والدين كاملين، ولا إلى منزل خال من المشكلات، وإنما يحتاج إلى حد أدنى من الاحترام المتبادل، وإلى شعور بأن العالم الذي يعيش فيه آمن، وأن خلافات الكبار لن تجعله مضطرا إلى الاختيار بين أبيه وأمه. وقد تكون كلمة جارحة يسمعها في الشارع أشد رسوخا في ذاكرته من عشرات النصائح التي يتلقاها في المدرسة، لأن ما يصدر عن أقرب الناس إليه يترك أثرا مختلفا في تكوينه النفسي.
وبينما كانت فصول النزاع تتوالى أمامي، كان عشرات المارة قد توقفوا لمتابعة المشهد. بعضهم كان يراقب بصمت، وبعضهم يتبادل النظرات والهمسات، وربما كان آخرون قد وجدوا في الخلاف مادة جديدة للحديث في مجالسهم. أما أنا، فقد كنت أجلس في مكاني، أتابع هذه المسرحية اليومية التي تقدمها الحياة دون تذاكر دخول، وأفكر في تلك المقارنة التي بدأت بها صباحي بين سعادة العازبين وسعادة المتزوجين. لقد كنت أبحث عن إجابة فلسفية، فإذا بالشارع يضع أمامي نموذجا حيا يدفعني إلى إعادة النظر في السؤال كله.
ومع أنني أعلم أن ما شاهدته لا يمثل جميع الزيجات، وأن هناك بيوتا يسكنها الود والرحمة، وأزواجا يجدون في بعضهم السند والسكينة، فإن مشهد هذا الصباح كان كافيا لإثارة شيء من الخوف في نفسي. فالزواج قرار كبير، تتداخل فيه العاطفة والمسؤولية والقدرة على التفاهم والصبر، وقد يدخل إليه الإنسان محملا بتصورات رومانسية، ثم يكتشف أن الحياة المشتركة تحتاج إلى مهارات نفسية وأخلاقية لا توفرها شهادة الزواج ولا مراسم الاحتفال. فالعيش تحت سقف واحد يتطلب قدرا من النضج، والقدرة على إدارة الخلاف، وضبط الانفعالات حين تتوتر العلاقة.
أما العزوبية، فقد بدت لي في تلك اللحظة أكثر هدوءا وأقل ضجيجا. لا أحد يفتش في هاتفي، ولا أحد يلاحقني باتهامات النسونجية، ولا طفل يركض خلفي حافي القدمين، ولا زوجة تنتظر مني تفسيرا لرسالة غرامية وصلتني في منتصف الليل. لدي كرسي، وكأس شاي بارد، وبعض الأفكار التي لا تنتهي، وربما بعض الهدوء الذي يستحق أن أحافظ عليه…
وهكذا، انتهى بي المطاف إلى إعادة النظر في أطروحتي الفلسفية، وقلت في قرارة نفسي، وأنا أتابع الزوجين وهما يبتعدان عن المكان: إذا كان الزواج سيأتي بكل هذا الصراخ والإنهاك والخصام، فإني أرجو الله أن يتركني عازبا إلى يوم القيامة!

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *