لَا وَزْنَ وَلَا هَيْبَةَ وَلَا عَسَلَ… دِبْلُومَاسِيَّةُ الْجَزَائِرِ فِي مِرْآةِ السُّخْرِيَّةِ « لافروف »: بَيْنَ مَعَايِيرِ « الْبِرِيكْس » وَ »عَسَلِ » بَامَاكُو.. قِرَاءَةٌ فِي تَهَاوِي الْخِطَابِ الدِّبْلُومَاسِيِّ الْجَزَائِرِيِّ أَمَامَ الرُّوسِ

عبدالقادر كتـــرة
في عالم الدبلوماسية رفيعة المستوى، تُقاس الكلمات بميزان الذهب، وتُبنى المواقف على أوراق القوة والمصالح الاستراتيجية لا على الحكايات الطريفة والهدايا الرمزية. غير أن اللقاء الأخير الذي جمع وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف بنظيره الروسي سيرغي لافروف في موسكو، يوم 27 أكتوبر 2026، كشف عن مفارقة صارخة؛ إذ سعى رئيس الدبلوماسية الجزائرية إلى استعراض «إنجاز سياسي» عبر حكاية صيغت بقدر كبير من الخفة، ليجد نفسه واقعاً في فخ نصبه بلسانه، ويتحول الموقف الرسمي أمام الكاميرات إلى مادة للتندر والسخرية بفضل جملة واحدة قاطعة من الوزير الروسي.
السقوط في فخ الحكاية: دبلوماسية «الأربع قنينات»
أراد أحمد عطاف، وهو يجلس قبالة واحد من أكثر وزراء الخارجية دهاءً وبراغماتية في العالم، أن يبرهن لموسكو أن الجزائر استعادت زمام المبادرة في علاقتها المتوترة مع جمهورية مالي، الحليف العسكري الأبرز لروسيا في منطقة الساحل. وبدلاً من تقديم معطيات سياسية أو أمنية تعكس ثقل الدولة الجزائرية في ملف حدودي بالغ الحساسية، اختار عطاف أن يختزل أربع سنوات من القطيعة والتصعيد مع باماكو في تفصيل شخصي أشبه بطرائف الصالونات، معلناً بحماس باللغة الإنجليزية أنه تلقى «إشارة سياسية قوية جداً» من وزير خارجية مالي عبد الله ديوب، تمثلت في إرسال «أربع قنينات من العسل» لأول مرة منذ أربع سنوات.
بهذا الطرح، وضع عطاف نفسه ودبلوماسية بلاده في زاوية ضيقة؛ ففي محاولته الإيحاء بأن باماكو هي التي تخطب ود الجزائر بالهدايا، أو في استصغاره للأزمة عبر اختزالها في عبوات عسل، قدّم لنظيره الروسي مادة دسمة للسخرية على طبق من ذهب. لقد نسي الوزير الجزائري أنه يتحدث أمام دبلوماسي لا يعترف إلا بلغة الميدان وموازين القوى، فكان السقوط في فخ الحكاية مدوياً ومباشراً.
صفعة لافروف.. حين يتحول المشهد الرسمي إلى مسرح للتهكم
لم ينتظر سيرغي لافروف حتى يُكمل عطاف نشوته بتكرار عبارة «لأول مرة منذ أربع سنوات»، بل قاطعه بابتسامة ساخرة وتعليق مقتضب أصاب كبد الحقيقة السياسية: «عليكم أن تنتجوا عسلكم بأنفسكم!».
في ثوانٍ معدودة، انقلب المشهد رأساً على عقب؛ ضجت قاعة الاجتماعات بضحك الوفدين، وتبخرت الهالة التي حاول عطاف نسجها حول «الإشارة السياسية القوية»، ليجد نفسه مضطراً للضحك مداراةً للإحراج البالغ. لم تكن عبارة لافروف مجرد دعابة عابرة حول منتج غذائي، بل كانت صفعة دبلوماسية ناعمة تحمل في طياتها استخفافاً واضحاً بطريقة تفكير الدبلوماسية الجزائرية؛ فكأن وزير خارجية روسيا يقول لنظيره الجزائري علناً: إن الدولة التي تعجز عن إنتاج أوراق قوتها وحلولها الذاتية، وتنتظر أربع سنوات لتفرح بأربع قنينات عسل من دولة جارة، لا يمكنها أن تتحدث بلغة الكبار أو تدّعي قيادة الإقليم.
لقد جرّد رد لافروف رواية الوزير الجزائري من أي قيمة سياسية، وحوّلها أمام الرأي العام الدولي والإقليمي إلى نكتة دبلوماسية تُظهر الجزائر في مظهر الدولة التي تقتات على الفتات البروتوكولي وتعتبره نصراً استراتيجياً، فضلاً عن الإهانة الضمنية المتمثلة في تذكير نظام نفطي وغازي بأنه عاجز عن تحقيق اكتفائه الذاتي حتى في أبسط المواد، سواء بالمعنى الحرفي الاقتصادي أو بالمعنى المجازي السياسي.
من صدمة «البريكس» إلى سخرية «العسل»: نظرة روسية لا تتبدل
لا يمكن قراءة هذه الواقعة بمعزل عن سجل طويل من المواقف الروسية التي تعكس حقيقة نظرة الكرملين إلى الوزن الفعلي للجزائر، بعيداً عن شعارات «الشراكة الاستراتيجية» التي يروج لها الإعلام الرسمي الجزائري. وتعيد هذه السخرية اللاذعة إلى الأذهان التصريح الشهير والصادم لسيرغي لافروف نفسه عقب إقصاء الجزائر ورفض طلب انضمامها إلى تكتل «البريكس» في قمة جوهانسبورغ عام 2023.
يومها، وبعد أشهر من الضجيج الإعلامي الجزائري والتأكيدات الرسمية بأن مقعد «البريكس» مضمون بفضل الدعم الروسي، خرج لافروف ليضع النقاط على الحروف ببرود قاتل، موضحاً أن اختيار الأعضاء الجدد في التكتل خضع لمعايير صارمة تقوم على «الوزن الاقتصادي والسياسي، والهيبة، والمواقف الدولية المؤثرة»؛ وهي الكلمات التي تُرجمت في الأوساط السياسية والإعلامية الدولية آنذاك بأنها إعلان روسي صريح بأن الجزائر تفتقر إلى الوزن، وتنقصها الهيبة، ولا تملك مواقف دولية مؤثرة تؤهلها للجلوس على طاولة الكبار.
واليوم، يتكرر المشهد ذاته في موسكو ولكن بصورة أكثر هزلية؛ فالدبلوماسية التي صُدمت بالأمس القريب بغياب «الوزن والهيبة» في ميزان التكتلات الاقتصادية الكبرى، عادت لتؤكد هذه الحقيقة بنفسها أمام لافروف حين جعلت من «أربع قنينات عسل» حدثاً سياسياً يستحق أن يُروى على طاولة مباحثات رسمية في موسكو.
إن الربط بين تصريح لافروف أيام «البريكس» وجوابه الساخر في واقعة «العسل» يكشف أن موسكو تتعامل مع الجزائر بواقعية باردة تعري حجم الفجوة بين الخطاب الدعائي للسلطة الجزائرية وحجمها الحقيقي في المعادلات الدولية. فبعد أن كان الخطاب الجزائري الرسمي يتوعد باماكو من على منبر الأمم المتحدة ويصف قادتها بأقذع النعوت، انتهى المطاف بوزير خارجيتها إلى التباهي بهدية عسل أمام الروس، ليتلقى درساً مجانياً وقاسياً من لافروف مفاده أن الهيبة الدولية لا تُستورد في قنينات، وأن من لا ينتج قوته وعسله بيده، سيبقى دائماً عرضة للسخرية على موائد الأقوياء.




Aucun commentaire