سلوكات منحرفة دالة على خوارم الوطنية وسبل التخلص منها

سلوكات منحرفة دالة على خوارم الوطنية وسبل التخلص منها
محمد شركي

من المعلوم أن القيم والمثل العليا التي ترقى بالإنسان إلى المستوى المطلوب في سلم الإنسانية الحقة لا تسلم من خوارم تتمثل في سلوكات منحرفة، فالعدل على سبيل المثال قيمة سامية تصون كرامة الإنسان إلا أن ما يخرمها هو الجور ، وعلى هذا المثال تصاغ خوارم كل المثل والقيم العليا التي فطرالله تعالى البشر عليها.
والوطنية عبارة عن قيمة من القيم العليا تتجلى في تناغم بين جغرافية طبيعية وأخرى بشرية حيث ترتبط الأمة الواحدة بعاطفة محبة أو تعلق وجداني بحيزها الجغرافي الذي له حدود تحده وتميزه عما يجاوره. وهذا التعلق يقتضي التفاني في خدمة ذلك الحيز المحبوب الذي يسمى وطنا ، والدفاع عنه والتضحية من أجله ، والسعي لتوفير رقيه ورفاهيته وتقدمه بين سائر الأوطان .
وحب الوطن أو الوطنية ليس مجرد ادعاء باللسان، بل هو عبارة عن مجموعة من السلوكات تعكسه وتكون المعيار أوالاختبار أو المحك الحقيقي للحكم على صدق الوطنية أو كذبها . وقد يبالغ الإنسان في ادعاء الوطنية ويتعالى على غيره في حبها بينما تكذبه السلوكات التي تصدر عنه تجاه وطنه وتجاه من يشاركونه العيش فيه وكلها عبارة عن مخارم الوطنية التي لا بدل من البحث عن سبل لمحاربتها والقضاء عليها قضاء مبرما بقوة القوانين التي يجب أن تفعل وتطبق بكل صرامة حين لا ينفع التوجيه الديني أو الأخلاقي أو التربوي إذا ما انعدمت الضمائر أو ماتت ، ويكون ذلك وفق القاعدة التي سنها ذو النورين عثمان بن عفان والفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنهما والقائلة : » إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن » وفيها إشارة إلى تفعيل الحدود التي حدها الله تعالى والأحكام التي شرعها في محكم التنزيل .
وقد يختزل البعض الوطنية عندنا في استظهار النشيد الوطني في بعض المناسبات أو المواقف ، أوفي الوقوف لتحية العلم مع التعبير باللسان عن حب الوطن إلا أن ذلك لا يمكن أن يكون دليلا كافيا على رسوخ الوطنية في النفوس بل لا بد من رصد ذلك عن طريق مراقبة السلوكات اليومية المنحرفة للمواطنين والتي منها على سبيل المثال لا الحصر وهي كثيرة ما يلي :
ـ 1 ـ فوضى السير والمرور حيث لا يخلو منها شارع من الشوارع في مددنا و في قرانا أو على الطرق التي تصل بينها ذلك أن أغلب المواطنين تعودوا السير في عرض الشوارع وليس فوق الأرصفة لأن هذه الأخيرة في الغالب محتلة من طرف من لهم مصلحة في احتلالها دون وجه حق ودون إذن قانوني يخول لهم استغلالها، فضلا عن كونها غير مهيأة بتناسق هندسي فهي عبارة عن تضاريس تعلو وتنخفض وأحيانا تكون عبارة عن عتبات ، وقد تتحول كليا أو جزئيا إلى سياجات خلفها مساحات خضراء أو غيرها وكل ذلك يعرقل حركة سير الراجلين مما يضطرهم للسير وسط الشوارع أو تحت أرصفتها وهم معرضون بالدهس بالعربات أو الدراجات النارية . ومما يزيد في ضيق الشوارع واضطراب حركة السير والمرور فيها اصطفاف عربات الباعة المتجولين سواء التي تدفع بالأيدي أو التي تجرها الدواب فوق وتحت الأرصفة.
ومن فوضى المرور أيضا التجاهل التام لدى الكثيرين لعلامات المرور سواء الضوئية منها أوالصفيحية ، وقد ازدادت هذه الفوضى واستفحلت بانتشار ظاهرة الدراجات النارية من مختلف الأحجام خصوصا النوع الصيني الصنع منها والتي شجع انخفاض أثمانها على كثرة الإقبال عليها، وقد غزت كل مدننا وقرانا بشكل غير مسبوق ،وصارت مصدر تهديد لحياة من يمتطونها وكذا حياة غيرهم لأنهم يقودونها بتهور وبسرعة مفرطة ، ولا يلقون بالا لعلامات الوقوف عند الشارات الضوئية أو الصفيحية المنظمة لعملية السير، ولا يحترمون حق الأسبقية ، وأكثر من ذلك توجد شريحة عريضة من الدراجين خصوصا من فئة الشباب المراهق من يسوقون دراجاتهم بطرق بهلوانية معتمدين على عجلاتها الخلفية رافعين إلى الأعلى العلوية وهم يحاكون حركة الفرس التي تسمى تَشبيبا أو شَمْصا أو شَوِلا ، والتي يطلق عليها بالفرنسية » الكابراج » . وهناك شريحة أخرى من الباعة يمتهنون إيصال الطرود فوق دراجاتها ولا يرون إلا مسرعين وهم يستعملون هواتفهم الخلوية لتحديد قصدهم وعيونهم على الهواتف مما يشغلهم عن الانتباه إلى المخاطر التي تتهددهم وتتهدد غيرهم ، أما فوضى مرورهم بين العربات فحدث ولا حرج . ولا يكاد يمر يوم دون حوادث سير أبطالها أصحاب الدرجات الصينية ،والتي لا تخلو من ضحايا أمواتا أو معطوبين .
وهناك شريحة أخرى ممن يركبون بعض الدرجات النارية الضخمة ويسوقونها بسرعة جنونية بمحركات زاعقة تزعج وتقلق المارة والساكنة على حد سواء ، ولا يراعي أصحابها أوقات راحة أو نوم المواطنين حين يمرون بالشوارع في ساعات متأخرة من الليل أوفي الساعات الأولى من الفجر .
وهناك شريحة أخرى يمتطون وقوفا دراجات كهربائية ذكورا وإناثا لا اعتبار عندهم لشارات أو علامات المرور وهم بذلك يعرضون أنفسهم للهلاك بتهورهم في السير والمرور.
كل هذه السلوكات المنحرفة والمتعلقة بالسير والمرور عبارة عن خوارم الوطنية التي قد يتبجح أو يباهي بها المستخفون بقوانين السير والمرور.
ـ 2 ـ فوضى التعامل مع الزبالة حيث تستفحل الأنانية في التعامل معاه لدى معظم المواطنين الذين تغيب عندهم ثقافة النظافة خارج منازلهم حيث يتخلصون من زبالتهم حيثما وجدوا حيزا قريبا منهم لا يكلفهم عناء السير إلى حاويات الزبالة التي توضع في بعض الأماكن المحددة . وتجدر الإشارة إلى أن الجميع يرفضون وضع تلك الحاويات قريبا من منازلهم، وقد صارت تختفي ويقل عددها ولا توجد في الغالب إلا بالقرب من قطع أرضية غير مبنية أو من مساحات طالها الإهمال ، وكان من المفروض أن تكون خضراء ـ ياحسرتاه ـ . وقد يأكل الآكلون مأكولات ثم يلقون بلفائفها أو علبها حيث ما شاءوا أو يشرب الشاربون ما حل وما حرم منمشروبات ثم يلقون بقنيناتها أو أسطوناتها أرضا أو يدخن المدخنون سجاراتهم ثم يلقون بأعقابها وعلبها حيثما أنهوا من تدخينها .كل ذلك يحدث دون وخز من ضمائر خارج المنازل التي يشتد الحرص على نظافتها.
والملاحظ أن الزبالة منتشرة حيثما وجه الناظر بصره باستثناء بعض الشوارع الرئيسية أو الكبرى التي تحظى بالنظافة اليومية بينما قد تغيب في الشوارع المتصلة بها مباشرة يمينا وشمالا ، كما تغيب في أزقة الحارات الهامشية ، وبذلك حدث ولا حرج. وكثيرا ما يفضح هبوب الرياح حجم الزبالة التي تلقى في الشوارع والأماكن العمومية، ونخص بالذكر الأكياس البلاستيكية المنتشرة في كل مكان .
وهذه الفوضى في التعامل مع الزبالة من خوارم الوطنية أيضا وإن تبجح من يقومون بها بعشق الوطن وإن وقوفوا يحيون علمه ، وينشدون نشيده .
ـ 2 ـ فوضى إهمال المساحات الخضراء والعدوان على الخضرة أشجارا ونباتات بسبب غياب ثقافة التعايش معها خارج المنازل ، فقد توجد مساحات خضراء في كثير من الأحياء لكنها تعاني من الإهمال التام ، وتتحول في الغالب إلى مطارح للزبالة وقد كان من المفروض أن تكون زينة للمساكن المجاورة لها . والمشكل وراء إهمالها هو طغيان سلوك الأنانية المزمنة لدى الكثيرين بحيث لا يعتبرون أنفسهم معنيين بتلك المساحات ، ويبخلون عليها بمجرد غرس فسيلة فيها ،وبجرعة ماء يحيونها بها ، و دأبهم أنهم ينحون باللوم على الدولة مع أنهم هم المستفيدون من تلك المساحات . ومن السلوكات التي لا مبرر لها إلا العدوان على الخضرة وهو غياب لثقافة التعامل معها أن تمتد الأيدي إلى أوراق الشجر أو النباتات على جوانب الشوارع أو في الحدائق فتنتزع وتلقى أرضا . ومن تلك السلوكات أيضا تسور البعض جدران تلك الحدائق المنزلية وسرقة ما بها من ثمارها وأزهارها .
ومن السلوكات العدائية ما يحصل أيضا في المناطق الغابوية التي تقصد للتنزه والاستجمام إلا أن زوارها يقابلون احتضانها لهم بالإساءة إليها عن طريق تلويثها بزبالتهم يتركونها وراءهم دون وخز من ضمير . وما قيل عن المنتزهات الغابوية يقال عن الشواطىء التي تلوث بدورها حيث تدفن الزبالة في رمالها ، و بينما يلقى البحر منها ما يلقى فيه مباشرة .
وهذه السلوكات المعادية لطبيعة الوطن الجميلة والخلابة في بعض الجهات من خوارم الوطنية وإن ادعى أصحابها الهيام بالوطن وبجمال طبيعته .
ـ 3 ـ فوضى تخريب الممتلكات العمومية وهو تخريب يطال مرافق وبنايات وأسوار تُلطخ بصباغات تشوه ألوانها أو بكتابات تكون أحيانا عبارات نابية . و يطال التخريب أيضا الطرق والشوارع التي تكثر فيها الحفر والأخاديد وتظل بلا إصلاح . ومما يخرب أيضا وأعمدة الإنارة ،وعلامات التشوير المختلفة . وتقتلع الكراسي المخصصة للراحة والمثبتة في بعض الأماكن العامة ، كما تتلف وسائل الترفيه والألعاب الخاصة بالأطفال…. وذلك في غياب تام لثقافة صون الممتلكات والمرافق العامة ،و لهذا لا يحق لمن يخربونها أن يدعوا الوطنية أو يباهوا بذلك غيرهم .
ـ 4 ـ إهمال القيام بالواجب أو الاضطلاع بالمسؤولية على الوجه الأكمل حين لا تؤدي شرائح المجتمع المختلفة ما هو واجب مما يقلدها به الوطن ذلك أن المتعلمين لا يجدّون في تعلمهم ، ويغشون في فروضهم وامتحاناتهم ، ومن يعلمونهم لا يخلصون في مهمتهم وفي حراستهم حين يمتحنون بل قد يشجع بعضهم على الغش مباشرة أو بالتلميح أو بغض الطرف عنه بذرائع ترفضها الوطنية الصادقة . كما أن مختلف الموظفين في مختلف القطاعات قد يقصرون في أداء الواجب بالتراخي أو بالغياب غير المبرر عن أماكن عملهم أو بتعطيل مصالح الغير أو بتعاطي الرشوة مقابل أداء ما هو واجب وحق … كما أن التجارعلى اختلاف أنواع تجاراتهم يتعمدون الغش والتطفيف بإخسار الموازين ، وقد يمارسون الربا المتعمد والمسكوت عنه من خلال الرفع من أسعار دون وجه حق أو يحتكرون السلع رغبة في الأرباح غير المشروعة وطلبا للإثراء الحرام . كما أن الصناع على اختلاف صناعاتهم قد يتعمدون الغش والتدليس وتسويق الساقط من المنتوجات طلبا للربح الفاحش بأقل جهد وبأقل إنفاق . كما أن الأطباء على اختلاف تخصصاتهم والصيادلة قد لا يراعون الله تعالى في تعاملهم مع المرضى فيؤثرون الإثراء على حسابهم حين يضطرونهم إلى إجراء فحوص أو تحليلات أوعمليات قد لا تدعو الحاجة إليها أويحيلونهم على أنواع من العلاج المكلف والباهظ مع علم مسبق باليأس من شفائهم في حال المرض العضال الشيء الذي قد يترتب عنه ترك أيتام الهالكين دون مأوى أو مصدر رزق حين يضرهم العلاج الباهظ والذي لا طائل من ورائه إلى رصف الطارف والتليد . كما أن من ينتخبون في البرلمان قد لا يؤدون واجبهم على الوجه المطلوب ، ولا يفون بما عاهدوا عليه من أعطوهم أصواتهم وثقتهم، فلا يدفعون في اتجاه تحسين حياتهم ، أو في اتجاه رفع المشقة عنهم بسن تشريعات من شأنها أن تراعي مصالحهم ومصالح الوطن ، وكذلك الأمر بالنسبة لمن يسيرون الوطن وزراء وولاة وقضاة …وليس من حق كل هذه الشرائح أن تدعي حب الوطن مع كل هذه المخارم التي تزري بالوطنية .
نكتفي بهذه الأمثلة وإلا فغيرها كثير وهي كلها خوارم الوطنية التي لا ينفع معها ادعاء ومحبة كاذبة للوطن الذي هو في حاجة إلى محبة تترجمها السلوكات والمواقف .
وبقيت الإشارة إلى أن صيانة الوطنية تتطلب الجمع بين دور الوازع الديني والأخلاقي وبين وازع السلطان كما سماه ذو النورين والفاروق رضي الله عنهما، وقد تكون اليوم بالذات الحاجة ماسة إلى هذا الأخير لمدة طويلة قبل أن يحل محله مع مرور الزمن الوازعان الديني والأخلاقي حتى تفتح الأجيال الصاعدة عيونها إلى أولياء أمورها وقد اكتملت وطنيتهم وخلصت من الخوارم التي تزري بالوطن بين الأوطان. ولا يجب أن يقتصر حب الوطن على ترديد نشيده أو تحية علمه أو تشجيع فرقه الرياضية ثم تخريب ملاعبه ومرافقه الرياضية أو تخريب أماكنه العمومية في نفس الوقت .
وفي الأخير تجدر الإشارة إلى أن أصحاب خوارم الوطنية يسيئون إلى أنفسهم قبل الإساءة إلى غيرهم لأن الإساءة إلى الوطن بسلوكات مشينة هي في الحقيقة أو في نهاية الأمر إساءة إلى عموم المواطنين عملا بالحكم الإلهي الذي ورد في الذكر الحكيم والذي مفاده أن من قتل نفسا فكأنما قتل الناس جميعا ، ومن أحياها فكأنما أحيى الناس جميعا ، وبناء على هذا الحكم الإلهي، فإن من أساء إلى الوطن بسلوك مشين فقد أساء إلى عموم المواطنين بل أساء إلى الناس جميعا .




Aucun commentaire