افتتاح البرلمان : عندما تتحول السياسة إلى مهنة بارعة في استهلاك الزمن

الكاتب : سعيد حجي
السادة البرلمانيون وهم يتفرقون عند شعاب قبة البرلمان، كل واحد منهم يمضي إلى وجهته، وقد بدا على بعضهم استعجال من أنهى عملا شاقا ويريد العودة إلى بيته قبل أن يكتشف أحد أنه لم يفعل شيئا. رأيت أحدهم يسير بمحاذاة سكة الترامواي، يسرع الخطى ويشغل يديه بإرجاع سلهامه فوق كتفيه كلما انفلت من فوق جلبابه، منشغلا بترتيب هندامه أكثر من انشغاله بالطريق. كان يمسك بطرف السلهام ويرفعه، ثم يتركه ليستقر لحظة قبل أن يعود إلى الانزلاق، فيعاود الرجل محاولته بصبر رجل ألِف أن يصلح مظهره أمام الناس…
وعلى مقربة منه، كانت بعض البرلمانيات يعبرن الممر بخطوات مدروسة، واثقات من إيقاع مشيتهن، يوزعن النظرات في المكان، وربما كانت كل واحدة منهن تتمنى أن تحمل صحف الغد صورة لها، وأن تجد اسمها بين العناوين اللامعة التي تتحدث عن الأناقة والحضور وخطف الأنظار. لم أستطع الجزم بما يدور في رؤوسهن، فقد تكون لكل واحدة منهن حكايتها الخاصة، غير أن المشهد، في مجموعه، أثار في نفسي شيئا من السخرية الممزوجة بالمرارة. بدا لي أنني أمام عرض ينتهي بانطفاء الأضواء، ويغادر أبطاله الخشبة إلى سياراتهم، بينما يبقى الجمهور في الخارج يتساءل عما إذا كان هؤلاء سيغيرون شيئا.
لا أدري متى بدأ هذا الشعور يتسلل إلي، ولا متى فقدت تلك الوجوه قدرتها على إثارة أي احترام في نفسي. ربما يحدث ذلك حين يطول انتظار الناس وتتكرر الخيبات حتى يصبح الإنسان عاجزا عن النظر إلى الأشياء بعين بريئة. في زمن مضى، كنت أرى في البرلمان مكانا يفترض أن تتصارع داخله الأفكار والمصالح والرؤى، وأن يخرج منه شيء يخفف عن الناس وطأة الحياة. أما الآن، فقد صرت أرى في بعض مشاهده تفاصيل صغيرة تستولي على انتباهي: طريقة المشي، انحناءة الرأس، اليد التي تبحث عن طرف الجلباب، الوجه الذي يلتفت ليتأكد من أن أحدا يراقبه. ولعل النفس حين تفقد ثقتها في المعنى الكبير تبدأ بتفتيش التفاصيل الصغيرة عن سبب إضافي للاحتقار.
كنت أراقبهم وأفكر في تلك المسافة البعيدة بين حياة الناس وحياة ممثليهم. هناك من سيعود إلى بيته فيجد فاتورة الماء والكهرباء فوق الطاولة، وهناك من سيقضي المساء في حساب ما تبقى من راتبه بعد مصاريف الأسبوع، وهناك أب سيؤجل شراء دواء لابنه حتى يتدبر أمره، وشاب سيظل يتنقل بين المقاهي والهواتف بحثا عن فرصة عمل لا تأتي. وفي الجهة الأخرى، يغادر هؤلاء الرجال والنساء بنايات المؤسسات التي يفترض أنها وجدت من أجل أولئك جميعا، حاملين معهم حصيلة يوم من العمل البرلماني، فيما لا يعرف كثير من المواطنين ماذا تغير في حياتهم بسبب ذلك العمل.
ولعل أكثر ما يثير السخرية في السياسة هو ذلك التبادل المستمر للأدوار. حكومة تأتي، وأخرى تذهب، ووجوه تنتقل بين المقاعد، وأحزاب تكتشف فجأة فضائل المعارضة بعد أن كانت تتحدث من مقاعد الأغلبية، ثم تعود إلى تدبير الشأن العام وهي تحمل الوعود القديمة نفسها في أغلفة جديدة. المعارضة التي سبق لبعض مكوناتها أن شاركت في الحكومة تجد نفسها اليوم في موقع المنتقد، وتستخرج من الذاكرة أخطاء كانت تعرفها جيدا حين كانت قريبة من القرار. أما المواطن، فيقف في المكان نفسه تقريبا، يتابع هذا التداول الطويل، ويتساءل عن جدوى كل هذه المعارك التي تنتهي غالبا بتغيير أصحاب الكراسي، بينما تظل الأوضاع التي دفعته إلى الشكوى قائمة.
أحيانا يخيل إلي أن السياسة تحولت إلى مهنة بارعة في استهلاك الزمن. سنوات تمر في الحملات والوعود والاتهامات والردود، ثم تأتي الانتخابات فنسمع الكلام نفسه، ونرى الوجوه ذاتها، ونشاهد خصوما يتبادلون الأدوار بمهارة تستحق الإعجاب لو كانت هذه المهارة موجهة إلى شيء آخر. كل فريق يملك روايته عن أسباب الفشل، وكل طرف يعرف كيف يشرح للناس أن المسؤولية تقع في مكان آخر. وحده المواطن يجد صعوبة في العثور على شخص يستطيع أن يضع أمامه حصيلة واضحة ويقول له: هذه أخطائي، وهذا ما أنجزته، وهذه الأشياء التي عجزت عنها، فحاسبني عليها.
وقد تساءلت وأنا أرى بعض الوجوه تخرج من تلك البناية: ما الذي يمنح بعض الناس الحق في تمثيل غيرهم، وما الذي يجعل الوصول إلى مقعد برلماني دليلا على الكفاءة، مع أن الحياة مليئة بأشخاص لا يملكون المال ولا العلاقات ولا الأضواء، لكنهم أكثر فهما لآلام الناس وأقدر على تحمل المسؤولية؟ رأيت وجوها لا أستطيع أن أتصور أنها تحمل في داخلها شيئا من هموم الذين انتخبوها، ووجدتني أتساءل عن المعايير التي أوصلتها إلى هناك. ربما كان هذا السؤال قاسيا، وربما ظلمت بعض من رأيت، فأنا لا أعرف ما يدور في ضمائرهم، ولا أملك حسابا دقيقا لما أنجزه كل واحد منهم. غير أن صورة المؤسسة في الوعي العام لا تتشكل من النيات الخفية، وإنما مما يراه الناس في حياتهم، وما يلمسونه من أثر القرارات في أرزاقهم ومستقبل أبنائهم.
ومع ذلك، أعترف بأن أكثر ما استوقفني في ذلك المشهد حينما كان البرلمانيون يتفرقون عبر الأزقة والشوارع كان بعيدا عن الدستور والحكومة والمعارضة. لقد أخذتني الأجساد وهي تتوزع تحت الجلابيب والسلاهيم، ووجدت في بعضها ما يوقظ حس الدعابة عندي. أولئك الرجال الفارعو الطول الذين تبدو أكتافهم عريضة تحت اللباس التقليدي، ثم تضيق أجسادهم كلما نزلت نحو الساقين، ذكروني بطائر البلشون، ذلك الطائر الذي يمنحك من بعيد انطباعا عن ضخامة لا تلبث أن تتبخر حين تتأمل ساقيه الرفيعتين. كنت أتابع خطواتهم وأتخيل الطائر واقفا في حقل مغمور بالماء، وقد ألبسوه جلبابا وسلهاما، ثم أقنعوه بأن عليه الذهاب إلى البرلمان لمناقشة قانون المالية.
أما أصحاب البطون التي تتقدمهم إلى الطريق، فقد كانوا يبدون أشبه بمحابر قديمة انتفخت جوانبها من كثرة الحبر، يحملها أصحابها بحذر حتى لا ينسكب شيء مما تراكم فيها. كان الجلباب يستقر فوق البطن ثم ينسدل تحته، فيما يضيف السلهام إلى الجسد حجما آخر، فتخرج الصورة في بعض الأحيان أقرب إلى رسوم كاريكاتورية رسمها رسام ساخط في مقهى شعبي. ولم أستطع منع نفسي من الضحك. ضحكت من هيئة الرجال، ومن خيالي الذي كان يضيف إلى المشهد تفاصيل أخرى، ثم شعرت بشيء من الحرج، لأن السخرية من الأجساد سهلة، بينما النظر في حقيقة ما يجري وراءها يحتاج إلى جهد أكبر. فكم من رجل ممتلئ البطن قد يكون أكثر نزاهة من رجل رشيق، وكم من أنيق يخفي وراء أناقته فراغا واسعا، وكم من شخص بسيط الهيئة يحمل من الحكمة ما لا تحمله قاعات المؤسسات كلها.
هنا بالضبط تتعقد المسألة. فحين تتآكل الثقة، يصبح المرء مستعدا لأن يقرأ كل حركة باعتبارها دليلا على التفاهة، وكل ابتسامة باعتبارها علامة على المكر، وكل ثوب أنيق ستارا يخفي وراءه نية سيئة. ينسحب الشك من السياسة إلى الأشخاص، ومن الأشخاص إلى ملامحهم، حتى يصبح المرء عاجزا عن منح أي وجه فرصة عادلة. ولعل هذه إحدى الخسائر التي لا ننتبه إليها حين تفسد السياسة علاقتنا بها: أنها تجعلنا نغادر المؤسسات ونحن نحمل غضبنا إلى تفاصيل الحياة، فنضيق بالوجوه والملابس والمشيات، وننسى أن من بين هؤلاء من قد يكون صادقا في عمله، ومن بينهم أيضا من يستحق المحاسبة بأدلة واضحة لا بانطباعات عابرة.
غادرتُ الصور وأنا أفكر في أن السياسة، حين تفقد معناها في عيون الناس، تتحول إلى مشهد طويل من الحركة بلا أثر. يخرج البرلماني من القبة، ويعود المواطن إلى يومه، ويمضي كل واحد منهما في طريقه، غير أن الطريقين لا يلتقيان إلا عند صندوق الاقتراع، ثم يفترقان من جديد. وفي المسافة بين اللقاءين تتراكم الأسئلة، وتكبر الخيبة، ويصبح الضحك وسيلة أخيرة لتخفيف ثقل ما لم يعد المرء قادرا على احتماله.
وربما كان أكثر ما يستحق الخوف في كل هذا أن المواطن قد يصل، بعد طول انتظار، إلى مرحلة لا يعود فيها غاضبا حتى. فالغضب يعني أن شيئا ما لا يزال حيا في الداخل، وأن صاحبه ينتظر تغييرا يراه ممكنا. أما اللامبالاة فتأتي بعد أن يستهلك الانتظار صاحبه، فيمر أمام المؤسسات كما يمر أمام بناية مهجورة، لا يتوقف عندها ولا يسأل عما يحدث في داخلها. وحين يصبح هذا الشعور عاما، يخسر البرلمان شيئا أكبر من هيبته، ويخسر السياسيون شيئا أثمن من أصوات الناخبين: يخسرون اعتقاد الناس بأن الشأن العام يستحق الاهتمام، وأن المشاركة يمكن أن تغير شيئا في مصائرهم.
وعندما تنزع الثقة من السياسة، تتشابه الوجوه في عين الغاضب، مهما اختلفت الأسماء والأحزاب والأزياء. يصبح الجميع جزءا من صورة واحدة، وتفقد التفاصيل قدرتها على إثارة الفضول، ويغدو السؤال الوحيد الذي يطارد المرء وهو يراقبهم: كم سنة أخرى سنحتاج حتى نشعر بأن هؤلاء الذين سيتحدثون باسمنا يعرفون حقا كيف نعيش؟




Aucun commentaire