حين يخرس الضمير في خضمّ ثقافة تمجّد اللوم وتنبذ الإصلاح..

مصطفى قشنني

“أشد أنواع السجون سجنا لا يرى فيه السجين قضبانه، لأنه اقتنع أن ما حوله هو الحرية”
“الضمير الذي ينام لا يستيقظ بالقوانين بل بالفاجعة”
هناك خطأ شائع في فهم أزماتنا: أننا نبحث دائما عن الشماعة عن الفاعل دائماً خارج أنفسنا. نُشير إلى السلطة، إلى الحزب، إلى المسؤول، إلى “هم”. وكأننا نحن، نحن بالذات، خارج المعادلة، خارج التاريخ، خارج المسؤولية. هذا هو الفخ الأول: أن نُحوّل النقد إلى مهنة، واللوم إلى هوية، والغضب إلى بديل عن الفعل. لكن السؤال الأعمق ليس: من أفشلنا؟ بل: لماذا سمحنا للفشل أن يسكننا؟
الأزمة ليست في السياسة فقط، بل في الوعي الذي ينتجها ويقبلها ويعيد إنتاجها. السياسة ليست كائناً غريباً هبط علينا من السماء، بل هي منتوج أمة و مرآة لمجتمع بأكمله. حين يكون المسؤول فاشلاً، فغالباً لأن هناك ثقافة تُكرّم المظاهر وتحتقر الكفاءات. حين يكون الفساد ممكناً، فلأن هناك من يدفع الرشوة، ومن يصمت، ومن يبارك. حين تتحول المناصب إلى غنائم، فلأن هناك من يرى في المنصب غنيمة أيضاً، ويحلم بها، ويطالب بها، ويحاسب المسؤول على أنه لم يُعطه نصيبه منها.
إننا ننتقد السلطة، لكننا نُقلّدها في بيوتنا. نطالب بالديمقراطية، ثم نمارس الاستبداد في أسرنا. نطالب بالشفافية، ثم نُخفي حقائقنا الصغيرة. نطالب بالمحاسبة، ثم نرفض أن يُحاسبنا أحد. نطالب بالعدل، ثم نظلم من هو أضعف منا. هذا التناقض هو الشرخ العميق الذي يجعل كل خطاب إصلاحي هشاً.
ليست المشكلة أن السلطة لا تتعلم. المشكلة أن المجتمع لا يتعلم أيضاً. نحن نغضب من الفشل، ثم نُعيد انتخاب الفاشل. نحن نشتكي من الفساد، ثم نُمارس الفساد الصغير في حياتنا اليومية. نحن نطالب بالكفاءة، ثم نُقدّم الواسطة على الكفاءة. نحن نريد وطناً نظيفاً، لكن بأيدٍ قذرة، نحن ندعو إلى محاربة “الفراقشية” الكبار لكن نمارس “أتفرقيش” الصغير على بعضنا البعض كلما سنحت الفرصة بذلك. .
إن أعمق ما في أزمتنا ليس غياب العدالة، بل غياب الضمير الفردي الذي يجعل العدالة ممكنة. القانون لا يُصلح مجتمعاً فقد ضميره. الدستور لا يُحيي شعباً مات فيه الشعور بالمسؤولية. المؤسسات لا تُبنى على أنقاض أخلاق فردية منهارة. يمكن أن يكون لديك أفضل دستور في العالم، وأسوأ مواطن في العالم، فينتج أسوأ نظام في العالم.
هنا يأتي السؤال المرعب: هل نحن ضحايا أم شركاء؟ هل نحن أسرى سلطة منحرفة عن السكة، أم نحن الأرض التي تنبت هذه السلطة؟ هل نُحاسب لنُصلح، أم نُحاسب لنتهرب من مسؤوليتنا؟ هل نريد تغييراً حقيقياً، أم نريد فقط تغيير الوجوه مع بقاء المنطق نفسه؟
إن اللوم هو أسهل أشكال الهروب. نلوم المسؤول لنشعر أننا أبرياء. نلوم “النظام” لنُعفّي أنفسنا من أي دور. نلوم “الظروف” لنبقى في مكاننا. لكن اللوم لا يبني، ولا يُصلح، ولا يُغيّر. اللوم يحرّك الغضب، لكنه لا يحرّك التاريخ. من يلوم فقط، لا يفعل شيئاً سوى أنه يشعر بالرضا الأخلاقي، وهو رضا كاذب.
التغيير الحقيقي يبدأ من الداخل، يبدأ حين يُقرر الفرد أن يكون نزيهًا في عمل صغير، أمينًا في كلمة، عادلًا في حكم، صادقًا في شهادة. حين يرفض الرشوة ولو كان الفقر أقرب إليه من الهواء. حين لا يستعمل الواسطة ولو كانت البطالة تنتظره. حين يقول الحق ولو كان وحده. حين يعترف بخطئه ولو كان الثمن كبرياءه. من هنا يبدأ التغيير الحقيقي.
إن أخطر ما في الأزمة ليس الفساد، بل التطبيع معه. أن يصبح الفساد عادياً، والكذب مألوفاً، والتزوير مهارة، والواسطة ذكاء. أن يتحول المواطن إلى متفرج، والغاضب إلى منجم غضب لا ينتج شيئاً. أن نعتاد على الأسوأ حتى يصبح الأسوأ هو المعيار، ونصبح غير قادرين على تخيل الأفضل.
التطبيع هو الموت البطيء. حين تعتاد على الظلم، تفقد القدرة على رؤيته. حين تعتاد على الكذب، تفقد القدرة على تمييزه. حين تعتاد على الفساد، تفقد القدرة على مقاومته. وهكذا تتحول الأمة من ضحية إلى شريكة، ومن مظلومة إلى متواطئة. وليس هناك أشد على الضحية من أن تتحول إلى شريك في ظلمها.
إن الأمة لا تُبنى بالقوانين وحدها، بل بالضمائر أولاً. الضمير هو القانون الذي لا يحتاج إلى شرطة، ولا إلى محكمة، ولا إلى سجن. الضمير هو السلطة التي تُحاسب قبل أن يُحاسبك أحد، وتُراقب قبل أن تُراقبك عين. الضمير هو البنية التحتية الأخلاقية لأي نهضة حقيقية. وبدونه، تُصبح كل القوانين حبراً، وكل المؤسسات هياكل بلا روح، وكل الخطابات زعيقا و ضجيجاً.
خلاصة القول، السؤال ليس: متى تتغير السلطة؟ بل: متى نتغير نحن؟ متى نتوقف عن انتظار بطل، ونصبح أبطالاً؟ متى نكتشف أن الحل لم يكن يوماً في الخارج، بل كان دائماً في الداخل؟ ومتى نفهم أن الوطن ليس ما تفعله بنا السلطة، بل ما نفعله نحن بوطننا؟
إن السياسة مرآة، والمجتمع هو الذي يُحدد ملامحها. فإن أردت وطناً نظيفاً، ابدأ بنفسك، ابدأ بأن تكون نظيفاً. وإن أردت عدلاً، فكن عادلاً. وإن أردت حرية، فكن حراً في داخلك أولاً. وإن أردت أن تُحاسب، فكن مسؤولاً أولاً. عندها، وساعتها فقط، سيولد الوطن الذي ننتظره ونحلم به، لا من رحم السلطة، بل من رحم الضمائر التي قررت أخيراً أن تستيقظ.




Aucun commentaire