Home»Débats»ماذا لو استيقظ العالم ذات صباح على خبر لم يكن أحد يريد تصديقه: حرب مباشرة بين روسيا وأوروبا، ثم تصاعدت المواجهة بسرعة الى حرب عالمية ثالثة، ودخل السلاح النووي على خطها؟

ماذا لو استيقظ العالم ذات صباح على خبر لم يكن أحد يريد تصديقه: حرب مباشرة بين روسيا وأوروبا، ثم تصاعدت المواجهة بسرعة الى حرب عالمية ثالثة، ودخل السلاح النووي على خطها؟

0
Shares
PinterestGoogle+

الكاتب : سعيد حجي


تبدو الفكرة اليوم مرعبة الى درجة تجعل البعض يفضل عدم التفكير فيها، لكن أوروبا نفسها اصبحت تتصرف خلال الاسابيع الاخيرة على أساس ان السيناريوهات الأسوأ يجب ان تدخل في حسابات الدولة، حتى لو بقي احتمال وقوعها محدودا. روسيا تخوض حربا في قلب أوروبا، وحلف شمال الأطلسي يعيد بناء قدراته العسكرية والمدنية على نحو واسع، والدول الأوروبية تعيد التفكير في المستشفيات والطاقة والغذاء والمخزونات والاتصالات والنقل وحماية السكان…
وفي سبتمبر 2026 نشر الناتو متطلبات جديدة للمرونة المدنية تفرض على الدول الاستعداد لأزمات وصراعات تشمل حماية الغذاء والماء والطاقة، التعامل مع الإصابات الجماعية، تأمين الأدوية، استمرار الاتصالات، حركة السكان والإجلاء، واستمرارية الخدمات الحكومية.
أوروبا لا تقول إن الحرب النووية ستقع غدا، ولا يملك أحدا القدرة على معرفة ذلك. لكنها تتصرف بعقلية من يعرف ان الكارثة الكبرى ستقع ولكن لا تمنحك ساعة إضافية بعد وقوعها كي تبدأ التفكير. الاتحاد الأوروبي لديه بالفعل احتياطيات استراتيجية تضم معدات طبية، ومستشفيات ميدانية، ومعدات للتعامل مع المخاطر الكيميائية والبيولوجية والإشعاعية والنووية، ومولدات كهرباء، ومعدات إيواء ونقل وإجلاء طبي، كما يعمل على توسيع مخزوناته من السلع الأساسية والطاقة والمواد الطبية.
والأهم من كل ذلك ان مفهوم الاستعداد نفسه تغير في أوروبا. لم يعد الجيش وحده هو الذي يستعد للحرب. المستشفى يستعد، وشركة الكهرباء تستعد، والميناء يستعد، وقطاع الاتصالات يستعد، ومخازن الغذاء تستعد، والسلطات المحلية تستعد، ووسائل النقل تستعد. لأن الحرب الحديثة تستطيع ان تبدأ في الجبهة، ثم تظهر آثارها في المستشفى والمخبز ومحطة الكهرباء والمطار ومخزن الدواء. ولهذا يتحدث الناتو صراحة عن استمرار الحكومة والخدمات الأساسية والطاقة والغذاء والماء والاتصالات والنقل حتى أثناء الأزمات والصراعات.
أما اذا تجاوزت الحرب حدود السلاح التقليدي ودخلت مرحلة نووية، فإن العالم سيدخل منطقة مختلفة تماما. لن تكون المشكلة عندها في عدد الدبابات والطائرات فقط، وإنما في قدرة الدول على حماية السكان، واستمرار الخدمات الحيوية، وتأمين المياه والغذاء والدواء، والتعامل مع الإصابات والإشعاع، وإجلاء السكان من المناطق الملوثة، والمحافظة على الاتصالات والحكم والإمدادات وسط انهيار واسع قد يتجاوز حدود القارة نفسها. ولهذا يضع الاتحاد الأوروبي المخاطر الكيميائية والبيولوجية والإشعاعية والنووية ضمن منظومة الاستعداد الطبي والطوارئ.
هذا هو العالم الذي نعيش فيه الآن. عالم يمكن ان يبقى السلام فيه قائما سنوات طويلة، ويمكن ان تنتهي الحرب الروسية الأوكرانية بتسوية سياسية، ويمكن ان تتراجع احتمالات المواجهة المباشرة، ويمكن أيضا ان يقع خطأ واحد في الحسابات العسكرية يقود الى سلسلة من الأحداث التي لا يستطيع أحد إيقافها. الدولة العاقلة لا تنتظر معرفة أي احتمال سيتحقق حتى تبدأ الاستعداد. تستعد للسيناريو الذي تتمنى ألا تراه.
وهنا تبدو المسافة بين ثقافة الاستعداد الأوروبية وثقافتنا العربية مؤلمة.
نحن نعيش في محيط جغرافي واقتصادي شديد الارتباط بأوروبا وروسيا، ومع ذلك نادرا ما نسمع عن استعداد عربي واسع لاحتمال اضطراب بهذا الحجم. نستورد الغذاء والطاقة والمواد الأولية والأدوية والمعدات وقطع الغيار من الخارج، وتعتمد اقتصاداتنا بدرجات مختلفة على حركة التجارة العالمية، بينما ملايين من مواطنينا يعيشون في أوروبا، وملايين الأسر تعتمد على التحويلات القادمة منها. ومع ذلك تبدو فكرة الاستعداد لحرب روسية أوروبية واسعة وكأنها شأن يخص الأوروبيين وحدهم.
وهذه غفلة خطيرة.
إذا وقعت حرب كبرى بين روسيا وأوروبا، فلن تحتاج الصواريخ الى الوصول الى الرباط أو الجزائر أو القاهرة أو تونس حتى نشعر بها. يكفي ان تتعطل الموانئ، أو ترتفع أسعار الشحن، أو تضطرب تجارة الحبوب والطاقة، أو تتوقف بعض المصانع الأوروبية، أو تتعطل سلاسل الإمداد، حتى تبدأ الحرب في الظهور على موائدنا وفي أسعار أسواقنا…
القمح الذي يصل الى المخبز لا يأتي من فراغ، والدواء الموجود في الصيدلية يمر عبر شبكة طويلة من المصانع والشركات والموانئ والنقل والطاقة. قطعة الغيار التي يحتاجها مصنع عربي قد تكون صنعت في دولة أوروبية، والمادة الأولية التي تدخل في صناعة دواء قد تكون جاءت من دولة أخرى، والأسمدة التي يحتاجها الفلاح مرتبطة بدورها بالطاقة والغاز والتجارة الدولية. عندما تتشقق هذه السلسلة في أوروبا، لن تبقى آثارها داخل أوروبا.
ومع ذلك، لا يبدو ان العالم العربي قد بنى حتى الآن ثقافة استراتيجية واضحة تقوم على سؤال: ماذا نفعل إذا تعطلت هذه السلسلة لعدة أشهر؟
لدينا ميل قديم الى التعامل مع الكارثة بعد وقوعها. ننتظر الفيضان ثم نبحث عن مجاري المياه، وننتظر الزلزال ثم نتذكر الأبنية، وننتظر نقص الدواء ثم نفتش عن المورد، وننتظر ارتفاع الأسعار ثم نبحث عن البديل. حتى في الأزمات التي تتكرر أمامنا، يبقى التخطيط في كثير من الأحيان مرتبطا برد الفعل أكثر من الاستعداد المسبق.
وهذا تحديدا ما يجعل احتمال حرب روسية أوروبية واسعة أكثر خطورة بالنسبة إلينا.
كان يفترض منذ سنوات ان توجد خرائط دقيقة للاعتماد الخارجي: ماذا نستورد من أوروبا؟ ماذا نستورد من روسيا؟ كم تكفينا مخزونات القمح والزيوت والدواء والوقود؟ ما المواد التي لا نملك لها بديلا محليا؟ ما الدول التي يمكن ان تعوض الموردين إذا انقطعت التجارة؟ وما الموانئ والطرق التي يمكن استخدامها اذا تغيرت خريطة الملاحة؟
وكان يفترض أيضا ان تكون لكل دولة عربية خطة واضحة للجالية الموجودة في أوروبا. ملايين الأشخاص يعيشون هناك، وبعضهم في مناطق قد تصبح قريبة من مسار أي مواجهة مستقبلية. هؤلاء مواطنون، وليست مشكلتهم مسؤولية الدول الأوروبية وحدها. كان ينبغي ان تكون السفارات والقنصليات جزءا من منظومة طوارئ قادرة على التواصل والإجلاء والاستقبال، وان تكون هناك حسابات دقيقة لأعداد المواطنين وأماكن وجودهم ووسائل نقلهم عند الضرورة.
والعودة الجماعية للجالية ستكون أزمة أخرى في حد ذاتها. ماذا سنفعل اذا عاد عشرات الآلاف خلال أسابيع؟ ماذا لو عاد مئات الآلاف؟ أين سيعيشون؟ كيف ستستقبلهم المدارس والمستشفيات وسوق العمل؟ كيف ستتعامل الدول مع أسر كانت تعيش على دخل يأتي من أوروبا ثم فقدته فجأة؟ وكيف ستتعامل المصارف مع اضطراب التحويلات؟
هذه ليست أسئلة نظرية في زمن حرب عالمية. إنها جزء من الأمن الاقتصادي والاجتماعي للدولة.
وكان ينبغي أيضا ان تكون لدينا استراتيجية غذائية أكثر صرامة. ليس تخزين بعض السلع لمواجهة أزمة قصيرة، وإنما بناء قدرة حقيقية على الصمود أمام اضطراب طويل في التجارة العالمية. مخزونات استراتيجية، تنويع للموردين، دعم للزراعة، حماية للمياه، تأمين للبذور والأسمدة، وتطوير للصناعات الغذائية والدوائية المحلية. الحرب قد تجعل سلعة معينة نادرة في السوق العالمي، والدولة التي لا تملك مخزونا ولا بديلا ستدخل المزايدة العالمية وهي أضعف الأطراف.
والطاقة تحتاج الى الحساب نفسه. حرب واسعة في أوروبا يمكن ان تعيد تشكيل أسواق النفط والغاز والنقل والتأمين. الدول العربية المصدرة للطاقة قد تواجه تحولات في الطلب والأسعار وطرق التصدير، والدول المستوردة قد تجد نفسها أمام فاتورة طاقة أثقل من قدرة موازناتها. كان يفترض ان تكون هذه السيناريوهات حاضرة منذ الآن في الخطط الاقتصادية، لا ان ننتظر حركة الأسواق حتى تبدأ الحكومات في البحث عن حلول إسعافية.
أما في المجال الطبي، فالفارق أكثر وضوحا. أوروبا تضع في حساباتها اليوم الإصابات الجماعية، والمخاطر النووية والإشعاعية، والمخزونات الطبية، والمستشفيات الميدانية، والإجلاء الطبي. ونحن ما زلنا في كثير من بلداننا نعيش نقصا عاديا في بعض الأدوية والمستلزمات الطبية، ونجد المستشفى عاجزا أحيانا عن مواجهة أزمة عادية، فكيف سيكون الحال أمام أزمة عالمية طويلة تضرب التجارة والطاقة والدواء في وقت واحد؟
المشكلة هنا ليست في امتلاكنا القدرة العسكرية على خوض حرب من هذا النوع، فنحن أصلا خارج أطرافها المباشرة. المشكلة في اننا مرتبطون بنتائجها دون ان نكون مستعدين لها.
قد تقع الحرب وقد لا تقع. وقد تتوقف المواجهة الروسية الأوروبية عند حدود الردع والتخويف وإعادة التسلح، وقد يستمر العالم سنوات طويلة وهو يعيش تحت سقف التهديد النووي دون ان تطلق قنبلة نووية واحدة. وهذا الاحتمال هو الذي ينبغي ان يجعل الاستعداد أكثر عقلانية، لا أقل. لأن الاستعداد لا يعني انك تتمنى الكارثة: يعني انك تعرف حجم الخسائر اذا جاءت.
أوروبا تبني اليوم قدرتها على الصمود في مواجهة أسوأ السيناريوهات، والناتو يطالب دوله بخطط عملية لاستمرار الغذاء والماء والطاقة والصحة والاتصالات والنقل وحركة السكان أثناء الأزمات والصراعات. وإذا كانت دول القارة، وهي صاحبة الجيوش الكبرى والاقتصادات الضخمة والمخزونات الاستراتيجية، ترى ان عليها الاستعداد للحرب قبل وقوعها، فالأولى بنا نحن الذين سنكون من أكثر المتأثرين اقتصاديا واجتماعيا بأي حرب روسية أوروبية واسعة ان نتوقف عن التعامل معها باعتبارها قصة تلفزيونية تجري بعيدا عنا….
الحرب النووية العالمية الثالثة، اذا وقعت، لن تسأل الدول العربية عن موقفها السياسي قبل ان ترسل آثارها الاقتصادية والبيئية والإنسانية اليها. والحرب التقليدية الطويلة ستفعل الشيء نفسه بدرجة مختلفة. وفي الحالتين، الدولة التي تكون قد أعدت غذاءها ودواءها وطاقتها وموانئها ومخازنها وخطط إجلاء مواطنيها واتصالاتها ستكون أمام كارثة يمكن ادارتها، بينما الدولة التي تبدأ التفكير بعد وقوعها ستجد نفسها تحاول شراء ما يحتاجه الجميع في اللحظة نفسها…
لهذا فإن أكثر ما يثير القلق ليس احتمال الحرب وحده، وإنما احتمال ان تقع ونحن لا نملك خطة واضحة للتعامل معها، وسنكون اول جوعى الحرب اكثر من اللذين اندلعت عندهم ..
أوروبا تستعد للحرب التي تخشى وقوعها.
ونحن ينبغي ان نستعد لآثار الحرب التي قد تصل إلينا، حتى لو لم نكن طرفا فيها.
فإذا لم تقع، سنكون قد امتلكنا مخزونات وبنية طوارئ وخططا تحمي الناس في الأزمات الأخرى.
وإذا وقعت، سنكون قد اشترينا لأنفسنا الشيء الوحيد الذي لا يمكن شراؤه بعد بدء الكارثة :الوقت

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *