الاعلام الاسباني يحتاج أولا إلى أن يهدئ قليلا من نشوة الميكروفون، ويفتح كتاب التاريخ.

سعيد حجي

الإعلام الإسباني الذي يتهجم اليوم بكل ما أوتي من قوة على المغرب، ويحاول أن يقدمه في بعض منابره باعتباره دولة حديثة العهد، بينما يضع إسبانيا في مقام الدولة الموغلة في القدم والحضارة، يحتاج أولا إلى أن يهدئ قليلا من نشوة الميكروفون، ويفتح كتاب التاريخ.
من باب قليان السم الإعلامي، يمكن فهم كل شيء.
الإعلام يستطيع أن يقول أي شيء تقريبا. يستطيع أن يضخم، ويختار، ويحذف، ويصنع من المهاجر المغربي عنوانا لأزمة سياسية، ومن الخلاف مع المغرب مادة انتخابية، ومن موقف الحكومة المغربية قضية تستحق أن تشغل نشرات الأخبار لأيام. الإعلام في كثير من الحالات لم يعد تلك الآلية الموضوعية التي يتخيلها البعض: صار ذراعا سياسيا لهذا الحزب أو ذاك، ومنبرا يستطيع السياسي من خلاله أن يكذب قليلا، أو كثيرا، ثم يترك للمشاهد مهمة تصديق الكذبة.
هذا مفهوم.
لكن حين يصل الأمر إلى التاريخ، تصبح المسألة مختلفة.
لأن الصحفي يستطيع أن يكذب على المشاهد ساعة، لكنه لا يستطيع أن يكذب على قرون كاملة.
والإعلام الإسباني يعرف هذا جيدا.
يعرف أن المغرب الذي يحاول تقديمه اليوم باعتباره بلدا حديثا بلا عمق تاريخي هو نفسه البلد الذي خرجت منه قوات طارق بن زياد نحو الأندلس سنة 711. ويعرف أن طارق بن زياد كان قائدا أمازيغيا من شمال إفريقيا، وأن جيشه انطلق من الضفة المغربية، وأن عبوره إلى الأندلس فتح واحدة من أكبر صفحات التاريخ المتوسطي.
ويعرف أيضا أن بعد ذلك بقرون جاء يوسف بن تاشفين من المغرب إلى الأندلس، وأن المرابطين، وهم دولة قامت في المغرب، دخلوا الأندلس بعد استنجاد ملوك الطوائف بهم، وانتصروا في معركة الزلاقة سنة 1086، ثم أصبح جزء كبير من الأندلس تحت حكمهم.
ثم جاء الموحدون.
دولة مغربية أخرى.
وفي عهدهم أصبحت إشبيلية واحدة من أهم مراكز القوة في الأندلس، واتخذها الموحدون عاصمة لهم في الأندلس، وأعادوا تشكيل عمرانها وبناء منشآتها وتحصيناتها. الجيرالدا نفسها، التي أصبحت اليوم واحدة من أشهر رموز إشبيلية، هي في أصلها مئذنة شيدت في العصر الموحدي. وإلى جانب إشبيلية، شهدت قرطبة ومدن أندلسية أخرى أعمالا عمرانية كبرى خلال الحكم الموحدي.
فليجلس ذلك الصحفي الذي يتحدث من وسط إشبيلية قليلا أمام تاريخ مدينته.
إشبيلية لم يبنها المغاربة من الصفر، وهذه حقيقة يجب احترامها: جذور المدينة أقدم من الإسلام. لكن إشبيلية الإسلامية التي أصبحت واحدة من أعظم مدن الأندلس تشكلت في مراحل أساسية من تاريخها تحت حكم دول جاءت من المغرب، وأعيد توسيع أسوارها وتحصينها وبناء منشآتها في العصر المرابطي والموحدي.
وهذه هي المشكلة مع الخطاب الإعلامي الذي يريد أن يختصر تاريخ المغرب في صورة مهاجر يقف على شاطئ إسبانيا.
المهاجر المغربي جاء بعد ألف سنة من طارق بن زياد.
وجاء بعد يوسف بن تاشفين.
وجاء بعد المرابطين والموحدين.
وجاء بعد قرون طويلة كان فيها المغرب طرفا فاعلا في تاريخ الأندلس.
فكيف يمكن أن تتحول الهجرة الحديثة إلى دليل على أن المغرب بلا تاريخ؟
كيف يمكن لصحفي يجلس في إشبيلية، مدينة تحمل فوق حجارتها آثار قرون من الحكم الإسلامي، أن يتحدث عن المغرب وكأنه ظهر على الخريطة بالأمس؟
هذا يحتاج إلى جرأة كبيرة على التاريخ.
ثم هناك مسألة أخرى أكثر إيلاما لمن يريد أن يستعمل الهجرة اليوم كوسيلة للإهانة.
إسبانيا نفسها لم تكن دائما ذلك البلد الأوروبي الغني الذي ينظر إلى الجنوب من برج عال.
في القرن العشرين عرف الإسبان الفقر والهجرة والبحث عن العمل في الخارج. هاجر عدد كبير من الإسبان إلى فرنسا وألمانيا وسويسرا وبلجيكا وغيرها، بحثا عن العمل وتحسين ظروف الحياة. وفي السبعينيات كانت إسبانيا تمر بتحولات اقتصادية وسياسية عميقة، وعندما دخلت سنة 1975 كانت البطالة والتضخم والأزمة الاقتصادية تتصاعد، وفي نهاية 1976 وصل عدد العاطلين إلى نحو 800 ألف شخص، أي قرابة 6 في المائة من قوة العمل، وهو أعلى مستوى خلال عشرين عاما آنذاك.
إسبانيا الحديثة حققت بعدها تحولا اقتصاديا هائلا، وهذا أمر يحسب لها.
لكن الذاكرة الأوروبية القصيرة لا ينبغي أن تتحول إلى غرور تاريخي.
فإسبانيا التي تنظر اليوم إلى المغربي المهاجر وكأنه جاء من بلد لا يعرف معنى العمل والحياة الكريمة، تعرف جيدا معنى أن يهاجر أبناؤها بحثا عن العمل.
وتعرف أيضا أن المغرب نفسه كان يستقبل الإسبان.
في طنجة وتطوان ومدن مغربية أخرى عاش إسبان وعملوا وتاجروا ومارسوا الحرف والمهن المختلفة. وفي منطقة الحماية الإسبانية كان هناك وجود إسباني مدني واسع، وكان المغرب فضاء للعمل بالنسبة إلى عدد من الإسبان.
أي أن قصة الهجرة لم تكن دائما في اتجاه واحد.
التاريخ الاقتصادي لا يعرف هذه الغطرسة.
اليوم يذهب المغربي إلى إسبانيا بحثا عن العمل، وغدا قد تتغير الظروف الاقتصادية، مثلما تغيرت في كل تاريخ العالم.
لكن بعض الإعلام الإسباني يريد أن يحول لحظة اقتصادية إلى حكم حضاري أبدي.
وهنا تظهر السذاجة.
ثم يأتي الحديث عن « الدولة الحديثة ».
إذا كان المقصود أن المغرب دولة حديثة بمعنى الدولة المعاصرة، فهذا أمر طبيعي، كما أن إسبانيا نفسها بصورتها السياسية الحالية ليست امتدادا بسيطا لدولة أبدية لم تتغير منذ آلاف السنين.
أما إذا كان المقصود أن المغرب حديث العهد بالتاريخ والدولة والحضارة، فهذه كذبة تاريخية كاملة.
المغرب عرف دولا وسلالات وممالك ومراكز حضرية وتجارية وعلمية قبل أن تظهر الدولة الإسبانية الحديثة بصورتها الحالية.
الأدارسة. المرابطون. الموحدون. المرينيون. السعديون. العلويون.
هذه ليست أسماء للزينة في الكتب المدرسية.
هذه دول حكمت، وحاربت، وبنت، وتاجرت، وعقدت العلاقات مع القوى الخارجية، وتركت آثارها في المغرب والأندلس والصحراء وإفريقيا.
بل إن المرابطين والموحدين لم يكونوا مجرد دولتين مغربيتين انعزلتا خلف جبال الأطلس: كانتا قوتين سياسيتين وعسكريتين كبيرتين في غرب العالم الإسلامي، ووصل نفوذهما إلى أجزاء واسعة من اوروبا .
وعندما نتحدث عن طارق بن زياد أو يوسف بن تاشفين فنحن نتحدث عن أقرب صفحات التاريخ المغربي والأندلسي، فما بالك بما سبق ذلك؟
المغرب لم يبدأ مع طارق بن زياد.
ولا بدأ مع الأدارسة.
الأرض المغربية كانت مسرحا لحضارات وممالك قديمة، وكانت مرتبطة بالعالم المتوسطي منذ قرون بعيدة، وعرفت مملكة موريطانيا القديمة، ثم الوجود الروماني في أجزاء منها، ثم تحولات سياسية واجتماعية عميقة انتهت إلى قيام الدولة الإسلامية وتطور الكيان المغربي عبر القرون.
فمن أين جاءت إذن هذه الجرأة على وصف المغرب وكأنه دولة بلا تاريخ؟
جاءت من السياسة.
ومن الحاجة إلى صناعة صورة مريحة للمواطن الإسباني: نحن في الشمال، وهم في الجنوب: نحن الحضارة، وهم الهجرة: نحن الدولة القديمة، وهم الدولة الحديثة.
هذه رواية مريحة جدا.
لكنها لا تصمد أمام كتاب تاريخ واحد.
ثم نصل إلى الجزء الأكثر غرابة.
إسبانيا تتحدث عن الحضارة والسلام والاستقرار والقانون، بينما ما زالت تحتفظ بوجودها في سبتة ومليلية المغربيين على الساحل الإفريقي.
سبتة تحديدا دخلت التاريخ الاستعماري الأوروبي عندما احتلتها البرتغال سنة 1415، ثم أصبحت تحت التاج الإسباني سنة 1668 بعد اعتراف البرتغال بالسيادة الإسبانية عليها. أما مليلية فقد احتلتها إسبانيا سنة 1497. هذه وقائع تاريخية موثقة، وليست شعارات اخترعها المغاربة في عصر مواقع التواصل الاجتماعي.
فكيف يمكن لدولة أوروبية أن تعطي المغرب دروسا في الحدود والاستعمار والحضارة، ثم تتعامل مع وجودها في شمال إفريقيا كمستعمرة وكأنه صفحة لا يجوز لأحد أن يفتحها؟
كيف يمكن أن يصبح المغربي الذي عبر المضيق مشكلة حضارية، بينما وجود إسبانيا نفسها على الضفة الإفريقية يصبح أمرا طبيعيا لا يحتاج إلى تفسير؟
هذه ازدواجية لا تحتاج إلى كثير من الشرح.
ويمكن للإعلام الإسباني أن يكتب ما يشاء عن المغرب.
يمكنه أن ينتقد الديمقراطية المغربية.
يمكنه أن ينتقد حقوق الإنسان.
يمكنه أن ينتقد الاقتصاد.
يمكنه أن ينتقد طريقة تدبير ملف الهجرة.
يمكنه أن يقول إن المغرب ما زال يحمل آثارا ثقيلة من الاستعمار الفرنسي والإسباني.
في كل هذه القضايا يمكن للمغربي أن يناقش، وأن يختلف، وأن يعترف أيضا بما يجب الاعتراف به.
لكن عندما يصل الأمر إلى القول إن المغرب بلد حديث بلا تاريخ، فهنا يصبح الكلام مضحكا.
لأنك تستطيع أن تنتقد دولة مغربية معاصرة، لكنك لا تستطيع أن تنتقد تاريخ المغرب وكأنه قرار حكومي صدر صباح اليوم.
والمفارقة أن الإعلام الإسباني الذي يريد أن يقدم المغرب باعتباره بلدا حديثا يفعل ذلك أحيانا من داخل مدن تحمل في عمارتها ذاكرة مغربية وأندلسية وإسلامية عمرها قرون.
يمشي الصحفي في إشبيلية، وينظر إلى الجيرالدا، ثم يعود إلى الاستوديو ليشرح للمغربي أنه بلا حضارة.
هنا يصبح التاريخ نفسه ساخرا من الصحفي.
ثم هناك حقيقة أخرى يجب أن يتذكرها الإعلام الإسباني: المغرب لم يخرج من الاستعمار بالأمس.
خضع المغرب لنظام الحماية الفرنسية والإسبانية سنة 1912، واستمر هذا الوضع إلى استقلاله سنة 1956.
أي أن المغرب الحديث ورث بلدا خرج لتوه من تجربة استعمارية طويلة، واقتصادا أعيد تنظيمه وفق مصالح القوى الاستعمارية، ومجتمعا خرج من مرحلة تاريخية ثقيلة.
يمكن أن نحاسب المغرب على ما فعل بعد الاستقلال.
لكن من السخف أن ننسى ما حدث قبله.
ومن السخف أكثر أن يستخدم المستعمر السابق آثار المرحلة الاستعمارية نفسها كحجة لإهانة البلد الذي خرج منها.
إسبانيا تستطيع أن تكتب ألف مقال ضد المغرب.
وتستطيع أن تصنع ألف تقرير عن المهاجر المغربي.
وتستطيع أن تضع عشرات السياسيين في الاستوديوهات ليتحدثوا عن المغرب.
لكن عليها أن تتذكر شيئا بسيطا:
المغرب ليس مهاجرا وصل أمس إلى شواطئها.
المغرب كان هنا قبل أن يصبح البحر المتوسط طريقا للهجرة.
وكانت له دوله قبل أن تتشكل إسبانيا الحديثة.
وكان له علماؤه ومدنه وأسواقه وجيوشه وعلاقاته الدولية.
وكانت جيوشه تعبر المضيق إلى الأندلس.
وكان يوسف بن تاشفين يعبر إلى الأندلس.
وكان الموحدون يحكمون إشبيلية.
وكانت مدن الأندلس تعيش قرونا كاملة ضمن المجال السياسي والثقافي للمغرب.
ولهذا فإن أفضل ما يمكن أن يفعله ذلك الصحفي الذي يريد أن يشرح للمغاربة تاريخهم هو أن يبدأ بتاريخ بلده أولا.
بعد ذلك، فليكتب ما يشاء.
أما أن يتحول الإعلام إلى آلة لنفخ الأنا القومية، وأن تتحول الهجرة إلى ذريعة لاحتقار شعب، وأن يتحول التفوق الاقتصادي الحالي إلى ادعاء بتفوق حضاري أبدي، فهذه حيلة رخيصة.
التاريخ أكبر من ذلك.
والحقيقة أبقى من ذلك.
إسبانيا اليوم دولة قوية ومتقدمة، وهذا واقع.
والمغرب اليوم دولة ما زالت أمامها أسئلة كبرى في الديمقراطية والتنمية والعدالة الاجتماعية، وهذا واقع أيضا.
لكن قوة الحاضر لا تمنح أحدا حق سرقة الماضي.
ومن يريد أن يتحدث عن الحضارة عليه أولا أن يتعلم التواضع أمام التاريخ.
أما إسبانيا، فعليها أن تخرص قليلا حين يتعلق الأمر بإعطاء المغرب دروسا في الحضارة والاستعمار والسلم العالمي، وهي التي ما زالت تحتفظ بمدينتين على الساحل الإفريقي ارتبط وجودهما الحديث بالتوسع الأوروبي في شمال إفريقيا.
فالتاريخ لا يكذب.
الإعلام يستطيع أن يكذب.
السياسي يستطيع أن يناور.
الصحيفة تستطيع أن تصرخ.
القناة تستطيع أن تكرر الكذبة مئة مرة.
لكنها جميعا ستصطدم في النهاية بالحقيقة نفسها:
المغرب أقدم من الصورة التي يريد بعض الإعلام الإسباني أن يرسمها له، وأعمق من أن تختصره صحافة غاضبة في مهاجر يعبر المضيق.
والذين يريدون أن يمحوا تاريخ المغرب من أجل تبرير موقف سياسي صغير ، عليهم أن يعرفوا أن التاريخ لا يمحى بالحبر الصحفي.
لأن التاريخ كتبته المدن، وكتبته الجيوش، وكتبته الكتب، وكتبته الآثار، وكتبته القرون.
وهذه كلها لا تعمل لدى أي قناة إسبانية..




Aucun commentaire