لا اعتبار ولا مبرر لطرق مبتدعة مع وجود محجة رسول الله صلى الله عليه وسلم البيضاء التي ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا الهلكة

لا اعتبار ولا مبرر لطرق مبتدعة مع وجود محجة رسول الله صلى الله عليه وسلم البيضاء التي ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا الهلكة
محمد شركي
إن الداعي لتحرير هذا المقال هو الضجة الإعلامية الكبرى عبر وسائل التواصل الاجتماعي التي خلفها فيديو شوهد فيه صاحب طريقة من الطرق وقد جثا أحد مريديه على ركبتيه في هيئة سجود يقبل قدميه ،وقد خلف هذا المشهد المبتذل لكرامة ذلك الجاثي استياء كبيرا لدى الرأي العام الوطني ، وانبرى لنقده عدد كبير من المعلقين بما في ذلك بعض المنتمين إلى الحقل الحقوقي. ولقد حاول بعض أتباع شيخ هذه الطريقة تبرئته من المسؤولية عن هذه اللقطة المهينة للكرامة الإنسانية واعتبارها محض انفلات من الجاثي إلا أن ذلك لا يعفي شيخه من المسؤولية لأنه لم يمنع مريده من ذلك صيانة لكرامته وصيانة لسمعته .
إن الطرقية كانت عبر التاريخ معضلة من معضلات المجمتع الإسلامي مشرقا ومغربا حيث كانت نشأتها الأولى كما أرخ لها المؤرخون عبارة عن ردة فعل أو موقف من بعض الزهاد على ما طرأ على حياة الأمة المسلمة من انحرافات أو انزلاقات عن هدي الكتاب والسنة فانزوى بعضهم في زوايا منقطعين للعبادة كرد فعل على انصراف سواد الناس إلى إشباع الشهوات ونشدان الملذات والغفلة عن التزام محجة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي أمر الأمة بلزومها والعض بالنواجذ على ما سنه لها من هدي وعلى ما كان عليه خلفاؤه الراشدون المهديون الذين اتبعوا هديه والذين لم يبتدعوا يعده شيئا كما جاء في الحديث الشريف الذي رواه ابن ماجة عن العرباض بن سارية الذي قال : » وعظنا رسول الله عليه وسلم موعظة ذرفت لها الدموع ، ووجلت منها القلوب ، فقلنا يا رسول الله إن هذه لموعظة مودع فماذا تعهد إلينا ؟ قال : قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك ، من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا ، فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ ، وعليكم بالطاعة وإن عبدا حبشيا ، فإنما المؤمن كالجمل الأنف حيثما قِيد انقاد » .
ولما تراخى الزمن عن زمن النبوة والخلافة الراشدة تحققت نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث ظهر الاختلاف الكثير في الأمة حكاما ومحكومين ، ومن جملة ما ظهر ما سمي بالطرق الصوفية التي بدأت أول الأمر كزهد في الدنيا وقت تهافت سواد الأمة عليها إلا أن هذا الزهد سرعان ما تحول إلى تلك الطرق التي صار لها شيوخ كُمَّل ٌ كما ينعتونهم مريدوه ، وصار هؤلاء الشيوخ يزعمون أنهم قد حصلوا على الإذن من رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ افتراء عليه ـ وكان بعضهم يتحدث عن حصوله على هذا الإذن مناما بينما غالى البعض الآخر في ذلك مدعين أنهم قد حصلوا عليه يقظة وعيانا .
ومع مرور الزمن وتعدد تلك الطرق واختلاف من ابتدعوها صارت تصنف إلى بدعية وأخرى سنية وإن كان أصحاب هذه وأصحاب تلك يزعمون أنها كلها سنية علما بأنه ما كان لهذه الطرق أن تبتدع أصلا والرسول الأعظم الأكرم صلى الله عليه وسلم قد تركنا على المحجة البيضاء التي ليلها ونهارها والتي قوامها العض بالنواجذ على سنته وعلى سنة الخلفاء الراشدين من بعده ، وهي سنة موضحة وشارحة ومفصلة لما جاء في كتاب الله عز وجل مجمله ومفصله وهي عبارة عن تنزيل عملي إجرائي من سول الله صلى الله عليه وسلم لما في الذكر الحكيم عبادات ومعاملات وهو تنزيل اقتدى به خلفاؤه الراشدون المهديون وصحابته الكرام رضوان الله عليهم أجمعين .
وخلافا لما عليه الحال في سلوك محجته البيضاء صلى الله عليه وسلم طلعت على الأمة المسلمة منذ قرون مضت طرق ببدع تنكرها سنته وسنة خلفائه الراشدين المهديين وصحابته الكرام ومن ذلك ابتداع المشيخات حيث ظهر في الناس شيوخ يوصفون بالكُمَّل والأقطاب يتبعهم مريدون وهم يسلكون بهم ما يسمونه طرقا ينعتونها بنعوت تنسب إليهم ، ويستدرجونهم إليها بما يجعلونهم يعتقدون فيهم من قداسة وكرامات أوخوارق ، ويسلكون بهم ما يسمونه مقامات وأحوال ، ويعبرون لهم ما يرونه من رؤى لشدهم إليهم ، والأدهى من ذلك أنهم ابتدعوا لهم أنواعا من الجذب و الشطحات والترنحات والترنمات على وقع إيقاعات بعضها تستعمل فيها دفوف أوطبول وربما استعملت أيضا آلات موسيقية كما هو الحال عند بعض الطرق . ومعلوم أنه ليس عند من ابتدعوا تلك البدع دليل من كتاب أو سنة وإنما كل ذلك من الزيغ الواضح والصارخ عن المحجة البيضاء والانحراف عن بياضها إلى سواد البدع والضلالات، ولا زال أهل العلم يتحدونهم بالإتيان بأدلة على ما ابتدعوه من الكتاب والسنة بعيدا عن باطن التأويلات ، ومع ذلك نجدهم مصرين على بدعهم ، ويجدون الدعم الكامل لتسويقها بين الناس .
وأخطر من ذلك اعتقاد الطهر والقداسة في شيوخ تلك الطرق وتقبيل أيديهم وأرجلهم بل قد يبلغ الأمر ببعض مريديهم التهافت عن شرب غسيل أيديهم . وفضلا عن ذلك تجمع الأموال على المريدين ويغتني بها الشيوخ ، وتقام ببعضها المواسم أو الوعدات . ولقد كثر هؤلاء الشيوخ في أزمنة مضت وفي هذا الزمان أيضا وكلهم يدعون أنهم أقطاب هذا الزمان وطرائقهم قددا .ومعظمهم يدعي النسب الشريف علما بأن الذي يرفع الناس إنما هي أعمالهم وليست أنسابهم ، ولو كانت الأنساب تنفع لما كان أبو لهب في النار وهو عم الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولما دخلها والد إبراهيم الخليل عليه السلام ، ولما دخلتاها أمرأتا نبيي الله نوح ولوط عليهما السلام .
ومعلوم أنه من التزام المحجة البيضاء الثبات على ما جاء في كتاب الله تعالى كقوله في الآية الكريمة الثالثة والثلاثين من سورة لقمان : (( يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور )) وكفى بهذه الآية صارفة للعظامية ومحفزة على العصامية ومنبهة لمن يعولون على نسب أو قرابة أبوة وبنوة عوض التعويل على تقوى الله عز وجل والعمل الصالح .
ومن العادات التي ابتدعتها الطرق إقامة المواسم عند أضرحة شيوخ هلكوا وشيدت على قبورهم قبب ، وعندها تذبح الذبائح ، وتقام الولائم التي يحضرها من يعتقدون في أصحابها ما لا يعتقد إلا في الله سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا حيث يقصدونهم للاستمطار قبيل مواسم الحرث عوض التوجه إلى الله تعالى دون شركاء بصلاة الاستسقاء التي سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم . ويصاحب هذه المواسم لعب ولهو وفروسية ودجل كثير تضفى عليه القداسة .
ومع كل ما يبذله أهل العلم الصادقون من توعية الناس ببدعية هذه المواسم والوعدات فإنها في ازدياد كبير سنة بعد أخرى، وقد صارت الطرق والقبائل والعشائر التي تحتضنها تتنافس في إقامتها ويفاخر ويباهي بعضهم بعضا بحجم وعدد من يحضرونها وبحجم ما ينفق أو يجمع فيها من أموال تظهر النعم على من يحصلونها باسم الدين والتقديس مساكنا ومراكبا ومآكلا ومشاربا ورفاهية وسفريات عبر أقطار العالم …. إلى غير ذلك من الأبهات ، وكان من المفروض أن تنفق تلك الأموال على الفقراء المحاويج وعلى تطبيبهم وقضاء حوائجهم الملحة، وتوظفها لإنشاء مرافق تعود بالنفع على الوطن وعلى عموم المواطنين .
وأخيرا نقول عسى أن تكون تلك الفلتة التي أصابت كرامة الجاثي على ركبتيه مقبلا قدم شيخه في الصميم ، وأثارت استياءا كبير بين عموم الناس نقلة من تقديس الأفراد وتنزيههم وما هم إلا عباد مذنبون ككل العباد علما بأن التنزيه إنما يكون من الله تعالى القائل في محكم تنزيله في الآية الكريمة التاسعة والأربعين من سورة النساء : (( ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء ولا يظلمون فتيلا )) ، وقد نزلت في أهل الكتاب الذين زعموا أنهم أبناء الله وأحباؤه فكذبهم الله تعالى ، وحكمها ينطبق على كل من يزكي نفسه ويتخذ ذلك وسيلة لأكل أموال الناس بالباطل عن طريق استغفالهم وبيع الأحلام لهم ، وصرفهم عن توحيد الله تعالى التوحيد الخالص الذي لا تشوبه شوائب سواء عن سبق إصرار وسوء قصد أو عن غفلة وغباء وجهل .




Aucun commentaire