Home»International»بَيْنَ إِحْبَاطِ هُجُومٍ دَمَوِيٍّ وَزِلْزَالٍ دِبْلُومَاسِيٍّ: كُولُومْبِيَا تُعِيدُ رَسْمَ خَرِيطَةِ تَحَالُفَاتِهَا وَتُدِيرُ ظَهْرَهَا لِلْجَزَائِرِ

بَيْنَ إِحْبَاطِ هُجُومٍ دَمَوِيٍّ وَزِلْزَالٍ دِبْلُومَاسِيٍّ: كُولُومْبِيَا تُعِيدُ رَسْمَ خَرِيطَةِ تَحَالُفَاتِهَا وَتُدِيرُ ظَهْرَهَا لِلْجَزَائِرِ

0
Shares
PinterestGoogle+

عبدالقادر كتـــرة
في مشهد يحبس الأنفاس، اختلطت فيه التوترات الأمنية بالتحولات السياسية الجذرية، عاشت كولومبيا ساعات عصيبة قبل انطلاق مراسم تنصيب رئيسها المنتخب ألبيردو دي لا إسبريلا. ففي الوقت الذي كانت فيه الأنظار تتجه نحو مدينة « كالي » لترقب خطاب التنصيب، كانت الأجهزة الأمنية تخوض سباقاً مع الزمن لتفكيك حافلة مفخخة بمئات الكيلوغرامات من المتفجرات، في محاولة اغتيال كادت أن تعصف باستقرار البلاد، وسط مؤشرات قوية لتورط عناصر منشقة عن تنظيم «فارك» اليساري المسلح.
بيد أن الدخان الذي كاد أن يتصاعد من ساحات « كالي »، قابله غبار كثيف أثارته قرارات دبلوماسية غير مسبوقة اتخذها الرئيس الجديد، أحدثت زلزالاً في أروقة السياسة الخارجية الكولومبية، وترددت أصداؤه بقوة في شمال إفريقيا.
رسالة أمنية من قلب التحدي
لم يكن اختيار مدينة « كالي » لاحتضان مراسم التنصيب بدلاً من العاصمة بوغوتا محض صدفة؛ بل كان قراراً سيادياً من « دي لا إسبريلا » لفرض هيبة الدولة في مناطق النفوذ التقليدي للجماعات المسلحة.
إحباط الهجوم وتفكيك العبوات الناسفة دون تسجيل إصابات، لم يعكس فقط يقظة استخباراتية عالية، بل شكّل أول انتصار معنوي للرئيس المحافظ على قوى التمرد اليساري، معلناً عن نهاية حقبة التساهل الأمني.
انقلاب في العقيدة الدبلوماسية
لم يكتفِ « دي لا إسبريلا » بتأمين الداخل، بل أطلق رصاصة الرحمة على سياسات سلفه « غوستافو بيترو » الخارجية.
تحت شعار « ترشيد النفقات والواقعية السياسية »، أعلنت بوغوتا إغلاق 14 سفارة حول العالم، في خطوة تتجاوز التوفير المالي لتشكل إعادة تموضع استراتيجي كامل.
لقد أعلنت كولومبيا قطيعتها التامة مع الأنظمة اليسارية الاستبدادية في أمريكا اللاتينية، لكن الحدث الأبرز كان خارج القارة؛ حيث شملت قرارات الإغلاق سفارتي كولومبيا في كل من الجزائر وجنوب إفريقيا، تزامناً مع سحب الاعتراف بجبهة البوليساريو.
انتكاسة جزائرية وانتصار مغربي
يمثل هذا التحول الكولومبي ضربة قاصمة للدبلوماسية الجزائرية ولمحور « الجزائر – بريتوريا » الداعم للأطروحات الانفصالية. فبعد أن استثمرت البوليساريو والجزائر في التقارب الأيديولوجي مع حكومة بيترو اليسارية السابقة، جاءت الإدارة الجديدة لتنسف هذه المكتسبات، معتبرة أن هذه التحالفات لا تخدم المصالح القومية لكولومبيا.
وفي مقابل هذا التراجع، برز احتفاظ كولومبيا بسفارتها في العاصمة المغربية الرباط كدليل قاطع على نجاح الدبلوماسية الاستباقية والبراغماتية للمملكة.
لقد أثبت المغرب مجدداً قدرته على تحصين شراكاته في أمريكا اللاتينية وعزل الأطروحات الانفصالية، من خلال بناء علاقات مبنية على التعاون الاقتصادي وتبادل المصالح (كالفوسفات والأمن الغذائي)، بعيداً عن تقلبات الحكومات والأيديولوجيات.
نحو براغماتية جديدة تكشف التطورات المتسارعة في كولومبيا عن توجه جديد في أمريكا اللاتينية، يتجاوز خطابات « المد الوردي » اليساري ليعانق لغة المصالح الواقعية.
إن نجاة ألبيردو دي لا إسبريلا من الاغتيال، وقراراته الدبلوماسية الجريئة، تؤسس لمرحلة كولومبية جديدة؛ مرحلة تضع الأمن القومي والمصالح الاقتصادية العليا فوق كل اعتبار أيديولوجي، تاركةً الدول التي ما زالت تراهن على دعم الحركات الانفصالية في عزلة دبلوماسية متزايدة.

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *