عيد العرش السابع والعشرون رؤية ملكية صنعت مغربًا جديدًا وأرست أسس قوة إقليمية صاعدة

عيد العرش السابع والعشرون
رؤية ملكية صنعت مغربًا جديدًا وأرست أسس قوة إقليمية صاعدة
« Pour ce qui est de l’avenir, il ne s’agit pas de le prévoir, mais de le rendre possible »
Antoine de Saint-Exupéry
و ليست عظمة الدول فيما تنجزه من مشاريع، بل في قدرتها على تحويل الرؤية إلى مؤسسات، والطموح إلى سياسات، والمستقبل إلى واقع.
بقلم الأستاذة سليمة فراجي
تحل الذكرى السابعة والعشرون لتربع صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، على عرش أسلافه المنعمين، والمغرب يعيش مرحلة مفصلية من تاريخه الحديث، عنوانها الانتقال من منطق الإصلاح المتدرج إلى منطق ترسيخ دولة صاعدة، قادرة على التكيف مع التحولات الدولية، وصناعة الفرص، وتعزيز مكانتها الاقتصادية والدبلوماسية والإستراتيجية.
فبعد سبعة وعشرين عامًا من البناء المتواصل، لم تعد حصيلة العهد الجديد تُقاس بعدد الأوراش المفتوحة أو المشاريع المنجزة فحسب، وإنما بقدرة المغرب على إعادة صياغة موقعه داخل عالم يشهد تحولات متسارعة، حيث أصبحت القوة تقاس بامتلاك الرؤية، وحسن التخطيط، والقدرة على استباق المستقبل.
فلسفة المشروع الملكي… بناء الدولة قبل بناء المشاريع
المتأمل في مسار المغرب منذ سنة 1999 يلاحظ أن الأمر لم يكن عبارة عن مشاريع متفرقة أو إصلاحات ظرفية، وإنما مشروع دولة متكامل يقوم على فلسفة واضحة، يمكن اختزالها في أربعة مرتكزات كبرى:
أولها ترسيخ السيادة الوطنية باعتبارها الإطار الذي تُبنى داخله جميع السياسات العمومية.
وثانيها جعل التنمية الاقتصادية أداة لتعزيز الاستقلال الاستراتيجي للمملكة.
وثالثها تحقيق العدالة المجالية حتى لا يبقى النمو محصورًا في محور جغرافي واحد، بل يمتد إلى مختلف جهات المملكة.
أما المرتكز الرابع، فهو اعتماد دبلوماسية اقتصادية استباقية تجعل المغرب شريكًا موثوقًا وقوة اقتراح داخل محيطه الإفريقي والأورو-متوسطي والأطلسي.
ومن خلال هذه الرؤية المتكاملة، انتقل المغرب من تدبير الأزمات إلى صناعة الفرص، ومن منطق رد الفعل إلى التخطيط بعيد المدى.
2030 ، ليس موعدًا رياضيًا بل موعدًا حضاريًا
ذلك ان اختيار المغرب لتنظيم كأس العالم 2030، إلى جانب إسبانيا والبرتغال، لا يمثل نجاحًا رياضيًا فحسب، بل يعكس ثقة المجتمع الدولي في نموذج الاستقرار المغربي.
غير أن الرؤية الملكية لم تنظر إلى هذا الحدث باعتباره غاية في حد ذاته، وإنما اعتبرته رافعة لتسريع الإصلاحات الكبرى، وتأهيل البنيات التحتية، واستقطاب الاستثمارات، وتعزيز الاقتصاد الوطني، وتحديث المدن، وخلق فرص الشغل، وتحسين جودة الخدمات العمومية.
لذلك فإن سنة 2030 ليست موعدًا رياضيًا فقط، بل محطة تاريخية لترجمة مشروع تنموي متكامل، يجعل من المغرب منصة اقتصادية ولوجستية ودبلوماسية تربط بين إفريقيا وأوروبا والعالم الأطلسي.
اقتصاد يصنع القيمة المضافة
خلال السنوات الأخيرة، رسخ المغرب مكانته كإحدى أهم القواعد الصناعية بإفريقيا، خصوصًا في صناعات السيارات والطيران والصناعات الغذائية، مع تطوير الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر، وتعزيز الأمن الطاقي والغذائي.
كما واصل تنويع شركائه الاقتصاديين، وتوسيع حضوره داخل الأسواق الإفريقية والآسيوية والأمريكية، مع الحفاظ على علاقات متينة مع شركائه الأوروبيين، بما يجعل الاقتصاد المغربي أكثر قدرة على مواجهة التقلبات الدولية.
دبلوماسية المبادرة لا دبلوماسية الانتظار
إذا كان الاقتصاد يمثل أحد أعمدة المشروع الملكي، فإن الدبلوماسية شكلت أحد أبرز عناصر قوته.
فالمغرب لم يعد يكتفي بالدفاع عن مواقفه، بل أصبح يصنع المبادرات ويقترح الحلول، سواء داخل القارة الإفريقية أو في الفضاء الأطلسي أو في محيطه المتوسطي.
وفي مقدمة هذه النجاحات، يبرز الزخم الدولي المتواصل الذي تحظى به مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الحل الواقعي والجاد للنزاع الإقليمي المفتعل حول الصحراء المغربية، في إطار قيادة ملكية جعلت من قضية الوحدة الترابية أولوية استراتيجية، وربطت التنمية بالأمن والاستقرار.
العدالة المجالية… من الشعار إلى الواقع
ومن موقع انتمائي إلى جهة الشرق، لا يسعني إلا أن أستحضر باعتزاز مجموعة من المشاريع منها المشروع الملكي الكبير لميناء الناظور غرب المتوسط، الذي يقترب اليوم من أن يصبح أحد أهم الموانئ المتوسطية، بما يحمله من آفاق اقتصادية واستثمارية واعدة للجهة وللمملكة.
لقد تحول الوعد الملكي الذي أعلن عنه جلالة الملك بمدينة وجدة سنة 2003 إلى ورش استراتيجي قائم، يؤكد أن العدالة المجالية ليست شعارًا سياسيا، وإنما خيارًا تنمويًا راسخًا.
كما يندرج ضمن هذه الرؤية مشروع ميناء الداخلة الأطلسي، وتوسعة شبكة القطار فائق السرعة، وتعزيز البنيات الطرقية، ومشاريع تحلية مياه البحر، وتحديث المطارات، وإطلاق مناطق صناعية جديدة، بما يجعل مختلف جهات المملكة شريكة في التنمية.
الاستثمار في الإنسان
ولم يكن المشروع الملكي مشروع إسمنت وحديد فقط، بل مشروع إنسان قبل كل شيء.
فورش الحماية الاجتماعية، وتعميم التأمين الإجباري عن المرض، ودعم الفئات الهشة، وإصلاح التعليم، وتطوير التكوين المهني، وتسريع الرقمنة، ومراجعة مدونة الأسرة، كلها تعكس إرادة ثابتة لبناء دولة حديثة يكون فيها المواطن محور التنمية وغايتها.
المغرب… قوة إقليمية هادئة
في عالم يموج بالصراعات والأزمات الاقتصادية والتحولات الجيوسياسية، استطاع المغرب أن يحافظ على استقراره، وأن يعزز صورته كشريك موثوق، ودولة تحترم التزاماتها، وتبني علاقاتها على مبدأ الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.
ولعل ما يميز التجربة المغربية هو أنها لم تراهن على الخطابات، وإنما على التراكم الهادئ، وعلى بناء المؤسسات، وعلى استثمار الموقع الجغرافي والرصيد الحضاري للمملكة في خدمة مشروع تنموي طويل النفس.
إن الاحتفاء بالذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش ليس مناسبة لاستحضار الماضي فقط، بل هو وقفة للتأمل في مشروع دولة اختار منذ بدايته أن يبني المستقبل بدل أن يكتفي بتدبير الحاضر.
لقد أثبتت التجربة أن الرؤية الملكية لم تكن مجرد برنامج حكومي أو مخطط ظرفي، بل فلسفة متكاملة في الحكم، قوامها السيادة، والتنمية، والعدالة المجالية، والانفتاح المتوازن على العالم.
ومع اقتراب أفق 2030، تبدو ملامح المغرب الجديد أكثر وضوحًا من أي وقت مضى؛ مغرب يراكم الإنجازات بثقة، ويعزز حضوره الاقتصادي والدبلوماسي، ويواصل بناء نموذج تنموي يجعل من الإنسان محور التنمية، ومن الوطن فضاءً للاستقرار والطموح.
ختاما لا بد ان اشير ان جهة الشرق انتقلت من هامش الجغرافيا إلى قلب الرؤية الملكية
وبوصفي ابنة جهة الشرق، أستحضر هذه المناسبة بكثير من الاعتزاز، لأنني أنتمي إلى جهة ظلت لسنوات طويلة تواجه تحديات مرتبطة بإغلاق الحدود والتحولات الاقتصادية التي أثرت على نسيجها الاجتماعي والاستثماري. غير أن الرؤية الملكية منذ 1999لم تنظر إلى الشرق باعتباره جهة تعيش إكراهات ظرفية، بل باعتباره فضاءً استراتيجياً يمتلك من المؤهلات ما يجعله قطباً اقتصادياً ولوجستياً واعداً.
ولعل مشروع ميناء الناظور غرب المتوسط كما أشرت إلى ذاك أعلاه يجسد بامتياز هذه الفلسفة. فمنذ الخطاب الملكي بمدينة وجدة سنة 2003، لم يكن الحديث عن ميناء جديد، وإنما عن إعادة هندسة مستقبل جهة بأكملها. واليوم، ونحن نقترب من دخول هذا الورش الضخم مرحلة الاستغلال، تتضح معالم رؤية جعلت من البحر المتوسط بوابة جديدة لتنمية الشرق، وربطته بالشبكات العالمية للنقل البحري والاستثمار والصناعة.
ولا يقف الأمر عند هذا المشروع وحده، بل يندرج ضمن تصور استراتيجي متكامل يشمل تطوير البنيات التحتية، وتعزيز الربط الطرقي والسككي، وننتظر ان تتم التفاتة إلى الخط السككي وجدة فاس واستقطاب الاستثمارات الصناعية، وخلق فرص الشغل، بما يجعل جهة الشرق شريكاً أساسياً في الاقتصاد الوطني، لا مجرد مجال جغرافي على الهامش.
الشرق لم يعد يُنظر إليه فقط من زاوية الحدود الشرقية، بل أصبح يُنظر إليه ضمن الرؤية الملكية كحلقة وصل بين المتوسط وإفريقيا والمجال الأطلسي. وهذا تحول كبير في العقيدة التنموية للمغرب، ويعكس انتقال الدولة من تدبير الحدود إلى صناعة الممرات الاقتصادية
ومن هنا، فإننا، أبناء هذه الجهة، لا ننظر إلى المشاريع الملكية باعتبارها إنجازات معزولة، بل نراها تعبيراً عن فلسفة في الحكم قوامها أن التنمية الحقيقية لا تكتمل إلا عندما تشمل جميع جهات المملكة، وتمنح لكل مجال نصيبه من الاستثمار والثقة والأمل
سليمة فراجي
وجدة – يوليوز 2026




Aucun commentaire